نود الإشارة إلى ان تنوع  تقسيمات المقاصد يبدو أمرا غير ذي أهمية بالغة من الناحية العملية، وإنما هو مجرد عمل منهجي لا يضيف جديدًا للمقاصد ويقوم على جمع كل طائفة معينة من المقاصد تحت عنوان كبير فهو تقسيم لا يؤدي إلى خلق المقاصد ولا تطورها ولكنه يساعد على فهمها ودراستها والتقاسيم تبدو متداخله فالذين قسموا المقاصد الجزيئة راينا انها تبحث فى كل حكم لتستقرأ مقاصده سواء أكان الحكم متعلق بالحرمة أو الحل أو الكراهة أو الندب وسنجد أن المقصد في الحل والحرمة لا بد أن يكون مقصدًا ضروريًا نظرًا لما للحل والحرمة من حجية وإلزام وضرورة، أما الأحكام التي تدور مع الكراهية أو الندب فمن الممكن أن تكون مقاصد حاجية أو تحسينية، وهكذا دائمًا هناك نوع من التداخل فلا يمكن القول بأن هناك تقسيمًا جامعًا مانعًا، كما أنه من ناحية أخرى ليس لهذه التقسيمات من دلالة موضوعية على نظرية المقاصد بصفة عامة.

ومع ذلك ومن قبيل تنظيم وتنظير المقاصد نرى أن المعيار الذي نرتكن إليه عند تقسيم المقاصد يتعين أن يكون الإطار الواسع الذي تعمل فيه المقاصد أو الهدف الذي ترمي إلى تحقيقه، ولا ريب لدينا في أن نظرية المقاصد في عمومها والمصدر الرئيسي الذي تدور حوله وتتمحور في إطاره هو مقصد العبادة، انطلاقًا من نص الآية الكريمة { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ } (الذاريات :56)

وفي سبيل تحقيق هذا المقصد لا بد من الحفاظ على الدين كقيمة أخروية ودنيوية معًا، الدين كأحكام عبادت ومعاملات، ثم الإنسان المكلف بهذه العبادة والمعنى بهذه المعاملات، فالإنسان خلق ليعبد الله وهو مقصد صرح به القرآن الكريم وأفصح عن أنه المقصد الوحيد الذي يعتد به الخالق عز وجل ومقصد العبادة لا يتحقق إلا بإرادة فاعلة تستلهم قواعد الدين المتعلقة بالعبادة وقواعد السلوك المتعلقة بالمعاملات.

وعلينا أن ندرك وبوضوح أن كل القواعد لا تعمل منفصلة عن الأخرى، بل هي تصب في قصد العبادة، فمعاملات الإنسان يجب أن ترتكز على قيم الصلاح والتقوى وتستلهم أصول العقيدة ومقوماتها ومن هنا تبرز قيمة الدين الإسلامي باعتباره الشريعة الأسمى والخاتمة والتي تكفل السعادة في الدارين، فامتزاج المعاملات في العبادات والارتباط بينهما لا يمكن فصله، ولا يقبل أن يكون الشخص عابدًا لله سيء الخلق والعكس صحيح وقد تجلى ذلك في العديد من الآيات القرآنية التي تتناول القيم الأخلاقية والتعامل مثل الوفاء بالعقود وحفظ الأمانات وعدم السخرية من الغير وصلة الرحم والبر بالوالدين ولو كانا مشركَين وغيرها، وهي شديدة الوضوح وفضلًا عن ذلك كانت أحاديث الرسول ـ ـ قاطعة الدلالة في هذا الاتجاه، ومنها قول الرسول “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”[1] ، ومن ذلك قوله : “ألا أخبركم بأحبكم إلي وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة؟ فأعادها ثلاثًا أو مرتين. قالوا: بلى يا رسول الله. قال: “أحاسنكم أخلاقًا” [2]

وفي صحيح البخاري عن معاوية رضي الله عنه قال: قال رسول الله : “إن من خيركم أحسنكم خلقًا” حتى شاع بين الناس أن الدين المعاملة، وأن ظنوه حديثًا وهو ليس كذلك لكنه اعتقاد صائب ومقولة تعبر بالفطرة عن هذا الارتباط.

