لم يكن «منتدى القرآن العالمي الأول: أقومية القرآن»، الذي استضافته العاصمة القطرية الدوحة بين 16 و18 أكتوبر 2026، نشاطاً أكاديميا دوريا أو ملتقى وعظيا يقتصر على فضائل النص وأحكام تلاوته. لقد شكل محطة معرفية أعلنت تدشين مرحلة في الفكر الإسلامي المعاصر تسعى إلى الانتقال من مجرد التلاوة الخالية من التدبر إلى فضاء الأقومية المؤسسة للحضارة والمنتجة للنظريات.

انطلق المنتدى متكئا على إشراقة الآية المحكمة من سورة الإسراء: {إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} [الإسراء: 9]، ليطرح السؤال الوجودي والمعرفي الذي تحاشته نخب الأمة لعقود: إذا كان القرآن يهدي للتي هي أقوم، فلماذا تبيت المجتمعات المسلمة في تيه التبعية الفكرية، وتستهلك النظريات التربوية، والسياسية، والاجتماعية، والنفسية المستوردة من سياقات حداثية غربية مأزومة؟ وكيف تحول هذا الكتاب الذي بنى في قرنه الأول أعظم امتداد حضاري عرفه التاريخ إلى كتابٍ محصور في المقابر، والمحاريب، والرقائق الروحية، بينما تُدار شؤون السياسة، والمال، والتربية، والأسرة، والدولة بنماذج وضعية مباينة لقيمه وأصوله؟

على مدار 72 ساعة من التداول المعرفي، وبمشاركة علماء ومفكرين وباحثين ينتمون إلى أكثر من 60 دولة، شَهِدت الدوحة ورش عمل، ومحاضرات، وجلسات بحثية محكمة، وخرجت في نهاية أعمال المنتدى بجملة من التوصيات.

البنية الهيكلية للمنتدى ومحاوره العلمية الخمسة

جاء المنتدى كثمرة شراكة استراتيجية رائدة بين مؤسسة وعي للدراسات والأبحاث وجامعة حمد بن خليفة ممثلة بكلية الدراسات الإسلامية، مستهدفاً صياغة إطار تطبيقي تتكامل فيه العلوم الشرعية مع العلوم الإنسانية والاجتماعية. ولم يكن اختيار محاور المؤتمر عشوائياً، بل شُيّدت على خمسة مرتكزات منهجية تكاملية تعيد ترتيب علاقة الباحث بالنص القرآني:

  •  محور المفردات القرآنية: بحث البصمة الدلالية الإعجازية للمفردة، ورفض الترادف غير الدال، وإدراك أن كل حرف ومفردة قرآنية إنما وُضعت في موضعها بدقة لا تسد مسدها كلمة أخرى، مع استكشاف أبعادها الصوتية والاشتقاقية.
  • محور الموضوعات القرآنية: تفكيك الإشكالية المزمنة التي لفت إليها الإمام ابن قتيبة قديماً؛ المتمثلة في هجر موضوعات القرآن الكبرى (كالاستخلاف، والعدل، والشكر، والتدافع، والولاية، والأمن) والانصراف إلى إشكاليات كلامية أو موضوعات مفروضة من الأجندات الأكاديمية الغربية.
  • محور النماذج القرآنية: استنطاق النماذج الحية للأفراد والأمم في القرآن الكريم (كنموذج شعيب في الاقتصاد، ونموذج فرعون في الاستبداد والتضليل الإعلامي، ونموذج لقمان في التربية، ونموذج إبليس في العصيان والتبرير العنصري)، وتحويلها من مجرد “قصص تاريخي” إلى “قوالب سُننية وقوانين حاكمة” للواقع الإنساني.محور الشبهات حول القرآن الكريم: تفكيك الشبهات المعاصرة بمنهج نقدي تأسيسي، وإبطال دعاوى حصر النص في البيئة التاريخية، والرد على أطروحات تحييد الوحي عن الفضاء العام وتجريده من حمولته المعرفية والنظرية.
  • محور المشاريع القرآنية: الجانب التطبيقي والميداني الذي ينقل الرؤى المستنبطة إلى مؤسسات، وبرامج تعليمية، ومناهج تدريبية، ومصطلحات تحرر الوعي الجمعي من الاستلاب.

اليوم الأول التأهيل والتأسيس المنهجي

خصص اليوم الافتتاحي بشكل مكثف وكامل للجانب المنهجي والتدريبي؛ حيث أدركت اللجنة المنظمة أن الدخول إلى فضاء “الأقومية” دون أدوات منهجية منضبطة قد يوقع الباحث في فخ الإسقاط العشوائي والتكلف الباطني.

كيف نفهم القرآن؟

شهد اليوم الأول تدشين الورشة المركزية الموسومة بـ “كيف نفهم القرآن؟ “أو “كيف نتدبر القرآن الكريم؟”، والتي استقطبت حضوراً نوعياً من الأكاديميين، وطلبة الدراسات العليا، والدعاة، والمهتمين بالدراسات القرآنية، واكتملت مقاعدها المسجلة قبل موعد الانعقاد بأسابيع.

اجتماع حاشد في قاعة مؤتمرات مع مجموعة متنوعة من الحضور، بما في ذلك رجال ونساء يرتدون ملابس تقليدية. يوجد شاشة عرض خلف المنصة تعرض محتوى باللغة العربية. في المقدمة، يوجد ذراع كاميرا طويل يلتقط الحدث. الأجواء تعكس تفاعلًا حيويًا.
جانب من الحضور لأعمال “منتدى القرآن العالمي الأول: أقومية القرآن” بالدوحة

ركزت مخرجات اليوم الأول على وضع اليد على الخلل المنهجي الذي يمارسه القارئ المعاصر؛ حيث يُختزل التعامل مع المصحف في بعدين: البعد التعبدي اللفظي البحت (تحصيل الأجور بعدد الحروف)، أو البعد التفسيري الأثري البحت (استجرار أقوال السلف دون إدراك لواقع العصر). وجاءت الورشة لترسخ ثلاث ركائز كبرى:

  1. التفريق الحاسم بين “التدبر” و”التفسير“: فالتفسير هو كشف المعنى المباشر للآية بحسب لغة العرب وأسباب النزول وسياق اللفظ، بينما التدبر هو ملاحقة “أدبار” الكلام وعواقبه ومآلاته، وكيف ينتظم هذا المعنى في توجيه سلوك الإنسان وهندسة تصوره للحياة.
  2. الخروج من الغفلة إلى فضاء التذكر: بيان أن التدبر ليس غاية بذاته، بل وسيلة لغاية كبرى نص عليها التنزيل: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} [ص: 29]؛ فالتذكر هو الاستيقاظ الروحي والمعرفي الذي يقود إلى تغيير البنية السلوكية والواقع المعاش.
  3. امتلاك أدوات التحليل السياقي: تدريب المشاركين على تفكيك دلالات المفردة القرآنية داخل سياقها الخاص، ثم سياقها السُّوَري، ثم موقعها من شبكة المفاهيم القرآنية الكلية.

