لقد كان يوم وفاة النبي ﷺ أعظم خطبٍ نزل بالمسلمين؛ إذ لم تكد القلوب تستوعب فجيعة الفقد، حتى أحدث ذلك المصاب الجلل اضطراباً هائلاً في أرجاء الجزيرة العربية، فماجت القبائل، واشرأبّ النفاق، وارتد كثير من الأعراب عن الإسلام، في فتنة عاصفة هددت كيان الدولة الإسلامية الوليدة في عاصمتها المدينة المنورة.
تصحيح مفهوم خاطئ حول الردة
من الأخطاء الشائعة في الحديث عن حروب الردة الاعتقاد بأن جميع القبائل العربية قد ارتدت عن الإسلام عقب وفاة النبي ﷺ، وأن الإسلام لم يبقَ إلا في مكة والمدينة والطائف، وهذه صورة غير دقيقة تاريخيًا، ولا تؤيدها الروايات المعتبرة، فقد كانت فتنة الردة من أعظم الفتن التي واجهت الدولة الإسلامية الناشئة، وكادت تعصف بوحدتها لولا توفيق الله تعالى ثم ثبات الخليفة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وعزيمته في قتال المرتدين؛ إلا أن هذه الفتنة لم تشمل جميع المسلمين ولا جميع القبائل العربية؛ بل بقيت قبائل كثيرة ثابتة على الإسلام، وقفت إلى جانب الخليفة أبي بكر رضي الله عنه، وأسهمت في القضاء على المرتدين وإخماد الفتنة.
ومن أبرز القبائل التي ثبتت على الإسلام قبائل أسلم، وغفار، ومزينة، وأشجع، كما بقي عدد كبير من أهل اليمن على إسلامهم، ومنهم الفرس الذين أسلموا هناك، وكثير من العرب أيضًا، ولم يمض وقت طويل على القضاء على الأسود العنسي، الذي ادعى النبوة في حياة النبي ﷺ؛ حتى واصل المسلمون في اليمن بقيادة فيروز الديلمي رضي الله عنه مواجهة أتباعه المرتدين، وحافظوا على استقرار اليمن وثباتها على الإسلام، ثم ولاه أبو بكر الصديق رضي الله عنه على صنعاء؛ تقديرًا لموقفه وثباته.
ومن ثم فإن وصف أحداث الردة ينبغي أن يكون دقيقًا؛ فالردة كانت واسعة الانتشار في بعض الأقاليم والقبائل نعم، ولكنها لم تكن ظاهرة عامة شملت جميع العرب، بل كان هناك عدد كبير من المسلمين والقبائل الذين بقوا أوفياء لدينهم، وكانوا السند الحقيقي للخليفة أبي بكر رضي الله عنه في القضاء على تلك الفتنة، وقد أفرد الدكتور مهدي رزق هذه القضية بالدراسة في كتابه (الثابتون على الإسلام أيام فتنة الردة)، وبيّن بالأدلة التاريخية أسماء القبائل والأقاليم التي ثبتت على الإسلام، ودورها في نصرة الدولة الإسلامية وإخماد فتنة المرتدين لمن أراد التوسع في دراسة هذا الجانب.
جذور الفتنة
من الواجب عند دراسة فتنة الردة زمن الصديق إدراك جذورها التاريخية كما نبه لها علماء الإسلام؛ إذ لم يكن سبب الردة خللًا في الإسلام، أو قصورًا في رسالته، وإنما كان في جانب كبير منها راجعًا إلى حداثة عهد كثير من المرتدين بالإسلام، فقد كان معظمهم ممن دخلوا في الإسلام خلال عام الوفود في السنة التاسعة للهجرة بعد فتح مكة، أي قبل وفاة النبي ﷺ بمدة يسيرة، وقد أقبلت القبائل آنذاك على الإسلام أفواجًا، وأعلنت إسلامها، لكنها لم تنل من التربية النبوية والإعداد الإيماني ما ناله السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار الذين عاشوا سنوات طويلة في مدرسة النبوة.
ولهذا لم يتمكن الإيمان في نفوس كثير منهم بالقدر الذي يجعلهم يصمدون أمام الفتن والابتلاءات؛ ولم تترسخ في قلوبهم معاني الإخلاص والتجرد لله تعالى، ولم يكتمل لديهم الفهم الصحيح لحقيقة الإسلام بوصفه دينًا وعقيدةً ومنهج حياة، لا مجرد رابطة قبلية أو ولاء سياسي، وبقيت لدى الكثير منهم آثار العصبية القبلية، فظنوا أن ارتباطهم بالمدينة كان مرتبطًا بشخص النبي ﷺ، وأن هذا الارتباط ينتهي بوفاته، ولم يدركوا أن طاعتهم إنما هي لله ورسوله، وأن الدولة الإسلامية قائمة على الوحي والشريعة، لا على شخص الحاكم؛ ومن هنا كانت فتنة الردة درسًا تاريخيًا عظيمًا يؤكد أن الدخول في الإسلام وحده لا يكفي، بل لا بد من التربية الإيمانية، وترسيخ العقيدة، وتعميق الفهم الصحيح للدين؛ حتى يثبت المسلم أمام الشبهات والشهوات والفتن؛ الأمر الذي فعله رسول الله مع أصحابه من السابقين الأوليين.
