لم يعد حضور الفقه الإسلامي في الجامعات الغربية هامشيا في مدونات الاستشراق الكلاسيكي وأضحى حقلا أكاديميا واسعا تتقاطع فيه أسئلة التاريخ والقانون واللغة والمجتمع والسلطة والمعرفة. ومن هنا برز سؤال جوهري كيف يقرأ الغرب الفقه الإسلامي؟ وهل تكفي مواجهة هذه القراءات بالرفض العام، أم أن المطلوب اشتباك علمي ناقد يستوعب أدوات الأكاديمية الغربية دون ذوبان في مقدماتها أو تخل عن خصوصية الفقه الإسلامي ومرجعياته؟
حول هذه الأسئلة انعقدت ندوة بعنوان “الفقه الإسلامي في الجامعات الغربية: مقاربة نقدية“، التي نظمتها كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة قطر، بالشراكة مع مركز نهوض للدراسات والبحوث في الكويت، مساء الثلاثاء 28 أبريل 2026م، وعقدت بمقر الكلية. أدار الجلسة الأستاذ الدكتور صالح الزنكي، العميد المساعد لشؤون البحث والدراسات العليا بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة قطر.
شارك في الندوة أربعة باحثين هم :الأستاذ الدكتور عبد القادر جدي، والدكتور مشاري بن سعد الشثري، والدكتور محمد عبد الله الساعي، ومداخلة عبر شبكة الانترنت من قبل الدكتور محمد بو عبد الله من جامعة وستمنستر في بريطانيا.
تكاملت مداخلات الندوة في بناء رؤية علمية نقدية لدراسة الفقه الإسلامي في الجامعات الغربية. فقد وضعت مداخلة الدكتور عبد القادر جدي الأساس المنهجي من خلال تاريخ الأفكار، وأظهرت أن الفقه لا يفهم إلا في تداخله بين الوحي والمجتمع والتاريخ. وجاءت مداخلة الدكتور مشاري الشثري لتختبر هذا الإطار في نموذج محدد، كاشفة كيف يمكن لباحث مسلم أن يرفض نتائج الأطروحة الاستشراقية ويتأثر ببعض مقدماتها في الوقت نفسه. أما مداخلة الدكتور محمد الساعي فأعادت النظر إلى داخل التراث الأصولي نفسه، مبرزة طاقته على التفاعل المنضبط مع العلوم الحديثة. ثم رسمت مداخلة الدكتور محمد بو عبد الله خريطة المجال الغربي المعاصر، ومناهجه، وأدواته، وتحولاته.
الفقه بين الوحي والمجتمع
افتتح الأستاذ الدكتور عبد القادر جدي، منسق الدراسات العليا في قسم الفقه وأصوله بجامعة قطر، المداخلات بورقة عنوانها: “منهج تاريخ الأفكار في الدراسات الفقهية الغربية”، ولم يرد لها أن تكون قراءة في كتاب بعينه أو نقدا لمؤلف محدد، وإنما اتخذها مدخلا منهجيا لفهم طريقة دراسة الفقه الإسلامي داخل الجامعات الغربية، ولا سيما من زاوية تاريخ الأفكار.
استهل الدكتور جدي حديثه بإشارة إلى ابن خلدون في مقدمته، مبينا أن حديثه عن فن التاريخ يقترب مما يسمى اليوم بتاريخ الأفكار، إذ إن التاريخ لا ينحصر في أخبار الدول والسياسات، وإنما يمتد إلى المؤسسات والشخصيات العلمية والكتابات والوثائق وما يصاحبها من تحقيق وتعليل وتدقيق. ومن هذه الفكرة رأى أن دراسة الفقه الإسلامي لا ينبغي أن تقتصر على الأحكام مفصولة عن سياقاتها، مع ضرورة شمول المدارس، والمصطلحات، والشخصيات، والمؤسسات، والمخطوطات، والشروح، والحواشي، والنوازل.
وتوقف الأستاذ الدكتور جدي عند تجربة محمد الفاضل بن عاشور باعتبارها نموذجا مبكرا لاستلهام الأسلوب التاريخي في الكتابة الفقهية، فقد كتب عن الفقه المالكي بوصفه فقها حيا ناميا انبسطت فروعه في أقاليم متعددة، وتفاعلت روحه مع حياة المغرب والأندلس كما تفاعلت روح تلك البيئات معه.