ولذلك نرى أن المقاصد تنقسم إلى مقاصد الهدف منها إقامة الدين وتحقيق الشريعة، ومقاصد تهدف إلى إقامة الدنيا على الصلاح وهي لا تكون كذلك إلا إذا كانت معتبرة أيضًا لدى الشارع.

وخلاصة مانراه أن المقاصد لابد أن تكون هادفة لتحقيق غاية وأن تكون في ذاتها مقدرة من الشرع معتبرة في وجودها وتصب في تحقيق غاية الوجود والمقصد الأسمى وهو العبادة، وإلا لا قيمة لما تحققه من غاية أخرى، ولا ينظر إلى مراتبها ولاثباتها ولا تغيرها ولا مآلها فكلها أوصاف وصفات توصف بها المقاصد، فإن اعتبرت من قبيل الشرع لم يعد من الأهمية التركيز على غير ذلك من أوصافها وسماتها.

أولًا: مقاصد لإقامة الدين وتحقق العبادة

مما لا ريب فيه أن المقصد الأول والأسمى من مقاصد الشريعة هو العبادة وهي لا تكون إلا بإقامة شريعة الله وهي أيضًا لا تتحقق إلا بكل ما يحفظ الدين ولا خلاف على ذلك حتى الذين يقسمون المقاصد إلى أقسام أخرى أو يصنفونها يضعون قصد حفظ الدين على رأس مقاصد الشريعة وهو أمر طبيعي، فحياة البشر الأولى وحياتهم الآخرة إنما تقوم على الدين وهو المقصد الأسمى الذي لو تعمقنا فيه أساسًا لوجدنا أن كل المقاصد تتفرع عنه، وهي من لزومياته الضرورية، فحتى المقاصد التي نتكلم عنها فيما بعد ونقصد بها مقاصد لإقامة الدنيا على صلاح، هي مقاصد لا تُقر ولا وجود لها ما لم يقرها الدين وتصب في تحقيق الحفاظ على الدين وشرع الله في الأرض.

وقد يسأل سائل عن السبب، وأرى أن الإجابة واضحة وبسيطة وهي تكمن في خصوصية الدين الإسلامي، فالدين الإسلامي ليس دينًا كهنوتيًا يمارس في دور العبادة ويقتصر على أركان الإسلام الخمسة، بل هو دين للحياة كما هو للآخرة لذلك فإن الحياة لا يمكن ممارستها بعيدًا عن هذا الدين، بل لا بد من أن تكون الحياة في إطار قواعد الدين وضوابطه التي تكفل الشرع بها وبإقرارها وإبرازها.

وإذا نظرنا إلى القرآن الكريم المصدر الأعلى للشرع والدين الإسلامي سنجد أنه بقدر ماهو نص يتضمن أحكام العبادة فقد وضع أسس المعاملات للفرد مع الفرد والفرد مع الأسرة والفرد مع الجيران والفرد في مجتمعه والفرد في وطنه والفرد مع دولته بل الفرد مع العالم، هذه الخصوصية التي جعلت الإسلام خاتم الرسالات والأديان كلها وجعلت منه دينًا عالميًا للبشر أجمع، ولم تُخاطب به أمة محددة في زمن محدد أو مكان محدد، إذًا فمقاصد الشريعة جميعها تصب في الحفاظ على هذا الدين، ولأن الدين دين عبادة وشريعة ودين حياة ومعاملة فإن المقاصد كما ستكفل بالضرورة حفظ الدين فهي أيضًا ستكفل إقامة هذه الحياة بما يتفق مع الدين في أطره التي رسمتها شريعته.

