شريعة

التعريض بصحابة رسول الله والشك في عدالتهم

2 يوليو, 2019

1
مشاركة
التعريض بصحابة رسول الله والشك في عدالتهم, أحمد صبحي منصور, انتقاد الصحابة, تاريخ الإسلام,

تسابقت الأقلام إلى انتقاد الصحابة والتشكيك في عدالتهم، والدعوى إلى نبذ جهودهم وفضلهم ونيلهم السبق في الإسلام، استعمل بعضهم ألفاظا نابية في وصف الصحابة، وبعضهم أطلق لسانه في انتقاصهم والشك في إسلامهم، ورماهم بالتجسس على دين الله أو بالنفاق.

 

أمثال أحمد صبحي منصور حين نعت الصحابة بالتجسس لمصلحة قريش، واعتبر دخولهم إلى الإسلام من أجل الوصول إلى سدة الحكم. بل استفرغ المدعو مجهودا كبيرا في انتقاص الصحابة وآل بيت رسول الله صلى الله عليهم في عدة حلقات انتشرت على الانترنت، كما زعم أن الفتوحات الإسلامية التي حققها الرعيل الأول شوهت سمعة الإسلام.

وإن كان أحمد صبحي منصور وظف الإعلام المرئي في نشر هذه الأباطيل والتشويهات لتاريخ الإسلام، ولاقت حلقاته التي تفوق مئة حلقة مشاهدات كبيرة، سوى أننا نجد حملة كبيرة من النوع الآخر بين أوساط المثقفين تسهب في انتقاص الصحابة عبر الصحف المكتوبة، من أبرز هؤلاء محمد الكوخي الباحث المغربي، فقد بدأ مقاله عن نقد عدالة الصحابة بكلام مريب حين قال: (تعد قضية ” عدالة الصحابة ” واحدة من أكثر الأمور إشكالية في المنظومة الحديثية وأكبر مأزق منهجي وضع فيه أصحاب الحديث أنفسهم…)، ثم ناقض اختيار المحدثين فيما يتعلق بعدالة الصحابة ووصف المقولة المشهورة “الصحابة كلهم عدول” “أنها رفع الصحابة إلى مقام الأنبياء والرسل وادعوا لهم العصمة من الخطأ…”[1].

والأطروحتان المشار إليهما يحتاج كل واحد منهما إلى رد مفصل غير أن المقال هنا يركز على نقطة واحدة وهي مدى جواز نقد صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم، وهل هناك حدود معينة لهذا النقد ؟

ومما يعيننا على حسن تصور المعنى المراد بعدالة الصحابة أن نقوم بتحرير معنى العدالة التي استعملها المحدثون في هذه المقولة (الصحابة كلهم عدول).

عدالة الصحابة هي: أن الصحابة رضوان الله عليهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم لما اتصفوا به من قوة الإيمان والتزام التقوى والمروءة وَسُمُوِّ الأخلاق والترفع عن سفاسف الأمور.

وليس معنى عدالة الصحابة أنهم معصومون من المعاصي أو من السهو أو الغلط فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم، ولم يخالف في عدالتهم إِلاَّ شذاذ من المبتدعة وأهل الأهواء[2].

وقد علمت عدالة الصحابة بنصوص الكتاب والأخبار الصحيحة، والإجماع المنقول، واشتهر هذا الأمر بين المسلمين قاطبة، ومن هذه النصوص الظاهرة على عدالة الصحابة ما يأتي:

1- جاء في “الكفاية في علم الرواية”: عدالة الصحابة ثابتة معلومة بتعديل اللَّه لهم، وإخباره عن طهارتهم، واختياره لهم، فمن ذلك قوله تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) [آل عمران: 110] . وقوله: (وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً) [البقرة:143] .

وقوله: (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ) [الفتح: 18]. وقوله: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ) [التوبة: 100] .

وقوله: (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) [الأنفال: 64] .

وقوله: لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً، وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ …إلى قوله: إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ [الحشر: 8: 10]- في آيات كثيرة يطول ذكرها، وأحاديث شهيرة يكثر تعدادها،

وجميع ذلك يقتضي القطع بتعديلهم، ولا يحتاج أحد منهم مع تعديل اللَّه له إلى تعديل أحد من الخلق، على أنه لو لم يرد من اللَّه ورسوله فيهم شيء مما ذكرناه لأوجبت الحال التي كانوا عليها من الهجرة والجهاد، ونصرة الإسلام. وبذل المهج والأموال، وقتل الآباء والأبناء، والمناصحة في الدين، وقوة الإيمان واليقين- القطع على تعديلهم، والاعتقاد لنزاهتهم، وأنهم أفضل من جميع الخالفين بعدهم، والمعدلين الذين يجيئون من بعدهم[3].

2- ومن الأحاديث الصحيحة التي ثبتت في تعديل الصحابة رضوان الله عليهم:

ما ثبت في الصحيحين عن أبي سعيد الخدريّ من قوله صلّى اللَّه عليه وسلم: “والّذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما أدرك مدّ أحدهم ولا نصيفه”.

وتواتر عنه صلّى اللَّه عليه وسلم قوله: “خير النّاس قرني ثمّ الّذين يلونهم” وهو في الصحيحين وكتب السنن المعتمدة.

