في حادثة غريبة عن مجتمعاتنا العربية الإسلامية، قام مدير مطعم بمقاطعة امرأة قامت تصلي الظهر خوفا من فوات الوقت قبل أن يدخل وقت صلاة العصر.
وتفاصيل الحادثة أنه كانت هناك سيدتان دخلتا مطعما لتناول الغداء، وذلك بعد صلاة الظهر، وخافت إحداهما من دخول صلاة العصر، فبحثت عن مكان لأداء الصلاة في وقتها، وقد وجدت ركنا بعيدا عن الممرات والزبائن، فاستأذنت عاملا لأداء الصلاة، وشرعت في الصلاة. ورآها مدير المطعم، وتوجه إليها أثناء الصلاة، وطلب منها التوقف فورا، وأنها إن أرادت الصلاة، فلتذهب إلى الصلاة بجوار الحمامات، وأن الصلاة ممنوعة هنا، وعليها أن تذهب لأي مسجد للصلاة وليس في المطعم، وبعد مشادة كلامية، قال المدير: ليس مرحبا بكم في المطعم.
ولما ثارت الضجة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أصدرت إدارة المطعم بيانا تعتذر فيه عما حصل، وأن مدير فرع المطعم موظف جديد، وأنه محال للتحقيق تمهيدا لفصله، وأن المطعم سيخصص مكانا للصلاة.
ووجه غرابة الحادثة أنه ليس من المعتاد في بلاد المسلمين منع الناس في الأماكن العامة كالمطاعم والأسواق الكبرى والشركات والمؤسسات، فهذه حادثة غريبة عن النسيج الاجتماعي في بلادنا، والتخوف الأكبر هو ذلك التوجه نحو منع الصلاة في أماكن غير المسجد في بلاد الإسلام.
الصلاة في غير المسجد
تجوز الصلاة في غير المسجد؛ فالمسجد ليس شرطا من شروط صحة الصلاة، لقول النبي ﷺ:” جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأينما أدركت الرجل من أمتي الصلاة فليصل “. وإنما شروط صحة الصلاة هي:
الطهارة، وتشمل: طهارة البدن والثوب والمكان طهارة حقيقية عن النجس؛ لقوله تعالى: (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ)، ولحديث:” تنزهوا من البول”، وأما طهارة المكان؛ فلقوله تعالى: (وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ)، ولحديث أن النبي ﷺ نهى عن الصلاة في المزبلة والمجزرة ومعاطن الإبل وقوارع الطريق والحمام والمقبرة”.
كما تجب الطهارة الحكمية، وهي طهارة أعضاء الوضوء عن الحدث، وطهارة الأعضاء عن الجنابة؛ لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ)، ولقوله ﷺ:” لا تقبل صلاة بغير طهور”.
ومن شروط صحة الصلاة ستر العورة؛ لقوله تعالى: (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ )، قال ابن عباس: المراد به الثياب في الصلاة، ولقول النبي ﷺ:” لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار.
ومنها: استقبال القبلة؛ لقوله تعالى: (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ).
ومنها: العلم بدخول الوقت؛ لقوله تعالى: (إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا ولقوله تعالى: (أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ)
فللمسلم أن يصلي في أي مكان كائنا ما كان، وصلاته صحيحة، ولكن يستحب أن يصلي الرجل في المسجد، وأن تصلي المرأة في بيتها، ولكن هذا الاستحباب لا علاقة له بصحة الصلاة، وإذا خيف خروج الوقت؛ وجب الصلاة في غير المسجد؛ لأن الصلاة فيه سنة، والصلاة في الوقت واجب، والواجب مقدم على السنة، كما أنه يحرم تأخير الصلاة عن وقتها؛ لقوله تعالى: (فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ . الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ)، أي يؤخرون الصلاة عن وقتها، فيصلونها بعد خروج وقتها.
صلاة المرأة في الأماكن العامة
الأولى أن تصلي المرأة في مكان خاص بعيدا عن الرجال، لكن إن صلت في حضرة الرجال، فلا حرج عليها، وبخاصة إن خشيت خروج الوقت، فلتصل في الأماكن العامة ولو في حضور الرجال بشرط أن تستوفي شروط صحة الصلاة، والاستتار عن أعين الرجال ليس من شروط صحة الصلاة، ويجب عليها أن تأتي بأركان الصلاة كلها، ومنها الوقوف، فلا يجوز لها أن تصلي قاعدة بزعم وجود رجال في المكان؛ فإن صلاتها قاعدة مع قدرتها على الوقوف مبطل لصلاتها.
ومن المعلوم من السنة أن النساء كن يصلين في حضرة الرجال في المسجد في عهد النبي ﷺ وعهود الخلفاء المسلمين إلى يومنا دون نكير.
قطع صلاة المصلي
يحرم على المسلم أن يقطع صلاة الرجل أو المرأة، بل يعد هذا الفعل من الكبائر، وفاعله عند الله آثم، ويستدل على ذلك بقوله تعالى: (أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْدًا إِذَا صَلَّى)، ولقوله سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ)، بل نص الفقهاء على أن الإنسان إذا كان يصلي الفريضة في قارعة الطريق وشرع في الصلاة؛ فلا يجوز أمره بقطع الصلاة، مع ورود النهي عن الصلاة في قارعة الطريق، فمن باب أولى أنه يحرم قطع صلاة الرجل أو المرأة في الأماكن العامة؛ كالمطاعم والأسواق وغيرها، ولأن هذا تعد على حدود الله وشعائره التي يجب أن تعظم؛ فإن تعظيم الصلاة من تعظيم الله تعالى، وقد قال سبحانه: (وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ).
تخصيص مكان للصلاة في غير المسجد
يجوز تخصيص أماكن للصلاة في غير المسجد، بل قد تكون مستحبة؛ لأنها تعين على أداء العبادة، وتذكر الناس بأداء الصلاة وطاعة الله تعالى، ولأنه قد يصعب على بعض العاملين في بعض الوظائف الذهاب إلى المسجد للصلاة، فيكون لهم مصلى يجتمعون فيه على الصلاة؛ للحفاظ على صلاة الجماعة في أماكن عملهم، أو لأداء الصلاة فيها ولو فرادى، وكل ذلك محمود في الشريعة، وهو من تيسير الله على خلقه، ويشهد لذلك حديث:” جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأينما أدركت الرجل من أمتي الصلاة فليصل. بل ورد عن النبي ﷺ أنه أمر ببناء المساجد في الدور، وأن تنظف وتطيب” رواه أبو داود. ثم إن وجود أماكن للصلاة في الأماكن العامة من الدلائل حرص الناس على أداء الفريضة، كما أنها دليل على تيسير الشريعة التي لا تشترط لصحة الصلاة أن تكون في المسجد، وفيها مراعاة لأحوال الناس وظروفهم.
الخلاصة
- ما حدث من قطع المرأة في الصلاة في المطعم حادثة غريبة عن بلادنا.
- يحرم قطع الرجل أو المرأة أثناء الصلاة.
- يجوز للمرأة الصلاة في الأماكن العامة ولو في حضور الرجال.
- حرمة وقت الصلاة مقدمة على الصلاة في المسجد أو البيت.
- تخصيص مكان للصلاة في غير المسجد من الأمور المحمودة في الدين.