فقوة مقصد حفظ الدين وسموه توجد في الآية القرانية التي يقول فيها المولى عز وجل: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} (الذاريات:56 ) فالغاية التي من أجلها خلق الإنسان هي عبادة الله سبحانه وتعالى، وهذه الغاية هي التي يعمل تحتها البشر جميعًا ولا تكون عبادة الله إلا بكل مايقيم الدين ويحافظ عليه وقد تكرر هذا المعنى بأكثر من موضع في القرآن الكريم، فيقول المولى عز وجل في أكثر من موضع:

إذًا فمقصد إقامة الدين هو المقصد الأسمى وكل ما يحقق إقامة الدين يندرج ضمن هذا المقصد سواء ورد صريحًا بنص في القرآن الكريم ودلت عليه آيات القران كمقصد رفع الحرج وإزالة الضرر، أو مقصد التيسير ودفع المشقة والتخفيف عن الناس في قوله تعالى: {مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ } (الحج: 78) و قوله تعالى: { يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا } (النساء: 28)، وكما تكون هذه المقاصد التي صرح بها القرآن الكريم مقاصد كلية أو عامة قد تكون مقاصد جزئية أو فرعية كبيان الهدف من أركان الإسلام كالصلاة في قوله تعالى: {وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي}( طه: 14).. فقد فرضت الصلاة لإقامة ذكر الله، وكقوله تعالى في فريضة الحج: { لِّيَشهَدُواْ مَنَٰفِعَ لَهُم وَيَذكُرُواْ ٱسمَ ٱللَّهِ فِيٓ أَيَّام مَّعۡلُومَٰتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِيمَةِ ٱلۡأَنۡعَٰمِۖ فَكُلُواْ مِنۡهَا وَأَطۡعِمُواْ ٱلۡبَآئِسَ ٱلۡفَقِير * ثُمَّ لۡيَقۡضُواْ تَفَثَهُمۡ وَلۡيُوفُواْ نُذُورَهُمۡ وَلۡيَطَّوَّفُواْ بِٱلۡبَيۡتِ ٱلۡعَتِيقِ } (الحج: 28 – 29) فقد فرض الحج لتحقيق منافع متعددة دينية ودنيوية.

وكقوله سبحانه وتعالى: { إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ } (المائدة: 90) فقد حرم الخمر والميسر لأنهما يفضيان إلى النزاع والخصومة والعداء بين الناس.

وإذا كانت المقاصد السابقة وردت صراحة ونصًا في القران الكريم فهناك الكثيرة من المقاصد الشرعية التي وردت في مواضع مختلفة من القرآن الكريم ودلت نصوصه عليها بالإيماء، والحق أن آيات القرآن لم تأتِ عبثًا، بل كلها مقاصد تصب في صلاح الدين والدنيا حتى ما جاء في القرآن من قصص، وإنما له دلالته في مقاصد الشريعة من ضرورة الإيمان والطاعة للخالق والتسليم له، بالإضافة إلى قيم تصلح بها الدنيا كالعدل والاستقامة والعمل وعمارة الأرض والهجرة في سبيل الله.

وكذلك الحال بالنسبة لـ السنة النبوية المطهرة فقد تنص صراحة على مقصد حفظ الدين بما ورد من حديث الرسول ، فعلى سبيل المثال كان يقول  كذلك: { أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لاَ إِلَهَ إلاَّ اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فإذا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، إلاَّ بِحَقِّ الإِسْلاَمِ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ } [3]، ولمَّا سُئِلَ النبيُّ : أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ قال: (إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ)، قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قال: (الْجِهَادُ في سَبِيلِ اللَّهِ) قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قال: (حَجٌّ مَبْرُورٌ) [4].

وقوله تأكيدًا على أهمية العمل بالكتاب: (الْمُؤْمِنُ الذي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَعْمَلُ بِهِ كَالأُتْرُجَّةِ؛ طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَرِيحُهَا طَيِّبٌ. وَالْمُؤْمِنُ الذي لاَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَعْمَلُ بِهِ كَالتَّمْرَةِ؛ طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَلاَ رِيحَ لَهَا) [5].

ومقصد رفع الحرج والتيسير كمقصد عام للتيسير في إقامة العبادات وردت به العديد من الأحاديث مثلًا، فعن أنس بن مالك – رضي الله عنه – قال قال رسول الله : “يَسِّرُوا وَلاَ تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا وَلاَ تُنَفِّرُوا.

عن عائشة رضي الله عنها، زوج النبي ، أنها قالت: “ما خُيِّر رسول الله  بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثما”… وما انتقم رسول الله لنفسه، إلا أن تنتهك حرمة الله عز وجل.