ومن هذا المثال استخلص الأستاذ الدكتور جدي فكرة تعتبر أن الفقه الإسلامي ليس أحكاما مجردة عن التاريخ، ولا منتجا اجتماعيا محضا منقطعا عن الوحي، وإنما علم شرعي مؤسس على الوحي، حي داخل المجتمع، متفاعل مع مؤسساته ونوازله وتقاليده العلمية.
من القانون المقارن إلى معقولية الأحكام
في بيان مبررات الاشتغال بالفقه الإسلامي في الجامعات الغربية، أشار الأستاذ الدكتور جدي إلى محطات تاريخية مهمة، منها مؤتمرات لاهاي للقانون المقارن، وأسبوع الفقه الإسلامي في باريس، حيث جرى الإقرار بأن الفقه الإسلامي بفروعه وقواعده وأصوله يصلح أن يكون جزءًا من القانون المقارن إلى جانب القوانين الألمانية والفرنسية والإنجليزية.
وقد حفز هذا الاعتراف عددا من علماء المسلمين على تقديم الفقه الإسلامي بلغة جديدة، من بينهم الشيخ مصطفى الزرقاء في كتابه “الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد”. وأبدى الدكتور جدي أسفه لأن هذا المسار لم يستمر بالقوة نفسها، وأن الكتابة الفقهية عادت في كثير من الأحيان إلى أنماطها التقليدية دون تطوير كاف لأدوات العرض والتحليل.
وفي هذا السياق رأى الدكتور جدي أن دخول الفقه الإسلامي إلى النقاش القانوني المعاصر لا يعني التخلي عن مرجعيته، وإنما يفتح فرصة لإبراز معقولية الأحكام ومقاصدها وأبعادها الأخلاقية. وبين أن الأصوليين تحدثوا قديما عن معقولية الحكم الشرعي، وعن إمكان فهم مقاصده وأغراضه، بما يسمح للفقه الإسلامي بأن يحاور العقل القانوني الحديث من داخل بنيته الشرعية لا من خارجها.
الاستقراء والشروح والحواشي
عرف الدكتور جدي منهج تاريخ الأفكار بأنه منهج يدرس العلم في موضوعاته ومسائله واصطلاحاته ومدارسه ومذاهبه وشخصياته، باعتبارها جميعًا جزءًا من حركة التاريخ. ويعتمد هذا المنهج على الاستقراء، وجمع البيانات، والصبر الطويل في تتبع المسائل الجزئية، والنظر في المخطوطات، والسفر إلى المكتبات، والبحث في مسار المصطلحات والأحكام عبر الزمن.
وضرب مثالا بمسألة شركة الخماس في السياقات الزراعية المغربية والجزائرية، حيث أوجد الواقع الزراعي حالات خالفت مقتضى المذهب المالكي في بعض الصور، فدار حولها نقاش فقهي طويل، وتطورت الأقوال أخذا وردا حتى قبلت المسألة وخرجت على مذهب ابن حزم، مما يشير إلى أن الفقه يتفاعل مع الواقع دون فقدان مرجعيته العلمية.
وأعاد الدكتور جدي الاعتبار إلى الشروح والحواشي، مستشهدا بأعمال الدكتور خالد الرويهب في تاريخ تطور المنطق والعلوم الإسلامية. لأن الحواشي، بحسب وجهة نظره، تقريرات واعتراضات وإضافات تكشف حركة العلم وانتقال المدارس والأفكار بين الأقاليم. وذهب إلى أن بعض الباحثين، من خلال تتبع مئات المخطوطات، كشفوا عن تطورات علمية في قرون كان يقال عنها إنها قرون ركود، مثل القرن السابع عشر.
ومن مآخذ الدكتور جدي المهمة على بعض الدراسات الغربية، وبعض الدراسات التي يكتبها باحثون مسلمون داخل الأكاديمية الغربية، ضعف الاعتماد على الإنتاج الأكاديمي العربي، وعدّ ذلك خللًا منهجيًا، لأنه يؤدي أحيانًا إلى أحكام غير محررة في نسبة الأقوال، والروايات التاريخية، واختيار العينات المدروسة، وقد يكشف عن نوع من الاستعلاء الأكاديمي الذي يتجاوز ما كُتب بالعربية أو لا يمنحه حقه من الاعتبار.