اليوم الثاني: قراءات تدبرية وربط النص بتحديات الواقع

شهد اليوم الثاني من المنتدى فيضا معرفيا وتفاعلا جماهيريا استثنائيا، حيث ازدحمت القاعات بالحضور من مختلف الشرائح، وتنوعت الجلسات بين المحاضرات العامة الكبرى، والجلسات التخصصية للشباب والناشئة التي احتضنتها قاعة المنتدى، مسلطة الضوء على كيفية ملامسة الوحي القرآني لقضايا الساعة؛ من بناء الأسرة وحمايتها من الأنساق الغربية، إلى تحليل الصراعات الجيوسياسية الراهنة، وإبادة غزة، وتفكيك أجهزة التضليل الإعلامي.

انتظم برنامج اليوم الثاني في حزمة ثرية من المحاضرات العامة والجلسات الحوارية التي قاربت النص القرآني من زوايا هدايات السور وقضايا الواقع المعاصر؛ فافتتحت بتدبرات في سورة البقرة وتشييد أسس العمران قدمها الشيخ مصطفى الشيباني، تلتها إضاءة دعوية وتاريخية استعرض فيها الشيخ مسعود لانتونج مسار انتشار القرآن في الفلبين وأثره في ترسيخ الهداية.

وتتابعت القراءات التدبرية المتعمقة في سور التنزيل؛ إذ تناول د. محمد النوباني سورة المزمل بوصفها ركيزة للتأسيس التربوي والقيادي، في حين فكك د. محمد الجاسم في سورة الجاثية حجج الاستكبار المعرفي، واستجلت د.جميلة خليف من سورة يوسف منظومة الاستخلاف والإدارة الرشيدة في مواجهة الأزمات، وتوقف جمال الدين عثمان أمام قصة صاحب الجنتين في نقد الغرور الاقتصادي الرأسمالي، بينما استنبط يحيى رابي من سورة القصص سنن التمكين الإلهي للمستضعفين.

وعلى صعيد الخطاب والواقع، سلط فداء الدين يحيى الضوء على “أقومية القرآن في الإعلام وبناء الرأي العام”، وتناولت هبة نجاعي كشف القرآن لآليات التضليل الإعلامي متخذة من سورة الشعراء أنموذجا تحليليا.

وتوج البرنامج بزخم تفاعلي لافت عبر منصتين مخصصتين للجيل الصاعد؛ الأولى جلسة نوعية بعنوان “القرآن في الوعي الشبابي” بمشاركة كل من: عبد الله آل ثاني، مثنى الشفري، عبد الله بن محمد، عبد الباري العلمي، ومالك الشطي، والثانية ندوة حوارية تحت عنوان “القرآن في وعي رجال المستقبل” أثرى نقاشاتها كل من: د. عبد الله العمادي، عبد الله المهندي، عمار خالد، ولؤي حمزة”.

نايف بن نهار: الأقومية منهج تفكير ومنطلق للبناء والتقويم

في كلمته خلال اليوم الثاني، وضع الدكتور نايف بن نهار، رئيس مؤسسة “وعي” للدراسات والأبحاث، النقاط على الحروف الفكرية للمنتدى، مبينا أن الهدف الجوهري لا يقف عند إثبات عظمة القرآن، فالأمة كلها تقر بعظمته، وإنما يكمن في تجاوز الحيرة المنهجية المزمنة في كيفية تنزيل “الأقومية” في الواقع الإنساني والمعرفي.

طرح الدكتور نايف نهار نموذجا عمليا لتوضيح الفكرة فقال: لو أردنا اليوم تأسيس مدرسة أو صياغة نظرية تربوية؛ فكيف نصنع ذلك؟ وبحسب تشخيصه، رأى أن المسار السائد اليوم معكوس وانهزامي؛ حيث يهرع الباحث إلى كتب التربية وعلم النفس وعلم الاجتماع الغربية، ويستعرض أطروحات بياجيه، وديوي، وروسو، ويصوغ النموذج التربوي الغربي وفق بيئته وأيديولوجيته، ثم بعد أن يكتمل البناء، يعود إلى القرآن باحثا عن آية هنا وحديث هناك “ليطعم” بها النموذج ويصبغ عليه صبغة إسلامية شكلية! هذا المسار نعته د. بن نهار بأنه تشويه وخروج صريح عن منطق أقومية القرآن.

رجل عربي يرتدي الزي التقليدي، يتحدث بحماسة أمام جمهور، ممسكًا بميكروفون. خلفية الحدث تظهر ألوان دافئة، مما يبرز أهمية الرسالة المقدمة.
الدكتور نايف بن نهار رئيس مؤسسة “وعي” للدراسات والأبحاث يتحدث في منتدى القرآن العالمي

وأوضح الدكتور نايف نهار أن منطق الأقومية يقوم على عمليتين متلازمتين هما البناء والتقويم:

البناء: أن يكون القرآن الكريم هو المنطلق الأول والأعلى؛ فنذهب ابتداء إلى القرآن ونستخرج منه: المفردات التربوية، النماذج التربوية، الخصائص النفسية للمتربي، مسؤوليات المربي، وغايات التعليم الوجودية. وبعد أن نشيد هذه الأرضية الصلبة كاملة من داخل الوحي، ننتقل بعد ذلك إلى مجمل الإنتاج البشري والإنساني لنستفيد من أدواته وخبراته وتقنياته التي لا تصادم أصولنا.

التقويم: أن يظل القرآن هو الميزان والمعيار الذي نزن به كل ما يرد إلينا من أفكار وتجارب؛ فإذا سمعنا فكرة تبدو جميلة وبراقة، لا نسارع إلى قبولها والافتتان بها، بل نسأل السؤال المعياري الأول: ما موقف القرآن منها؟

واستند الدكتور نايف إلى أن التدبر في القرآن ليس مقصودا لذاته، بل هو وسيلة تقود إلى الخروج من الغفلة؛ فالأب الذي يتدبر آيات لقمان وتوجيهاته لابنه ليس مستمتعا ببلاغة النص فحسب، بل يكتشف الخلل الفادح في طرائق تربيته المعاصرة لأبنائه، وينتفض للخروج من نموذج التربية الاستهلاكية الغارقة في الدلال المادي إلى نموذج التربية التوحيدية القائمة على غرس الهوية، وتحمل المسؤولية، وخفض الجناح، وتغذية اليقين بالرقابة الإلهية.