3- وقد انعقد إجماع العلماء على ذلك، ومن شواهد ذلك ما يأتي:

قال ابن عبد البر رحمه الله : “فهم خير القرون ، وخير أمة أخرجت للناس ، ثبتت عدالة جميعهم بثناء الله عز وجل وثناء رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا أعدل ممن ارتضاه الله لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم ونصرته ، ولا تزكية أفضل من ذلك ، ولا تعديل أكمل منها”

ويقول ابن الصلاح في “علوم الحديث” (ص171) :” إن الأمة مجمعة على تعديل جميع الصحابة. ومن لابس الفتن منهم : فكذلك ؛ بإجماع العلماء الذين يعتد بهم في الإجماع ، إحسانا للظن بهم، ونظرا إلى ما تمهد لهم من المآثر ، وكأن الله سبحانه وتعالى أتاح الإجماع على ذلك لكونهم نقلة الشريعة “.

ويقول النووي رحمه الله : “الصحابة كلهم عدول، من لابس الفتنة وغيرهم، بإجماع من يعتد به” .التقريب والتيسير” (ص92)

وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله : “اتفق أهل السنة على أن الجميع – أي الصحابة- عدول، ولم يخالف في ذلك إلا شذوذ من المبتدعة”. “الإصابة في تمييز الصحابة” (1/10).

العدالة غير العصمة

يظهر الخلط الشديد بين إثبات العدالة للصحابة رضوان الله عليهم والعصمة من الذنوب التي لا تقع إلا للأنبياء، حتى جعل بعض المنتقدين مثل محمد الكوخي يخاصم أصحاب الحديث بلهجة صاخبة أنهم لا يحترمون القواعد التي وضعوها عند تدوين الحديث بدعوى انهم خرقوها بقاعدة “عدالة الصحابة”، بل بالغ حين اعتبر أن مجموعة من الأحاديث تنقض العدالة التي أثبتها أصحاب الحديث للصحابة رضوان الله عليهم، ويجدر بنا أن نكشف بعض هذه الشبهات التي يثيرها الكوخي وأمثاله من خلال بيان حدود العدالة المذكورة:

1- العصمة لمجموع الصحابة وليست لآحادهم: إن العدالة المقصودة في علم الحديث التي أثبتها العلماء للصحابة رضوان الله عليهم أفرادا وجماعات لا تعطي معنى القداسة والعصمة من الذنوب، فالصحابة بشر، يخطئون ويصيبون، لكن اجتهادهم المجمع عليه يعد دليلا في مجال التشريع ، فقد جاء النص واضحا أن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: ” إن الله لا يجمع أمتي على ضلالة. رواه الترمذي وصححه الألباني. والصحابة هم أولى الناس بهذا الحديث.”

قال ابن كثير:  “أهل السنة والجماعة يقولون في كل فعل وقول لم يثبت عن الصحابة: هو بدعة؛ لأنه لو كان خيرا لسبقونا إليه، لأنهم لم يتركوا خصلة من خصال الخير إلا وقد بادروا إليها” (تفسير ابن كثير 7/279).

وقال ابن تيمية في (منهاج السنة النبوية): الله تعالى قد ضمن العصمة للأمة، فمن تمام العصمة أن يجعل عددا من العلماء إن أخطأ الواحد منهم في شيء كان الآخر قد أصاب فيه، حتى لا يضيع الحق، ولهذا لما كان في قول بعضهم من الخطأ مسائل .. كان الصواب في قول الآخر ..  (3/408).

وبناء على ما سبق يجوز شرعا وعقلا أن يقع خطأ من بعض أفراد الصحابة في بعض اختياراتهم من حيث الجملة، فلئن أخطأ صحابي في أمر فإنه يصيب في آخر، وإن أخطأ أحد الصحابة فخطأه لا يجوز تعميمه على الكل، ولا ينقض خطأه في عدالته، لأن المقرر عند أهل السنة أن العصمة لا تثبت لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، والصحابة غير معصومين من الخطأ.

قال ابن تيمية:  دعوى العصمة فيمن سوى الرسول صلى الله عليه و سلم دعوى باطلة قطعا. (منهاج السنة النبوية 4/521).

2– عدم العصمة لا ينقض في عدالة الصحابة – فقد ثبت لنا المقصود بالعدالة في حق الصحابة أنهم لا يتعمدون الكذب في أمور الدين، أما أن يذنب بعض الصحابة فهذا قد يقع، لأنهم غير معصومين من الخطأ، وهذا لا يقدح في عدالتهم، قال ابن القيِّم في (مفتاح دار السعادة): ” قد يغلط في مسمى العدالة فيظن أن المراد بالعدل من لا ذنب له، وليس كذلك، بل هو عدل مؤتمن على الدين، وإن كان منه ما يتوب إلى الله منه، فإن هذا لا ينافي العدالة كما لا ينافي الإيمان والولاية.” (1/463).


[1]  http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=136978
[2]  أبو شهبة، محمد، دفاع عن السنة ورد شبه المستشرقين والكتاب المعاصرين، مكتبة السنة، الطبعة الأولى 1989م، صفحة (92).
[3]  الخطيب، أبوبكر أحمد، الكفاية في علم الرواية، المكتبة العلمية – المدينة المنورة (47)، ونقل مختصرا من كتاب الإصابة لابن حجر  (1/162).
التصنيفات:

الوسوم:

مشاركة

جميع الحقوق محفوظة لموقع اسلام اون لاين © 2019

بترخيص من وزارة التنمية الإدارية و العمل و الشؤون الاجتماعية رقم 18/2019