الباحث بين النتيجة والمقدمة
انتقلت الندوة بعد ذلك إلى مداخلة الدكتور مشاري بن سعد الشثري، أستاذ الفقه وأصوله بجامعة قطر، بعنوان: “الفقه الإسلامي في حقبته التأسيسية: مقاربة نقدية لكتاب ظفر إسحاق الأنصاري”. ومهّد مدير الندوة للمداخلة بسؤال كاشف: هل الفقه الإسلامي مؤسس بالنص ثم تطور، أم أنه تشكل تاريخيًا ثم أُسند إلى النص؟
انطلق الدكتور الشثري من التنبيه إلى أن دراسة ظفر إسحاق الأنصاري، وإن أنجزت داخل الأكاديمية الغربية، لا تمثل المنتج الغربي الخالص، لأنها دراسة أعدها باحث مسلم حاول الاشتباك مع الأطروحات الاستشراقية ونقدها. وتكمن أهميتها في كشفها لآلية تعامل الباحث المسلم مع الأسئلة الغربية، وكيف قد يرفض بعض نتائجها، بينما يتأثر ببعض مقدماتها دون شعور.
ولفهم كتاب ظفر إسحاق الأنصاري، رأى الدكتور الشثري أن استحضار أطروحة جوزف شاخت ضرورة لازمة، فقد تركت أثرًا عميقا في الدراسات الغربية حول نشأة الفقه الإسلامي، وعرض الدكتور الشثري مافعله شاخت في قلب العلاقة بين الحديث والفقه، إذ لم يجعل الأحاديث أصلا تولدت عنه الأحكام، وإنما ذهب إلى أن المذاهب الفقهية اللاحقة هي التي أنتجت كثيرا من أحاديث الأحكام ونسبتها إلى النبي ﷺ لتثبيت اختياراتها، وبذلك جعل العملية معكوسة، لا الحديث يسبق الفقه، وإنما الفقه يصنع الحديث أو يسنده إلى الماضي.
كتاب ظفر إسحاق الأنصاري وسؤال الفقه الكوفي
عرض الدكتور الشثري فصول كتاب ظفر إسحاق الأنصاري الخمسة، مبينا أنه يتناول نشأة الفقه في زمن النبي ﷺ، والحقبة المبكرة قبل أبي حنيفة، والاصطلاح الأصولي قبل الشافعي، والأدلة النقلية التي يسميها المؤلف الخبر اللازم، ثم الاجتهاد العقلي من رأي وقياس واستحسان عند فقهاء الكوفة.
وطرح الدكتور الشثري سؤالا: هل نجح الكتاب فعلا في تصوير واقع الفقه الكوفي في حقبته التأسيسية؟ ورأى أن الجواب يشوبه القصور، لأن الكتاب أغفل الجذور ولم يستحضر بدايات الفقه الكوفي من طبقة الصحابة، وعلى رأسهم عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وتلاميذه، ولا طبيعة تلقي إبراهيم النخعي عن تلاميذ ابن مسعود، ثم حماد عن إبراهيم، ثم أبي حنيفة، كما انتقد الشثري طريقة تعامل ظفر إسحاق الأنصاري مع المصادر المركزية مثل كتاب الخراج لأبي يوسف والحجة لمحمد بن الحسن إذ كانت قراءته لها أقرب إلى تقييد الملاحظات العامة والاستشهادات الظاهرة ولا تعبر عن قراءة تحليلية معمقة تكشف جوهر تلك الحقبة التي لا يمكن فهم الفقه الكوفي دون استيعاب جذورها التاريخية وسلاسلها العلمية.

أما الملاحظة الجوهرية فكانت أن الأنصاري، مع رفضه الصريح للنتيجة الاستشراقية القائلة باختلاق السنة، تشرب بعض مقدماتها، إذ ظهر في كلامه أن فقهاء القرن الأول كان عملهم يتسم بالارتجال، وأن المنهجية والنسق الفقهي لم يظهرا إلا في الطبقات اللاحقة.
وختم الدكتور الشثري بإلقاء الضوء سريعا على المفارقة المنهجية المتمثلة في تبني المقدمة التي بنى عليها شاخت دعواه ، والقائلة بأن الفقه بدأ بسيطا ثم تطور تاريخيا، وأن المستوى الفقهي العالي لا يمكن نسبته إلى المراحل المبكرة، وخلص إلى أن غياب النقد الحديثي حال دون قدرة ظفر إسحاق الأنصاري، على نقض أصول شاخت في دعوى وضع الحديث رغم رفضه الصريح لنتائجها.