مصطفى أبو السعد: الأسرة آية ربانية أم شركة تعاقدية؟

من جهته قدم الدكتور مصطفى أبو السعد، الخبير التربوي والنفسي المعروف، مرافعة فكرية وتربوية من العيار الثقيل، تناول فيها بالتشريح والتحليل أقومية القرآن في بناء النموذج الأسري ومواجهة الهجمة التفكيكية الحداثية.

أكد د. أبو السعد أن نقطة الانطلاق القرآنية للأسرة تختلف جذريا وبصورة صدامية عن الرؤية الغربية؛ فالقرآن يقرر أن الأسرة “آية من آيات الله في خلقه وليست ضرورة بيولوجية مجردة”، مستشهدا بقوله تعالى: {ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة} [الروم: 21].

في المقابل، صور النموذج الغربي الأسرة على أنها “شراكة نفعية أو شركة تعاقدية بين طرفين مستقلين، يقف كل طرف فيها متربصا بالآخر، يتحاسبان بالدرهم والدينار، ويقتسمان الممتلكات عند النزاع، ويتحاكمان بمنطق القوة وحقوق الفردية المتطرفة”. وأبدى د. أبو السعد أسفه الشديد من تسرب هذا النموذج الغربي المشوه إلى عقول بعض الأطباء النفسيين والمستشارين الأسريين في العالم الإسلامي، بل وممن هم محسوبون على التدين، حتى باتوا يروجون للأسرة كضرورة بيولوجية استهلاكية.

وفند د. أبو السعد مقولة رددها بعض المعالجين النفسيين تزعم أن “الغاية الأولى والأساس لقيام الأسرة هي الإشباع الجسدي، وأنه إذا اختل الإشباع الجنسي انهارت الأسرة بالضرورة”. ورد على ذلك بقوة قائلا: “يا سبحان الله! هل الأسرة ونموذج السكن والطمأنينة تقوم على الإشباع الغرائزي؟! وللعلم علميا وقرآنيا: الغرائز لا تشبع، بل تطفأ وتنطفئ؛ إنما الذي يشبع هو الحاجات! فالغريزة ليست حاجة تأسيسية يبنى عليها صرح كوني، بل هي مثل الحلوى (التحلية) بعد مائدة طعام متكاملة تضم اللحوم والفواكه والخضار وقيم التغذية الكبرى؛ فإن بقي مجال حلينا بها، وتلك هي الغريزة. أما أن تنقلب التحلية إلى أصل البناء، فهذا نسف لمفهوم الأسرة بوصفها آية إلهية”.

كما فكك د. أبو السعد المعنى الإعجازي العميق لقوله تعالى: {من أنفسكم}؛ فبين أن الفطرة البشرية مجبولة على حب الذات، وقد أقر الإسلام هذا الحب الفطري كما في قوله ﷺ: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»؛ فالنص النبوي اعتمد حب النفس كأصل مسلم به يقاس عليه اكتمال الإيمان. ولما كانت الزوجة مخلوقة من نفس زوجها وبات الزوجان “نفسا واحدة منقسمة”، فإن تعاملهما ينبغي أن يفيض بحب النفس ذاتها، لا بمنطق الشريكين المتصارعين على النفوذ والممتلكات وسلطة القرار.

التضليل الإعلامي في سورة الشعراء

تميز اليوم الثاني بحضور نابض لقضايا الأمة الراهنة، وعلى رأسها قضية الأقصى ومأساة الإبادة الجماعية المتواصلة في قطاع غزة؛ حيث قدمت الباحثة هبة نجاعي ورقة تحليلية كشفت فيها عن الإعجاز القرآني في فضح صناعة التضليل الإعلامي وسوسيولوجيا التزييف من خلال سورة الشعراء.

بينت المداخلة كيف واجه المستكبرون وفرعون دعوة موسى عليه السلام بالحرب النفسية، واستدعاء السحرة كذراع إعلامية تمارس السطوة والبروباغندا، وتزييف الوعي الجمعي للجماهير، وقلب المفاهيم بجعل المصلح مفسدا والمجرم ضحية. وقارنت الباحثة هذا النمط بأساليب الاحتلال الصهيوني والإعلام الغربي المنحاز في التعاطي مع جرائم الحرب، مؤكدة أن القرآن الكريم وضع الأمة أمام القوانين الصارمة للخطاب الإعلامي الصادق، وكشف عوار الآلة الإعلامية الاستبدادية التي تسعى لإرهاب المستضعفين وتطويع إرادتهم.

كما شهدت جلسات الشباب والناشئة، التي قادها ثلة من الباحثين والدعاة، حوارات صريحة ومكاشفات حول أزمات الهوية، والشكوك المعرفية، والتحديات الرقمية، وكيف يمكن للقرآن الكريم أن يكون حصنا وجوديا يعيد توجيه بوصلة الشاب في عالم يموج بالسيولة الإلحادية والأخلاقية.

اليوم الثالث: الجلسات العلمية المحكمة

كان اليوم الثالث والختامي هو مسك ختام المنتدى وقمته الأكاديمية الصرفة؛ حيث عكفت لجان التحكيم العلمية على مدار شهور على فرز 146 بحثا علميا متخصصا وردت من جامعات ومراكز أبحاث حول العالم، وانتخبت منها 8 أبحاث نوعية محكمة عرضت ونوقشت في جلسات صباحية ومسائية اتسمت بالعمق النقدي والجرأة المنهجية.

تنوعت الجلسات بين عروض الباحثين وتعقيبات الأساتذة المحكمين، وتكاملت فيها أوراق العمل لتغطي مساحات الاقتصاد، ونظرية المعرفة، والنقد القرآني، وعلم الدلالة والصوتيات، والتحليل النفسي، وفلسفة المصطلحات.

حضور كبير في مؤتمر، رجال ونساء يجلسون في قاعة، بعضهم يتحدث وآخرون يستمعون. الطاولات تحتوي على زجاجات مياه وأدوات مكتبية، مع بعض المشاركين يركزون على المتحدث.
جانب من جلسات المنتدى

تفكيك النماذج والمفردات في ميزان الأقومية

ترأس الجلسة العلمية الصباحية الأستاذ الدكتور لؤي خليل، وشهدت طرح خمس أوراق بحثية متتالية أثارت نقاشات حادة ومثمرة.

د. لحلو بخاري : “النموذج القرآني لقوم شعيب عليه السلام

افتتح الدكتور لحلو بخاري جلسات اليوم الأخير بعرض معمق لدراسته الاقتصادية القرآنية “النموذج القرآني لقوم شعيب عليه السلام: التفسير السنني للعقلانية الاقتصادية المؤسسة للملكية المطلقة والبخس المؤسسي” حيث تصدى لتفكيك المقولات المؤسسة للرأسمالية المعاصرة واقتصاد السوق المنفلت عبر استنطاق قصة نبي الله شعيب عليه السلام مع قومه في مدين.