وإذا كان هذا المقصد في حفظ الدين ورد صراحة أو ضمنًا في كتاب الله وسنة رسوله إلا أن الصحابة والسلف الصالح بادروا بتفعيل مقاصد حفظ الدين في حياتهم وأعمالهم، وظهر ذلك في مسألة جمع القرآن الكريم والخوف من ضياعه بموت الحفظة، لما استشعروا ضرورة جمع القرآن في مصحف واحد، حفظًا للقرآن، ومن ثم حفظ الدين.

وظهر مقصد حفظ الدين جليًا وراء قتال أبي بكر الصديق مانعي الزكاة وإقناعه للصحابة بهذا القتال عند تشاوره معهم؛ بقصد حفظ الدين والدولة الإسلامية، فلاشك أن انهيار الدولة هو انهيار للدين الإسلامي، وظهر أيضًا مقصد حفظ الدين في الأخذ بالخلافة واختيار أبى بكر وذلك لحفظ الدولة الإسلامية، وضمان وحدة الإسلام والمسلمين.

واستمر إدراك التابعين والسلف الصالح لأهمية مقاصد الشريعة، وأخصها مقصد حفظ الدين، فظهر ذلك فى ما فعله عمر بن عبد العزيز بإصدار أمر لوليّه بالمدينة بأن يدوِّن سُنة رسول الله .

ففي صحيح البخاري أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى أبي بكر بن حزم “انظر ما كان من حديث رسول الله ، فاكتبه فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء، ولا تقبل إلا حديث النبي ، ولتفشوا العلم ولتجلسوا حتى يعلم من لا يعلم، فإن العلم لا يهلك حتى يكون سرًا”

ولا شك أننا يتعين من وراء هذا المقصد أن ننظم كثيرًا من المسائل المتعلقة بحياتنا المعاصرة وسلوكياتنا وقوانينا التي من شانها أن يقف ورءها مقصد إقامة الدين وحفظه، أن تأتي محققة لصالح المجتمع في دنياه وآخرته، ومنها مثلًا قواعد وقوانين النشر والإعلام بكل صورها كتابة أو من خلال الأجهزة المسموعة والمرئية، وكذلك النشر الرقمي ووضع ضوابط الآداب العامة للحفاظ على الدين من الانتهاك ومحاربة تفشي الرذائل وكل ما يلهي المسلم وخاصة الشباب عن إقامة الدين والعقيدة، ولا بد من وزن مستجدات العصر ومتغيرات واقع الأمة الإسلامية بميزان مقصد حفظ الدين منعًا لإباحة محرم أو إتيان معصية أو إهدار أحكام الدين من خلال ما تحوم حولنا من شبهات وأبواب تحتاج قبل الولوج منها لإنارة الطريق بمقصد حفظ الدين.

ثانيًا: مقاصد لإقامة الدنيا على الصلاح

إقامة الدنيا على الصلاح هو مقصد ضروري لا تتحق الغاية من وجود الإنسان والحياة بدون تحقيقه، فغاية الوجود هو عبادة الله كما دلَّنا على ذلك القرآن الكريم، ومن هنا كان من الضروري أن تكون حياة المسلم ومعاشه منسجمة مع هذه الغاية، فأوامر الدين ونواهيه لا يحققها إلا الإنسان في حياة صالحة تستقيم على أركان الشرع ويتضح هذا المقصد جليًا في قوله تعالى: { قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} (الأنعام: 162-163)

فإذا كانت الصلاة والنسك هي إقامة الدين فإن الحياة أيضًا يجب أن تكون على الصلاح لتكون لله رب العالمين، فهي لا تكون كذلك إلا بتحقيق كل المقاصد التي تكفل إقامة حياة المسلم على الاستقامة والطاعة للخالق، فالحياة هي ابتلاء من الخالق ليمتحن الخلق في دينهم.