الأصوليون والدراسات البينية
أما الدكتور محمد عبد الله الساعي، الأستاذ المساعد في قسم الفقه وأصوله بجامعة قطر، فقد قدم مداخلة بعنوان: “منطق التفاعل بين العلوم في التراث الأصولي وأثره في الاستفادة من اللسانيات الحديثة”. ونبه في بدايتها إلى أن الورقة لم تكتمل بعد في صورتها النهائية، وأنه يطرحها بين أيدي الأساتذة والباحثين طلبًا للملاحظات التي تعينه على إنضاجها.
انطلق الدكتور الساعي من مفهوم قريب مما يسمى اليوم بالدراسات البينية، مستحضرا تعريف الأكاديمية “جولي كلين” لهذا المنهج بوصفه دراسة تهدف الإجابة عن الأسئلة المركبة التي لا يكفي تخصص واحد لمعالجتها. وأوضح أن هذه الفكرة ليست غريبة عن التراث الإسلامي، مستشهدا بابن عطية في “المحرر الوجيز”، حين قرر أن القرآن لا يفسر إلا بتصريف جميع العلوم فيه، وبابن حزم الذي نبه إلى أن الاقتصار على علم واحد يوقع صاحبه في جهل كثير مما يحتاج إليه، لتعلق العلوم بعضها ببعض.
ورأى الدكتور الساعي أن علم أصول الفقه نفسه قام على تفاعل عريض من علوم متعددة مثل: اللغة، والنحو، والحديث، والفقه، والمنطق، والكلام، والجدل، والمناظرة. إلا أن هذا التفاعل المعرفي كانت له مسوغات موضوعية، تعود إلى أجزاء العلم من موضوع ومبادئ ومسائل، وإلى مفهوم النظر، وإلى تنوع الدليل بين النقلي والعقلي.
النقل والنقد والتوظيف
لم يكتف الدكتور الساعي بإثبات أن الأصوليين تفاعلوا مع العلوم، وإنما سأل عن ضوابط هذا التفاعل. فذكر أن من أهم موجهاته: الارتباط بموضوع العلم، والاقتصار على قدر الحاجة، وملاحظة الجذور العقدية والفلسفية التي تقف وراء المقولات، وامتلاك قدر كافٍ من العلوم حتى يكون التفاعل واعيًا لا سطحيًا.
علاوة على إثبات الدكتور الساعي تفاعل الأصوليين مع العلوم، فقد استقصى ضوابط هذا التفاعل وموجهاته الأساسية، مبينا أنها تتمثل في الارتباط بموضوع العلم، والاقتصار على قدر الحاجة، وملاحظة الجذور العقدية والفلسفية التي تقف وراء المقولات، مع تأكيد ضرورة الإحاطة بعلوم التخصص لضمان تفاعل يتسم بالوعي والعمق.
وأشار إلى أن صور التفاعل بين العلوم في التراث الأصولي يمكن جمعها في ثلاث:
- النقل : استدعاء ما يحتاجه الأصولي من علوم أخرى.
- والنقد: فحص ما يستدعى في ضوء موضوع العلم وجذوره.
- والتوظيف : تحويل الأداة أو المفهوم إلى عنصر خادم للبناء الأصولي لا حاكم عليه
ودعا الدكتور الساعي إلى إمكانية الإفادة من اللسانيات الحديثة، ولا سيما في فهم الظواهر اللغوية فهما وصفيا يسبق وضع القاعدة المعيارية، لأنها بما تدرسه من الصوت والمعنى والألفاظ والتخاطب وعلاقة اللغة بالفكر والدماغ والعالم، يمكن أن تعمق فهم الأصولي للظواهر اللغوية التي يتعامل معها، من دون إلغاء التراث اللغوي والأصولي الذي أنتجه العلماء، وإنما بتعميقه وزيادة ضبطه.
خريطة الغرب المعاصر
اختتمت الندوة بمداخلة الدكتور محمد بو عبد الله، من جامعة وستمنستر في بريطانيا، عبر الاتصال المرئي، بعنوان: “خريطة الدراسات الغربية المعاصرة في الفقه وأصوله: قراءة في المنهج وطرق الاشتباك”.