وأوضح د. بخاري أن الانحراف الاقتصادي لقوم شعيب لم يكن مجرد سلوك فردي لصوصي عابر يتمثل في إنقاص بضعة دراهم أو كيل، بل كان «بخسا مؤسسيا» ينطلق من تصور أيديولوجي متكامل يعتبر الملكية حقا مطلقا للمالك يتصرف فيه كيف يشاء بلا قيد ديني أو أخلاقي: {قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء} [هود: 87].

وبين الباحث أن القرآن واجه هذا التصور الفاسد بمفهوم “الاستخلاف الاقتصادي”؛ فالمال مال الله، والإنسان وكيل مستخلف، وحرية التصرف مقيدة بحرمة العدوان وبث الرخاء في المجتمع ومنع احتكار الثروة، محذرا من الاتجاهات التجزيئية التي تكتفي بالحلول الفقهية الجزئية (كتحريم الفائدة أو إجازة العقود) دون تفكيك الرؤية الكلية للنموذج الاقتصادي العالمي القائم على استنزاف الشعوب، داعيا إلى مقاربة تكاملية تستند للرؤية التوحيدية وتستهدف التوجيه العمراني وفق مقتضيات القيم والمقاصد.

د. علي المغدي : القرآن الكريم وإنتاج النظريات في العلوم الإنسانية

قدم الدكتور علي المغدي ورقة ذات حمولة نظرية ثقيلة بعنوان  “القرآن الكريم وإنتاج النظريات في العلوم الإنسانية: النقد القرآني أنموذجا: دراسة في نقد حصر الوظيفة المعرفية للقرآن الكريم في الإرشاد والوعظ” تصدى فيها لدعوى المستشرقين وبعض الباحثين المسلمين الذين يحصرون وظيفة القرآن في الوعظ والتخويف والتبشير، نافين عنه القدرة على توليد نظريات في العلوم الإنسانية.

وتساءل د. المغدي: القرآن رسالة الله الخالدة للبشرية كافة جاء لقريش بأعلى درجات الفصاحة والبلاغة فأعجزهم في بيئتهم اللغوية، لكن اليوم: كيف نقدم إعجاز القرآن للأكاديمي الصيني، أو المفكر الهندي، أو عالم الاجتماع الغربي؟ هل سنقول له: انظر إلى فصاحة القرآن وجزالة ألفاظه وهو لا يدرك ألف باء لغة الضاد؟! حاشا للقرآن أن يتعطل إعجازه! إعجاز القرآن المعاصر يقدم عبر لغة النظريات الإنسانية والمعرفية المؤسسة، ومن هنا كانت ورقتنا في توليد (نظرية النقد القرآني)”.

وبين الباحث أن النقد في الاصطلاح القرآني ليس تتبعا للعثرات ولا تشفيا وشتما، وإنما «فعل ووظيفة تقويمية تمارسها خطابات القرآن الكريم لكشف الاختلال في التصورات والمواقف، وتوجيهها نحو التصحيح وفق المعيار الإلهي».

وأبرز د. المغدي أن النقد القرآني منهج راسخ ومطرد، لا يستثني أحدا، ويمارس وظيفته حتى مع الأنبياء والرسل الكرام تنبيها وتربية؛ مستشهدا بموقف نوح عليه السلام لما سأل نجاة ابنه بعاطفة الأبوة: {رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق}، فجاء النقد الرباني الصارم كاشفا للمعيار: {قال يا نوح إنه ليس من أهلك ۖ إنه عمل غير صالح ۖ فلا تسألن ما ليس لك به علم} [هود: 45-46]، ليتحول مفهوم الأهلية من النسب والدم إلى معيار الإيمان والعمل الصالح.

ولخص د. المغدي أركان عملية النقد القرآني في أربع خطوات سننية:

  1. كشف موضع الخلل بدقة.
  2. مواجهة صاحب الخلل المسؤول عنه.
  3. تحديد المعيار القرآني الذي تمت مخالفته.
  4. بناء البديل والتصحيح العملي.

د. عبد المولى الزيوت: “الاستعمال القرآني لمفردة (الرَّهَق)

في واحدة من أمتع الأوراق اللغوية والسياقية، استعرض الدكتور عبد المولى الزيوت بحثه الميداني الدقيق “الاستعمال القرآني لمفردة (الرَّهَق): دراسة دلالية سياقية في أبعادها الاجتماعية والسياسية والنفسية والتربوية” مؤكداً أن الاستعمال القرآني وضع كل لفظ في مكانه الدقيق دون أدنى ترادف.

استهل الباحث ورقته باستجلاء البعد الصوتي الإعجازي للمفردة؛ فبين أن حروفها الثلاثة تنسجم صوتيا مع معناها الوجودي:

  • الراء حرف مكرر يوحي بتوالي الضغط.
  • الهاء حرف مهموس مستنزف للأنفاس يخرج من أقصى الحلق معلنا الإعياء.
  • القاف حرف قلقلة وانحباس وشدة واستعلاء يغلق المخرج ويحكم الطوق.

ثم حلل د. الزيوت الدلالة المعجمية ل “الرهق” المتمثلة في: الغشيان، واللحوق القهري، والدنو، والاستنزاف، مبينا الفارق الدلالي الجوهري بينها وبين كلمات (المشقة، والعسر، والضيق)؛ واستعرض أربعة سياقات تطبيقية كبرى للفظ في القرآن:

  • السياق السياسي والاجتماعي (استنزاف المجتمعات واقتصاد الخوف): في قوله تعالى: {وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا} [الجن: 6]. فقد كان الإنسي إذا نزل واديا خاف على نفسه، فاستعاذ بسيد الوادي من الجن، فزادتهم الجن خوفا واستنزافا وتبعية. وهذا يكشف قانون الهيمنة السياسية المعاصرة؛ حيث تلجأ الدول الضعيفة إلى قوى الاستكبار طلبا للأمن والمدد، فلا تزيدها القوى المهيمنة إلا إرهاقا، وابتزازا لثرواتها، وسلبا لقرارها. بينما يقدم القرآن البديل في قوله: {وألو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا}؛ أي الانتقال من “اقتصاد الخوف والاستنزاف” إلى “اقتصاد الرخاء والاستقامة”.
  • السياق النفسي الأخروي (الجزاء من جنس العمل): في قوله تعالى في سورة المدثر: {سأرهقه صعودا}؛ في حق الوليد بن المغيرة الذي فكر وقدر واستنزف طاقته الفكرية ليصم القرآن بالسحر والعار، فكان جزاؤه الإرهاق المستمر الذي يغشاه ويستنزف قواه في دركات العذاب.
  • السياق التربوي والتعليمي (حماية طاقة المتعلم): في قول موسى للعبد الصالح: {ولا ترهقني من أمري عسرا} [الكهف: 73]؛ فلم يقل “لا تعسرني” ولم يطلب الإعفاء من المشقة الطبيعية للتعلم، بل طلب ألا تتتابع عليه المطالب الصارمة دفعة واحدة فيرهق ويستنزف ويتعطل مساره التعليمي؛ وهو أصل تربوي أصيل في مراعاة وسع المتعلم وطاقته النفسية.
  • سياق استنزاف القيم والشبهات العاطفية: في تعليل قتل الغلام في سورة الكهف: {فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا}؛ فالخوف لم يكن من إتعاب الغلام لوالديه بدنيا، بل من استنزاف عاطفتهما الفطرية وحبهما له، حتى يدفعهما هذا الحب والاستنزاف النفسي إلى مداراته ومتابعته على الكفر والطغيان.

د. علياء علي سيد و دراسة في السياقات الدلالية لمادة (هجر) في القرآن الكريم

قدمت الدكتورة علياء ورقة رصينة تتبعت فيها التحولات الدلالية لمادة “هجر” في القرآن الكريم، والتي يجمعها جذر معنوي واحد هو “المفارقة والمباعدة”، كاشفة عن هندسة سياقية فريدة تنتظم عبر ستة مدارج تصاعدية:

  • المفارقة في الموقف والسلوك دون مغادرة المكان: كما في أوائل ما نزل من التنزيل: {والرجز فاهجر} [المدثر: 5] بهجر الشرك والمعاصي، وهجر الآخر المعتدي مع التزام الضبط الأخلاقي ومواصلة البلاغ: {واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا} [المزمل: 10].
  • المفارقة المكانية والفيزيائية (الهجرة في سبيل الله): اقتران الهجرة بالغاية والقصد التوحيدي: {إني مهاجر إلى ربي}، واستصحاب ثقل المفارقة ومغادرة الأوطان والبيوت: {ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله}، وتصحيح وهم استضعاف المكان: {ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها}.
  • التحول الدلالي من الفعل العارض إلى الصفة الملازمة: تحول المهاجر من فاعل لحدث مؤقت إلى حامل لصفة ملازمة لها مقتضيات قانونية وولائية في التوارث والأحكام: {والمهاجرون} و {المهاجرات}.
  • سياق الجماعة المهاجرة واقترانها بالنصرة والأنصار: تجاوز الفعل الفردي إلى بنية المجتمع التعاوني القائم على المؤاخاة، والإيثار، والمحبة: {يحبون من هاجر إليهم}. ولفتت الباحثة في هذا السياق إلى لفتة اجتماعية بديعة رواها ابن عاشور في تفسير آية النشوز: {واهجروهن في المضاجع}، مستشهدة بحديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه حول تباين الأعراف الثقافية بين المهاجرين الذين كانوا يغلبون نساءهم، والأنصار الذين كانت تغلبهم نساؤهم، وكيف أثر هذا الامتزاج الثقافي بعد الهجرة في تمثل الأحكام وضبطها.
  • اقتران الهجرة بالجهاد: الهجرة كتأسيس وبناء مجتمعي، والجهاد كحماية ومدافعة وصيانة لهذا المكتسب، مع بقاء رجاء الرحمة مشكاة للمؤمن مهما عظمت تضحيته.
  • انقلاب المفارقة (هجر القرآن الكريم): السياق المأساوي الذي لم تعد فيه المفارقة لله تعالى، بل وقعت المفارقة على كتاب الله ذاته بالإعراض عنه وترك العمل به: {وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا} [الفرقان: 30]، واقتران ذلك بترك التدبر: {مستكبرين به سامرا تهجرون * أفلم يدبروا القول}.
رجل يرتدي العمانية التقليدية يجلس في مؤتمر، يكتب ملاحظات بتركيز. في الخلفية، مجموعة من الحضور في ملابس متنوعة. زجاجات مياه على الطاولة.

د. رويدة ناصر الكعبي: إبليس: الأنموذج القرآني الأول المعارض للعصمة

عالجت الدكتورة لطيفة الكعبي في بحثها الجذور النفسية والفكرية للخطيئة الأولى في الوجود، متجاوزة السرد التاريخي المجرد إلى تحليل معمق لكيفية تشكل الفكر العنصري والتمرد على الأمر الإلهي.

وضعت الباحثة ثلاث فرضيات كبرى للدراسة:

  • الأفضلية والتمايز المادي (العنصرية): ادعاء إبليس التفوق استنادا إلى مادة الخلق: {أنا خير منه ۖ خلقتني من نار وخلقته من طين}؛ وهو أول قياس فاسد في الوجود أسس لمعيار المفاضلة على أساس العرق والمادة بدلا من معيار الطاعة والتقوى.
  • التحول من الخطيئة إلى التبرير والانتقام: المقارنة الفارقة بين رد فعل الملائكة ورد فعل إبليس؛ فالملائكة حين تعجبوا من خلق من يفسد في الأرض كان تعجبهم سؤال استكشاف واستفسار مصحوبا بالامتثال والتسبيح والتقديس، فلما قيل لهم: {إني أعلم ما لا تعلمون} خروا ساجدين مذعنين. أما إبليس فكان موقفه اعتراضا، واستعلاء، وعصيانا صريحا. والأنكى من ذلك أنه لم ينكسر للتوبة كآدم، بل لجأ إلى “التبرير الأيديولوجي” لخطئه، وتبرئة نفسه وإسقاط المسؤولية على الإغواء: {فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم}.
  • مأسسة الإغواء: تحول إبليس من عاص فردي إلى صاحب “مشروع استراتيجي مضاد” يستهدف تفكيك مناعة بني آدم، وإيقاعهم في حبائل التكبر والانسلاخ من العبودية.

دروس في النقد والتفكيك وتصويب المسار

أعقب الجلسة العلمية حوار نقدي موسع أثرى المضامين، وقدم خلاله الأساتذة المعقبون خلاصات نقدية رفيعة المستوى، حيث أكد الدكتور عبد الله القيسي على أن الله تبارك وتعالى زود الإنسان بنورين متلازمين للهداية: نور العقل الباطن، ونور الوحي القرآني الظاهر. ومثل لذلك بمثال بليغ: “لو دخل إنسان إلى غرفة مظلمة، فإنه لكي يرى الموجودات على حقيقتها يحتاج إلى أمرين معا: عين باصرة سالمة، ونور خارجي يضيء المكان. فالعين بمثابة العقل، والنور بمثابة الوحي؛ فلو فقدت العين (تعطل العقل) لم ينفع النور، ولو أغمضت الغرفة في ظلمة (غاب الوحي) عميت العين وتخبطت في المتاهات”.