وذلك بحسب قوله عز وجل: { تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ } (الملك: 1 – 2)

ولذلك جاءت كثير من المقاصد الكلية أو العامة تصب في تحسين حياة المسلم لتصل إلى الصلاح والاستقامة، فمثلًا مقصد التيسير ودفع المشقة والتخفيف عن الناس في قال تعالى: {مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} (الحج: 78).و قال تعالى: { يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا } (النساء: 28). فهو وإن كان مقصدا لحفظ الدين هو أيضًا مقصد لتحقيق حياة المسلم الصالح دون مشقة وعنت قد يدفعه لإفساد دينه وحياته معًا.

وعلى رأس المقاصد في هذا الصدد مقصد عمارة الأرض والذي يظهر جليًا في قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ} (البقرة: 30).

وقوله تعالى { وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً} (النساء: 100)

وقوله تعالى: {وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا } (الأعراف: 56)، {وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} (الأعراف: 129)

في قوله تعالى له تعالى: {هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا } (هود: 61)

وقوله: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ} ( محمد: 22)

{فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} ( الجمعة: 10)، وكلها آيات تدل على مقصد الاستخلاف وعمارة الأرض، أي إقامة الحياة على الصلاح وفق الشريعة الإسلامية الغراء.

ثم يأتي مقصد حفظ النفس وهو من المقاصد الضرورية لإقامة الدنيا على الصلاح ويدل على ذلك قوله تعالى {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ} (المائدة: 32)

وكذلك مقصد حفظ المال في قوله تعالى {وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً} (الإسراء:29)، وقوله عز وجل: { وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً} (الإسراء: 26-27).

وكذلك قوله جل وعلا: { وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً } (الفرقان:67).

{ وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا } (النساء: 5)

وفى تحريم الربا { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ } (البقرة: 278-279)، {وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} (البقرة: 188)، وقوله سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا } (النساء: 29).

ولا شك أن المال هو أحد أهم مقومات الحياة والتي بها تتحقق قدرات الإنسان وحفظ المال كمقصد شرعي هو لإقامة حياة المسلم على صورتها المثلى ولتسخير هذا المال في تحقيق أغراض الدنيا والآخرة، فالأمر بأخذ الزينة عند كل مسجد مع عدم الإسراف والتبذير في قوله تعالى { يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ } (الأعراف:31) هو من أغراض الدنيا، والإنفاق في سبيل الله هو من أغراض العبادة، ومن ثم فإن مقصد حفظ المال كما يكون لإقامة الدنيا فهو لإقامة الدين أيضًا.

ومن مقاصد إقامة الدنيا على الصلاح ما ورد في القرآن الكريم من آيات لتنظيم المعاملات بين المسلمين { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } ( البقرة: 282)، وهي أطول آيات القرآن الكريم وتضع تنظيمًا دقيقًا لمعاملات المسلمين المالية ومن ثم فكل ما يساهم في تنظيم وضبط المعاملات المالية إنما يندرج تحت مقصد حفظ المال.

. بل هناك أيضًا تنظيم عام للعلاقة الحياتية وبين المسلمين وغير المسلمين لتكون المعاملات الحياتية وفق شرع الله قال تعالى: { لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَىٰ إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ } ( الممتحنة: 8 -9)

ثم هناك العديد من الآيات القرآنية التي تدل على القيم الأخلاقية وهي كما تكفل إقامة الحياة على الصلاح، فهي أيضًا تساهم في تحقيق مقصد العبادة لأنها تصب في طاعة الخالق والأخذ بأوامره واجتناب نواهية فالدين الإسلامي دين لا يمكن فصل جوانبه وأحكامه ولا حتى المقاصد الشرعية، فكل المقاصد التي تهدف للحفاظ على الإنسان أو ماله، فهي أيضًا تساهم وبالضرورة في حفظ الدين فالإنسان هو الأداة الفاعلة للعبادة وهو الملتزم بإقامتها والنهوض بها، ومن ناحية أخرى فإن الحفاظ على الدين سوف يؤدي للحفاظ على النفس والمال والعرض والتمسك بالأخلاق والعدل والتراحم والمساواة وإعطاء كل ذي حق حقه؛ لأن الله سبحانه وتعالى إنما أورد أوامر ونواهية بقصد تحقيق هذه المقاصد فطاعة الله تحقق العبادة فتحفظ الدين وتقيم الدنيا على الصلاح وشرع الله.