بدأ الدكتور بو عبد الله بالتنبيه إلى أن موضوعه أوسع من أن تستوعبه دقائق معدودة، وإنما يصلح أن يكون مقررا كاملا في الدراسات العليا، ثم أشار إلى أن الاهتمام الغربي بالفقه وأصوله يعود إلى بدايات الاستشراق، غير أن حظ هذين العلمين ظل أقل من غيرهما، خاصة أصول الفقه، لما يتطلبه من فهم بنية معرفية إسلامية دقيقة.
وأوضح الدكتور محمد بو عبد الله أن بدايات الاهتمام الغربي بالفقه ارتبطت بترجمة الكتب الفقهية في سياق الاستعمار، حيث سعت القوى الاستعمارية إلى فهم البنية الاجتماعية والثقافية للمجتمعات الإسلامية. اهتم الفرنسيون بالفقه المالكي في البيئات المغاربية، واهتم البريطانيون بالكتب الحنفية، بينما لم يحظ الفقه الحنبلي باهتمام كبير إلا في مرحلة لاحقة.
وتوقف الدكتور بو عبد الله عند تحول مهم أحدثته أعمال وائل حلاق في الدراسات الغربية، مع تنبيه إلى خطأ تصنيفه مستشرقا بالمعنى التقليدي، فهو في الأساس ابن القدس، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة بعد مساره الجامعي، ولا يصح الخلط بين الباحث العربي أو المسلم العامل داخل الأكاديمية الغربية وبين المستشرق بالمعنى التاريخي للكلمة. وقد فتحت مقالته الشهيرة حول سؤال: هل أُغلق باب الاجتهاد؟ آفاقًا جديدة في دراسة الفقه وأصوله.
من كليات القانون جاءت الطفرة
أبرز الدكتور بو عبد الله أن الطفرة الكبرى في الدراسات الفقهية والأصولية الغربية جاءت من كليات القانون، لا من أقسام اللاهوت أو دراسات الشرق الأوسط وحدها. ومع هذه الطفرة ظهرت مجلات متخصصة في الفقه والقانون الإسلامي، وأنشأت جامعات غربية برامج للدراسات الفقهية والقانونية، وصدرت كتب جامعة ومداخل وموسوعات وأدلة بحثية.
ونبه الدكتور بو عبد الله إلى أهمية ما يعرف في الأكاديمية الغربية بـ Handbook، وهي كتب جامعة تقدم للطالب والباحث مدخلا شاملا إلى الحقل المدروس، مع إشارته إلى حاجة الثقافة الأكاديمية العربية إلى الإفادة من هذا النمط من التأليف والتدريس. ومع هذا التحول، لم يعد الفقه الإسلامي يُدرس دائمًا بوصفه فقهًا ميتًا راكدًا، وإنما صار يُنظر إليه في كثير من الدراسات باعتباره فقهًا حيًا متفاعلًا مع الواقع وسياقاته الاجتماعية والسياسية والقانونية.
ثلاث مقاربات وطفرة رقمية
رسم الدكتور بو عبد الله خريطة عامة للمقاربات الغربية المعاصرة في دراسة الفقه وأصوله:
- المقاربة الأولى تسأل: كيف يعمل الفقه؟ وتركز على السياقات والمؤسسات والأرشيف وسجلات القضاء والمراسيم والقرارات.
- المقاربة الثانية تسأل: من أين جاء الفقه؟ وتشتغل على النصوص وتحقيقها ونقدها ومسارات انتقال الفقه وتشكل المذاهب.
- أما المقاربة الثالثة، وهي الأحدث، فتتمثل في الإنسانيات الرقمية، التي تحول المدونات الفقهية والأصولية الكبرى إلى مادة قابلة للفهرسة والتحليل الرقمي وتتبع المصطلحات والعلاقات والموضوعات.
وقدم مثالا بدراسة عن شهادة الزور في تطبيقاتها داخل الدولة العثمانية، اعتمدت على سجلات المحاكم وحللت أكثر من مئتي وثيقة، كما أشار إلى مشروع رقمي لباحثين إسبان أحصى أكثر من 12800 عالم في تاريخ الأندلس بحسب تخصصاتهم. ورأى الدكتور بو عبد الله أن مثل هذه الأدوات تكشف جانبا من قوة البحث الغربي تتمثل في استناد الباحث إلى خرائط معرفية وقواعد بيانات وأدوات بحثية تساعده على بناء موضوعه وصياغة إشكاله، داعيا إلى أن يتعلم الباحثون من هذه التجربة، وكيفية تحويل الموضوع العام إلى سؤال بحثي واضح، وكيفية بناء الدراسة على إشكال محدد.