وفند د. القيسي وهم الاكتفاء بالعقل وحده أو إقصائه بدعوى تعظيم النص، موضحا أن القرآن الكريم وضع الأصول والغايات والقيم الأخلاقية الثابتة، وترك للعقل البشري مساحة هندسة الوسائل، واستنباط النظريات، وتطوير الأدوات بحسب تطور الزمان والمكان؛ لأن نصوص الوحي متناهية وأحداث الحياة ووقائعها متجددة لا متناهية.

ودعا د. القيسي إلى تحرير مسألة “التعامل مع الآخر”؛ بالتمييز الحصيف بين “المشترك الإنساني العقلي والتراكمي” (كالتقنيات، والمناهج التجريبية، والمعارف المحايدة) الذي يعد ملكا للبشرية جمعاء وينبغي الاستفادة منه واستثماره، وبين “الإنتاج الثقافي الأيديولوجي المشوه” الذي يعكس أزمات بيئته الغربية وانحرافاتها القيمية؛ محذرا من الانكفاء والانعزال التام أو الذوبان والتبعية العمياء.

ركز الدكتور سعد الكبيسي في تعقيبه على أطروحة د. عبد المولى الزيوت ود. علياء سيد، مقدما تأطيرا منهجيا دقيقا لماهية “السياق”، مبينا القرائن الحالية والمقالية التي تحف بالمفردة. وقسم المعنى القرآني إلى ثلاثة مستويات ضرورية:

1- المستوى المفرداتي المعجمي: أصل وضع الكلمة في لسان العرب.

2- المستوى السياقي الوظيفي: ما تخصصه الجملة والتركيب والنظم القرآني من معنى محدد دون غيره؛ مستشهدا بمفردات مثل:

    (الأمة): أصلها الجماعة، لكنها جاءت في قوله: {إن إبراهيم كان أمة} بمعنى القدوة الإمام الجامع للخير، وجاءت في سورة يوسف: {وادكر بعد أمة} بمعنى المدة الطويلة من الزمان.

    (الفتنة): أصلها الاختبار والامتحان: {إنما أموالكم وأولادكم فتنة}، وتأتي بمعنى الكفر والاضطهاد في الدين: {والفتنة أشد من القتل}.

    (الظن): يأتي بمعنى اليقين الجازم: {الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم}، ويأتي بمعنى الشك والتردد المذموم: {إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين}.

3- المستوى المقاصدي النهائي: الغاية الكلية والهداية الحاكمة التي تصب فيها الآيات.

وأطلق د. سعد نداء علميا لتبني “موسوعة قرآنية سياقية كبرى” تتجاوز المعاجم الألفبائية المجردة إلى رصد تحولات المعنى داخل النظم القرآني، معتبرا ذلك مشروعا استراتيجيا في خدمة التنزيل.

في تعقيب اتسم بالصرامة المنهجية والنقد المعرفي الرفيع، فكك الدكتور سليمان الدقور عددا من المفاهيم في ورقتي د. لطيفة الكعبي ود. علي مفتاح الشنيتي (حول دلالة التأويل)، واضعا أيدي الباحثين على أخطاء شائعة في التعامل مع النص:

مراتب التدبر الأربع: دعا الباحثين إلى تجاوز الوقوف عند تدبر المفردة وحدها، وتوسيع دوائر التدبر لتشمل:

1- مستوى المصطلح: التدبر في أصل اللفظ ودلالته.

2- مستوى السياق المباشر: سباق الآية ولحاقها.

3- مستوى السورة (السياق السوري): وهو نمط مغفول عنه؛ كالبحث في أسباب ورود لفظ “إبليس” في سور معينة، وورود لفظ “الشيطان” في سور أخرى، وما الرابط البنيوي بين السور التي تكرر فيها اللفظ (كما في سورة يوسف التي شهدت ورود نصف مواضع مفردة التأويل في القرآن: 8 مرات من أصل 17 مرة).

4- مستوى الحقل الدلالي: دراسة شبكة الألفاظ المترابطة المحيطة بالمفهوم؛ فعند دراسة إبليس والشيطان لا نقف عند الاسمين فقط، بل نستقرئ الحقل كاملا: {لأحتنكن}، {لأغوينهم}، {ولآمرنهم فليبتكن}، {يعدهم الشيطان ويمنيهم}، لتكتمل صورة المنظومة الشيطانية.

5- تحرير مصطلح «التفسير» من الإسقاط العرفي: نبه د. الدقور إلى جناية تاريخية وقع فيها الباحثون بالمقارنة بين “التأويل” و”التفسير” كحقلين مترادفين؛ مؤكدا أن كلمة “التفسير” لم ترد في كتاب الله إلا مرة واحدة يتيمة في سورة الفرقان: {ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا} [الفرقان: 33]. وبين أن “التفسير” في القرآن ليس هو العلم البشري المدون، بل «القرآن هو كتاب تفسير للواقع والوجود، وليس كتابا ينتظر من يفسره بمفاهيم بشرية خارجية!»؛ فالقرآن يفسر الإنسان، ويفسر التاريخ، ويفسر سنن السقوط والنهوض.

6- تصحيح البوصلة في آية آل عمران (المحكم والمتشابه): انتقد د. الدقور انشغال الباحثين القدامى والمعاصرين في قوله تعالى: {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات} [آل عمران: 7] بالوقوف النحوي: أين نقف؟ وهل يعلم الراسخون تأويله أم لا؟ مؤكدا أن هذا الانشغال التكلفي أضاع “القيمة المركزية” للآية. فالآية لم تنزل لتعجيز العقل، بل جاءت لتضع منهجية التعامل مع المتشابه في ضوء المحكم عبر معيارين إيمانيين راسخين:

المعيار الأول: {آمنا به}.

المعيار الثاني: {كل من عند ربنا}.

فإذا استقر في القلب أن المحكم والمتشابه كلاهما تنزيل حكيم، رد المتشابه الجزئي إلى المحكم الكلي بيسر وأمان، استنادا إلى قاعدة {هن أم الكتاب}.

نايف بن نهار: أقومية القرآن في مواجهة أسلمة المعرفة

شهدت الجلسة الختامية لليوم الثالث إلقاء محاضرة للدكتور نايف بن نهار والتي خصصها لفض الاشتباك التاريخي والمعرفي بين مشروع “أسلمة المعرفة” الذي ساد في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي وبين مشروع “أقومية القرآن” الذي يدشنه المنتدى.