وفي السنة النبوية سنجد نفس العناية بالمقاصد وتبدأ من المقاصد الكلية؛ حيث تصب في إقامة الحياة على الشرع والصلاح وذلك بعمران الأرض وتحقيق الاستخلاف على وجه الأمثل، سنجد أيضًا أحاديث نبوية تصب في حفظ المال والنفس ليقوم المسلم بما عليه من فروض وواجبات ويقوى على اجتناب المعاصي والمحرمات.

فقد بيّن الرسول المقاصد العامة التي تكفل إقامة الحياة السوية على قيم الإسلام، من أهمها قول الرَسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ”، وفي رواية: “صَالِحَ الْأَخْلَاقِ”.

ثم نص على تعمير الدنيا والعمل كمقصد هام لحياة المسلم وذلك يتضح من دلالة الحديث النبوي ومنها حديث الفسيلة، حيث قال الرسول : “إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع ألا تقوم حتى يغرسها فليغرسها.”

وقول النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ، قِيلَ: أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَجِدْ؟ قَالَ: يَعْتَمِلُ بِيَدَيْهِ فَيَنْفَعُ نَفْسَهُ وَيَتَصَدَّقُ. قِيلَ: أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ؟ قَالَ: يُعِينُ ذَا الْحَاجَةِ الْمَلْهُوفَ. قِيلَ: لَهُ أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ؟ قَالَ: يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ أَوْ الْخَيْرِ. قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَفْعَلْ؟ قَالَ: يُمْسِكُ عَنْ الشَّرِّ فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ.[6]”

وهناك العديد من الأحاديث التي تصب في القيم الأخلاقية وتبني سلوك المسلم وكلها تقوم على مقصد إقامة الدنيا بمقتضى الاستخلاف الذي أنعم الله به على الإنسان، والذي يجب أن يكون استخلافًا يقوم على الصلاح بمطابقته لأحكام الشريعة، مثل قول الرسول : “إن الله كتب الإحسان على كل شيء.[7]” وحديث: “إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا.[8]” وحديث: “إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه”[9]

وكما عُنيت السنة بالمقاصد الكلية، فهناك أيضًا العديد من المقاصد الجزئية يمكن استخلاصها من صراحة ألفاظ الأحاديث أو بدلالة المضمون على علل الأحكام الجزئية بوضوح، وقد ذكر النبي علل الأحكام والأوصاف المؤثرة فيها؛ ليدل على ارتباطها بها، كقوله: {إِنَّمَا جُعِلَ الِاسْتِئْذَانُ مِنْ أَجْلِ الْبَصَرِ}[10]، وكقوله: {إِنَّكُمْ إِنْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ قَطَعْتُمْ أَرْحَامَكُمْ}، ذكره تعليلًا لنهيه عن نكاح المرأة على عمتها وخالتها، وقوله وقد سُئل عن بيع الرطب بالتمر: أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إذَا جَفَّ؟ قالوا نعم، فنهى عنه. وقوله: { فَلَا يَتَنَاجَ اثْنَانِ دُونَ صَاحِبِهِمَا فَإِنَّ ذَلِكَ يُحْزِنُهُ }[11] وقوله: {إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يَنْهَيَانِكُمْ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ فَإِنَّهَا رِجْسٌ }[12]، وقوله في ابنة حمزة: {إِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِي إِنَّهَا ابْنَةُ أَخِي مِنْ الرَّضَاعَةِ} [13]وكلها مقاصد جزئية دلت عليها ألسنة بألفاظ صريحة وتعليل واضح للحكم الشرعي.

وكذلك وردت في السنة مقاصد خاصة كمقصد الرحمة بخلق الله وعمل الخير، كما قال النبي : { إِنَّكُمْ سَتَفْتَحُونَ أَرْضًا يُذْكَرُ فيها الْقِيرَاطُ، فَاسْتَوْصُوا بِأَهْلِهَا خَيْرًا؛ فإنَّ لَهُمْ ذِمَّةً وَرَحِمًا} [14] وقد يدل الحديث بمضمونه ومعناه على المقصد، كمقصد حفظ العِرض كقول رسول الله : “إنما جعل الإذن من أجل البصر” وقوله : “إذا استأذن أحدكم ثلاثًا، فلم يؤذن له، فليرجع”[15].