أقسام المرتدين وطبيعة حركتهم
ذكر أهل السير والتاريخ: أن المرتدين زمن الصديق لم يكونوا على درجة واحدة، بل كانوا ثلاثة أصناف هي:
- الصنف الأول: ارتد عن الإسلام ارتدادًا كاملًا، فكفر بالله ورسوله ﷺ، وعاد إلى الوثنية وعبادة الأصنام.
- الصنف الثاني: بقي مقرًّا بأصل الإسلام، لكنه اتبع مدّعي النبوة، كمسيلمة الكذاب، والأسود العنسي، وسجاح التميمية.
- الصنف الثالث: بقي على الإسلام ولكنه امتنع عن أداء الزكاة إلى الخليفة أبي بكر رضي الله عنه، زاعمًا أنها كانت حقًا خاصًا برسول الله ﷺ، متأولين قوله تعالى: ﴿خُذۡ مِنۡ أَمۡوَٰلِهِمۡ صَدَقَةٗ تُطَهِّرُهُمۡ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيۡهِمۡۖ إِنَّ صَلَوٰتَكَ سَكَنٞ لَّهُمۡۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [التوبة: 103] أنه خاص برسول الله فقط. ولهذا واجه أبو بكر الصديق رضي الله عنه فتنةً مركبة، جمعت بين الردة العقدية، وادعاء النبوة، ومنع الزكاة، والتمرد المسلح، حتى إن بعض القبائل حاولت مهاجمة المدينة المنورة.
استراتيجية الصديق
في هذه الأزمة العظيمة ظهرت حكمة الصديق رضي الله عنه وثباته؛ إذ رأى أن التهاون مع المرتدين أو مانعي الزكاة يهدد أصول الدين ووحدة الأمة، ومع أن بعض كبار الصحابة، وفي مقدمتهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أشاروا عليه بالتريث مع مانعي الزكاة وتأليفهم، فإن الصديق كان يرى أن الزكاة ركن من أركان الإسلام، لا يجوز التفريق بينها وبين الصلاة، ومع ذلك لم يبدأ رضي الله عنه بالقتال، بل سلك طريق الدعوة وإقامة الحجة، فأرسل الرسل إلى القبائل يبينون لهم أن الإسلام دين واحد لا يقبل التجزئة، وأن الزكاة فريضة واجبة كالصلاة؛ وجاء بعضهم إليه محاولًا إقناعه بعد أخذ الزكاة فلم يقبل ذلك منهم؛ ولما أصرَّ المرتدون على موقفهم، بل واعتدى بعضهم على المسلمين وحاولوا مهاجمة المدينة؛ أعلن الصديق موقفه الحاسم بقوله: “الله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقًا كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها” رواه البخاري وغيره.
ثم بدأ رضي الله عنه مرحلة الحسم، فعقد أحد عشر لواءً، وزعها على أنحاء الجزيرة العربية، واختار لقيادتها نخبةً من كبار الصحابة، وفي مقدمتهم: خالد بن الوليد، وعكرمة بن أبي جهل، وعمرو بن العاص رضي الله عنهم، حتى أُخمدت فتنة الردة، وعادت الجزيرة العربية إلى وحدة الإسلام والطاعة.
انكسار الردة وعودة التائبين
خاضت جيوش الصديق معارك شديدة مع المرتدين في أنحاء الجزيرة العربية، وكان أعظمها: معركة اليمامة ضد مسيلمة الكذاب وأتباعه، استُشهد في هذه المعركة عدد كبير من الصحابة، ولا سيما من حفاظ القرآن الكريم، وبفضل الله تعالى ثم بثبات أبي بكر الصديق رضي الله عنه وبسالة المسلمين؛ انتهت فتنة الردة، وقُتل رؤوس المتنبئين، وعادت الجزيرة العربية إلى وحدة الإسلام، وكان من عظمة سياسة الصديق رضي الله عنه أنه لم يغلق باب التوبة أمام من رجع إلى الحق من المرتدين؛ بل قبل توبة التائبين منهم، وأعاد دمجهم في المجتمع الإسلامي بعد التزامهم بشرائع الإسلام، ثم أصبح بعضهم بعد ذلك من كبار المجاهدين في الفتوحات الإسلامية، مثل طليحة بن خويلد الأسدي، والأشعث بن قيس وغيرهم؛ وذلك بعد أن حسنت توبتهما وثبتا على الإسلام.
خاتمة
لقد أثبتت حروب الردة زمن الصديق أن الإسلام دينٌ كامل لا يقبل التجزئة، وأن شرائعه يعضد بعضها بعضًا، فلا يُفرَّق بين الصلاة والزكاة، ولا بين العقيدة والعمل، كما برهنت على أن القيادة الراشدة تجمع بين الحكمة في الدعوة، والحزم في المواجهة؛ فرضي الله عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه، الذي حفظ الله به الدين بعد وفاة نبيه ﷺ.