فصل الدكتور نهار منظومة متكاملة من ستة معايير علمية تمثل المؤشرات الكاشفة لمدى التزام أي باحث أو مؤسسة بنهج الأقومية:

  • المعيار الأول المنهجي (من أين يبدأ التفكير؟) : المسلم الذي يعيش أقومية القرآن هو من يجعل الوحي خطوته الأولى في التفكير لا خطوته الرابعة أو الخامسة. وانتقد الباحثين الذين يكتبون في الفكر السياسي أو الاجتماعي الإسلامي وتخلو رسائلهم من الانطلاق من القرآن. وروى عن تجربته الشخصية قبل عام 2015 حين كتب بحوثا مستفيضة عن “المصلحة والمبدأ في العلاقات الدولية”، ليكتشف لاحقا أنه بنى أطروحته على مفاهيم وضعية واضطر لإلجاء الآيات قسرا لخدمة تلك المفاهيم، بينما خلا القرآن والسنة من استخدام لفظي “المصلحة والمبدأ” بهذا المعنى الرائج.
  • المعيار الثاني: الاصطلاحي (بوابات الوعي) : المصطلحات ليست قوالب لغوية بريئة، بل هي حمولات تصورية مشبعة بالأيديولوجيا والغايات. واستشهد بتجربة استبدال مصطلح “مركزية القرآن” بمصطلح “أقومية القرآن“؛ فالأول لفظ لم يستعمله التنزيل، بينما الثاني اشتقاق قرآني مباشر يحمل روح النص وفاعليته. وأوضح: حين تقول لطالب: ادرس “علم النفس“، يذهب عقله فورا إلى المدارس الغربية وتصوراتها المادية للإنسان؛ أما حين تصوغ علما باسم “علم التزكية“، فإن بوصلته تتجه تلقائيا إلى نصوص الوحي ومصادره. وكذلك الفرق الهائل بين مصطلح “الصراع الدولي” ومصطلح “التدافع القرآني“؛ فالصراع يستحضر الداروينية وسحق القوي للضعيف، بينما التدافع يستحضر السنن الإلهية والموازين الأخلاقية.
  • المعيار الثالث المفاهيمي  (التعريفات القرآنية): الحذر من استخدام الألفاظ القرآنية بإفراغها من مضامينها وتلبيسها بالتعريفات الحداثية؛ مثل مفاهيم: (الفوز، النجاح، التقدم، الإنسان). فالقرآن يعرف الإنسان ككائن مكلف مستخلف يحمل نفخة الروح وقبضة الطين، بينما تعرفه نظريات التنمية البشرية والطاقة الغربية كطاقة حيوية مادية منقطعة عن الآخرة، مما يولد وعيا مشوها وزائفا.
  • المعيار الرابع الموضوعي (أولويات البحث القرآني): تحديد ما ينبغي أن نبحث فيه انطلاقا من أولويات الوحي. واستحضر د. بن نهار شكوى الإمام ابن قتيبة قبل أكثر من أحد عشر قرنا من هجر موضوعات القرآن الكبرى (كالتوحيد، والتقوى، والاستخلاف، والشكر، والموازين)، واشتغال العلماء بالجوهر والعرض وسفسطة الجدل. ودعا لجان الدراسات العليا في الجامعات الإسلامية إلى جعل المعيار الأول لإقرار رسائل الماجستير والدكتوراه هو: ما مدى صلة هذا الموضوع بأولويات القرآن الكريم ووزنه في التنزيل؟
  • المعيار الخامس التطبيقي (التقويم المستمر للمؤسسات): النصوص النظرية وحدها لا تكفي؛ فكم من بنك إسلامي، ومدرسة إسلامية، وجامعة إسلامية تحمل شعارات براقة، بينما واقعها الميداني هو إعادة إنتاج للمؤسسات الربوية والرأسمالية والعلمانية! وعلل ذلك بغياب “المعيار النقدي والتقويم المستمر”، مستشهدا بآية العصر: {وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر}، فإذا غاب التواصي والنقد الحقيقي انحرفت المؤسسات مع تغير إداراتها ومؤسسيها.
  • المعيار السادس الأسلوبي (المجادلة بالتي هي أحسن) : اعتبر الدكتور نايف أن الأسلوب ليس ترفا ولا قشرة خارجية، بل هو معيار جوهري للحكم على صدق الإنسان ومطابقة سلوكه للأقومية: {وجادلهم بالتي هي أحسن} [النحل: 125]. ونبه إلى أن الجدال بالتي هي أسوأ وإقصاء المخالف والغلظة في القول لا تنبع من الغيرة على الدين، بل من حظوظ النفس والشيطان الذي ينزغ بين المؤمنين: {وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن ۚ إن الشيطان ينزغ بينهم} [الإسراء: 53].

وأعطى الدكتور نايف مثلا في الرقي الأخلاقي والمنهجي بالرسالة الشهيرة التي وجهها سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز إلى العلامة الدكتور يوسف القرضاوي رحمهما الله، تعليقا على بعض مسائل كتابه “الحلال والحرام في الإسلام. فعلى الرغم من الاختلاف البين بين المدرستين، خاطبه الشيخ ابن باز بأعلى درجات التوقير والأدب: “كتابكم جليل ونحن نريد طباعته ونشره، ولكن استوقفتنا خمس أو ست مسائل نرجو من فضيلتكم مراجعتها، فلعل الحق معكم ولعلنا أخطأنا، أو لعلكم ترون مراجعتها إن اتسع وقتكم. هذا الأسلوب الأخاذ فتح قلب الشيخ القرضاوي الذي استجاب بمحبة ووعد بالمراجعة، على النقيض من الردود المتشنجة العنيفة التي أغلقت العقول وجعلت أصحابها يتخندقون للدفاع عن آرائهم بسلاح التعصب.

محاكمة مشروع أسلمة المعرفة

انتقل د. نايف بن نهار بعد ذلك إلى تفكيك أزمة مشروع “أسلمة المعرفة” الذي تبناه المعهد العالمي للفكر الإسلامي ورواده من أمثال د. عماد الدين خليل، ود. عبد الحميد أبو سليمان، والشهيد إسماعيل الفاروقي رحمه الله. وأكد أن المشروع انطلق بنوايا نبيلة وإخلاص لا شك فيه لتحرير العقل المسلم من التبعية، لكنه وقع في منزلقين بنيويين خطيرين:

المشكلة الأولى التشويش الذهني

افترضت أسلمة المعرفة أن على الباحث المسلم أن يستوعب المعرفة الغربية أولا ويتمكن منها لكي يتمكن من أسلمتها؛ فأرسلت البعثات إلى الجامعات الغربية لدراسة العلوم السياسية وعلم النفس والاجتماع. والنتيجة الحتمية كانت أن الباحث قضى شطر عمره (10 إلى 20 عاما) يتشرب النظريات والمصطلحات والتصورات الغربية، حتى امتلأ عقله وتشكلت لديه “نظارات غربية لا فكاك منها”، فلما عاد في خريف عمره ليؤسلم هذه العلوم، عاد بعقل مشوش يرى القرآن من خلال القوالب الغربية، ويعسف النصوص القرآنية لتوافق المدارس السلوكية أو الماركسية أو الواقعية!