ولم يغب عن الصحابة استلهام مقصد إقامة الدنيا على شرع الله وتحقيق الصلاح، ومن ذلك؛ ولما ذم رجل الدنيا عند علي رضي الله عنه، قال له علي رضي الله عنه: “الدنيا دار صدق لمن صدقها، ودار نجاة لمن فهم عنها، ودار غنى لمن تزود منها، مهبط وحي الله، ومصلى ملائكته، ومسجد أنبيائه، ومتجر أوليائه، ربحوا فيها الرحمة، فاكتسبوا فيها الجنة.” وهذا فهم عام وشامل لمقصد إقامة الدنيا على الصلاح ثم ظهر هذا المقصد في العديد والعديد من أفعال المسلمين وما استخرجوه من أحكام لتسير الدنيا على الصلاح وتطابق شرع الله فتتحق بحياة المسلم غرض الخلافة لله وهو العبادة ومن أمثلة ذلك بوضوح ماقام به عمر بن الخطاب ـرضي الله عنه اذ أراد أن يقسم أراضي الفتوحات في العراق والشام بين المسلمين جميعًا، فاعترضه بعض الصحابة، بناءعلى تقسيم الرسول أرض خيبر على المجاهدين فقط، فعارضه معاذ بن جبل موضحًا رأيه فقال: “والله إذن ليكونن ما تكره، إنك إن قسمتها صار الريع العظيم في أيدي القوم ثم يبيدون فيصير إلى الرجل الواحد أو المرأة، ثم يأتي من بعدهم قوم يسدون من الإسلام مسدًا، وهم لا يجدون شيئًا، فانظر أمرًا يسع أولهم وآخرهم”

لقد رأى معاذ رضي الله عنه أن قسمة الأراضي على المجاهدين ستؤدي إلى احتكار قلة وسيتضرر باقى المسلمين وقد أخذ عمر بهذا الرأي.

ثم قال لهم: “إني أمرتكم أن تجتمعوا لهذا المال فتنظروا لمن ترونه، وإني قد قرأت آيات من كتاب الله سمعت الله يقول: {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ * لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} (الحشر:7 – 8)، والله ما هو لهؤلاء وحدهم، {وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ} (الحشر:9)، والله ما هو لهؤلاء وحدهم {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ} الآية، والله ما من أحد من المسلمين إلا وله حق في هذا المال – أُعطي منه أو مُنع – حتى راعٍ بِعَدن”

قال عمر: “لولا من يأتي من آخر الناس ما حسنةُ قريةٍ إلا قسمتها، كما قسم رسول الله خيبر”

فأدرك عمر أن قسمة الرسول تكون بما يحقق صلاح أحوال المسلمين ومصلحتهم العامة بأن تكون للجميع دون فئة منهم.

وظهر إدراك عمر لمقصد حفظ أموال المسلمين أيضًا في وقف حد سهم المؤلفة قلوبهم، فقد قال عمر بن الخطاب: ” إن الله أعز الإسلام وليس اليوم مؤلفة” وهنا يكون المقصد هو حفظ أموال المسلمين وعدم صرفه فيما لاضرورة إليه.

وكذلك وقف حد السرقة في عام الرمادة وفي وقت الغزو، وكان القصد هو الحفاظ على أمن المجتمع وسلامته وتحقيق السكينة العامة، وكذلك فيما انتهى إليه من إيقاع الطلاق بالثلاث كثلاث طلقات، والقصد الحفاظ على الأسرة المسلمة فضلًا عن ردع المستهترين لأحكام الشريعة، ومن الأمور التي أخذ بها المسلمون فهمًا لمقصد حفظ النفس القصاص من الجماعة بالواحد، وظهر أيضًا حفظ الدولة بما يحفظ الإسلام وتستقيم حياة الناس به وتنتظم معيشتهم دون إخلال أو عنت بعد اتساع رقعة الدولة الإسلامية وزيادة أعداد المسلمين، فكان الأخذ بـ التاريخ الهجري وتنظيم شئون الدولة بإنشاء الدواوين وبوضع السجلات وتنظيم ما يعرف الآن بالمرافق العامة وأجهزة الدولة وإدارتها مثل ضبط الأسواق والتسعير، ثم إنشاء نظام الشرطة في عهد عثمان بن عفان، وكلها إما متغيرات تفشت في المجتمع مثل انتشار الطلاق وقتل المجموعة لواحد، أو مستحدثات مثل الحاجة للتنظيم الحياة، وضبط الأحكام الشرعية لهذه المستحدثات أو المستجدات، فكان للمقاصد دورها الفاعل لتغير الحكم الشرعي أو استحداث أحكام تتفق وقواعد الشريعة الكلية وتصب في إقامة الحياة على الشرع والصلاح وذلك بحفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال.

ومما لا ريب فيه أن عصرنا الراهن ذا الإيقاع السريع والحركة الدائبة التي لاتتوقف والتطور الهائل في كافة المناحي والمجالات العلمية والعملية والاجتماعية بل والعلاقات بين الدولة والمنظمات وغيرها كلها، إما أنه يغير من بيئة تطبيق الحكم الشرعي، وهنا يمكن استلهام الحكم الذي يتوافق مع البيئة من خلال نظرية المقاصد دون إهدار للشريعة، كزكاة الفطر في بلد لا توجد به حبوب أو غلال أو زراعة وهذا أبسط نموذج ثم تاتي المستجدات التي تتوالى بصورة يصعب ملاحقتها وحصرها وهي تقتضى إنشاء أحكام جديدة ومنها على سبيل المثال لا الحصر أطفال الأنابيب والحمل خارج الرحم والاحتفاظ بمني الرجل أو بويضة المرأة ونقل الأعضاء والجرائم الالكترونية والعلاقات بين الدول الإسلامية والمنظمات غير الإسلامية وبينها وبين الدول غير الإسلامية وشكل العلاقة في حالات السلم والحروب وغيرها وغيرها. لا بد من النظر لنظرية المقاصد كضرورة ورافد هام ومعين لا ينضب لتمكين الفقه الإسلامي والشريعة من مواكبة حاضر المسلمين ومستقبلهم دون تحريف أو تبديد أو تفريط في الشريعة وأركانها وقيم الإسلام وركائزه الأخلاقية في بناء أمة الإسلام؛ لتكون خير أمة أخرجت للناس، تحقيقًا لقوله تعالى: { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ } (ال عمران: 110)

ولقد أحسن التعبير عن ذلك كله الإمام الغزالي فيقول رحمة الله عليه: ” إنها المصلحة التي سكتت شواهد الشرع ونصوصه عنها فلا يناقضها نص ولا يشهد لجنسها شرع ويتضمن اتباعها إحداث أمر لاعهد بمثله في الشرع ” [16].

ولكن هذا التعريف يجب أن يكتمل بعد عبارة ويتضمن اتباعها إحداث أمر لا عهد للشرع بمثله، فيضاف عليه “ولوضعها موضع الاعتبار يشترط ألا يترتب على الأمر المحدث إهدار أي من الكليات الخمس؛ الدين والنفس والعقل والنسل والمال وما يعد من لوازمها “

وهذه المقاصد من الأهمية في زماننا الحالي بمكانة بالغة، إذ أن ما تغير من أحوال المسلمين وما أحاط بهم من ظروف بدينهم ودنياهم من شأنها أن تؤثر على الأقل في كيفية ممارسة أركان الإسلام وإقامة شعائره، والأمثلة عديدة على المتغير من أحوال المسلمين.

أما المستجد من أحوال المسلمين، فقد وسع واتسع بصورة غير منكورة وأصبح من اللازم مسايرته بالحكم الشرعي وإلا تعطلت مصالح الخلق وتوقفت دنياهم ويئسوا من دينهم، والعياذ بالله، فالمصالح التي تقف وراء إقرار مشروعية هذه المستجدات أو العكس هي نطاق عمل الفقه المعاصر وموقع التطوير المنضبط لا التبديل المنحرف، فلابد من استلهام المقاصد المستقيمة على الشرع لا المهترئة التي تهدر الدنيا والدين معًا.