وضرب الدكتور نايف  مثلا بمصطلح “الخلقانية” الذي صاغه في كتابه «من العلمانية إلى الخلقانية»؛ مبينا أنه حين نناقش العلمانية نضطر لدراسة التاريخ الكنسي، واللاهوت الغربي، والصراع بين البابوية والإمبراطورية، والثورة الفرنسية، بينما القرآن يقدم مفهوما حاسما في آية: {ألا له الخلق والأمر} [الأعراف: 54]؛ فالمؤمن يرد الخلق والأمر لله، واللاديني يريد حصر الأمر في نطاق “الخلق” وحدهم دون الوحي، ومن هنا كان اشتقاق لفظ “الخلقانيين“ من صلب القرآن لنبدأ الحوار من كتاب ربنا لا من لاهوت الغرب.

المشكلة الثانية تهميش القرآن الكريم

وقال الدكتور نايف في موضوع أسلمة المعرفة أنها أدت إلى مفارقة مأساوية هي أن الأكاديمي المسلم أصبح يعرف الآخر الغربي أكثر مما يعرف ذاته وكتاب ربه! حيث تجد أستاذ علم الاجتماع المسلم يحفظ نظريات دوركايم وفيبر وماركس، ويجهل المفردات والنماذج الاجتماعية في القرآن، وتجد بروفيسور علم النفس المسلم يتقن أدبيات فرويد ويونغ، بينما لم يدرس قط الدوافع النفسية والنماذج السلوكية في القرآن، حتى زعم بعض المتخصصين أن القرآن لا يحتوي على علم نفس بل مجرد إشارات عابرة!

  وأضاف الدكتور نايف نهار أن مستوى التهميش وصل إلى المتخصصين في مقارنة الأديان، فتجد الباحث يحفظ الأناجيل الأربعة وبولس الرسول، فإذا سألته عن الفرق القرآني الإعجازي بين قوله تعالى {الذين آتيناهم الكتاب} وقوله تعالى {الذين أوتوا الكتاب} وقف عاجزا معترفا بأنه لم يدرس ذلك في القرآن!

اجتماع في قاعة مؤتمرات مع شاشة عرض كبيرة تعرض متحدثين على المنصة. الحضور يرتدون ملابس تقليدية وعصرية، مع التركيز على النقاشات والأفكار المطروحة.

الفارق بين أسلمة الغزالي قديماً وأسلمة المعاصرين

وطرح الدكتور نايف مقارنة تحليلية بين تعاطي الإمام أبي حامد الغزالي مع الفلسفة اليونانية، ومقاربات المعاصرين. وفي تفكيكه للتراث اليوناني عبر كتابي «تهافت الفلاسفة» و«المستصفى»، جادل الغزالي كلاً من أرسطو وأفلاطون مستنداً إلى سيادة حضارية راسخة من موقعه في المدرسة النظامية ببغداد، متحرراً من سلطة لجان الاعتماد الأكاديمي الغربية ومقرراتها. وفر هذا التموضع قدرة عالية على فرز الفلسفة باستقلالية تامة، لقبول المنطق والرياضيات ورد الإلهيات الفاسدة. وفي المقابل، يخوض الباحث المسلم اليوم مشاريع «الأسلمة» تحت وطأة الهزيمة النفسية والتبعية العسكرية والتصنيفات الأكاديمية الاستعمارية، لتؤول هذه العملية في كثير من أطوارها إلى أداة لتبرير المنتج الغربي والبحث عن مخارج شرعية له.

واختتم الدكتور نهار بالتأكيد على أن معركة “طوفان الأقصى” كانت زلزالا كشف سوءات المنظومة الغربية وتهافت شعاراتها في حقوق الإنسان وحرية التعبير، ووفرت على الأمة قرنا من التأليف لإثبات سقوط الصنم الغربي، محذرا من إهدار هذه اللحظة التاريخية الاستثنائية التي انفتحت فيها عقول الشباب والباحثين للبحث عن “النموذج البديل”، الذي لن يكون إلا في “أقومية القرآن الكريم”.

التوصيات الختامية لمنتدى القرآن العالمي

في ختام فعاليات اليوم الثالث من «منتدى القرآن العالمي الأول: أقومية القرآن» تلت اللجنة العلمية والتنظيمية جملة من التوصيات هي :

  • إعادة تفعيل المرجعية القرآنية التأسيسية: الانتقال بالقرآن الكريم من دائرة التبرك والاستشهاد التزييني اللاحق إلى منطلق البناء والتقويم المعرفي الأول لكافة العلوم والمبادرات الاجتماعية والسياسية والتربوية.
  • التحول نحو التدبر التطبيقي ومأسسة النماذج: إخراج التدبر القرآني من غرف المحاضرات والمجالس الوعظية إلى برامج عمل واقعية، ونماذج تربوية ومجتمعية تمارس وظيفتها في بناء الإنسان واستقرار المجتمع.
  • كسر احتكار التعامل مع الوحي: دعوة الأكاديميين والمتخصصين في العلوم الطبيعية والإنسانية والاجتماعية والمهنية (الطب، الهندسة، الاقتصاد، السياسة، الإعلام، علم النفس) إلى دراسة القرآن من زوايا تخصصاتهم، وعدم حصر استنباط هداياته في علماء الشريعة واللغة وحدهم، مع الالتزام بالضوابط العلمية المنضبطة.
  • تحصين الأسرة والوعي الفطري: صياغة ميثاق إسلامي للأسرة مستمد من الأقومية القرآنية، يتصدى للمفاهيم الحداثية التي تسلع الأسرة وتختزلها في عقود نفعية أو صراعات جندرية، وإبراز قيم السكن والمودة والرحمة.
  • مأسسة منتدى القرآن العالمي واستدامته: تحويل المنتدى إلى مؤسسة معرفية ومنصة وملتقى عالمي سنوي دائم تستضيفه الدوحة، تنشأ في ظله جمعيات وفرق بحثية متخصصة تعنى برصد المصطلحات القرآنية وتوليد النظريات الأقوم في سائر ميادين المعرفة.