أرشيف

دعوات التجديد والتيسير في اللغة العربية

19/12/2019

Feature image

محمد عبد اللطيف *

 

أجمعت الروايات التاريخية على أن العرب قد أحسوا في منتصف القرن الأول الهجري بخطر يهدد لغتهم، وخاصة حين امتد هذا الخطر إلى النص القرآني، وذلك بسبب شيوع اللحن على ألسنة الأعاجم والموالي، ومنه إلى ألسنة أبناء العربية؛ فكان اللحن سبب النظر في اللغة والبحث فيها عند العرب.

وتستند معظم الروايات التاريخية إلى أن أبا الأسود الدؤلي (ت 69 هجرية) هو أول من فكر في دفع خطر اللحن عن النص القرآني واللغة، وذلك بوضع النقط التي تدل على الضمة والفتحة والكسرة على أواخر الكلمات. ولكن البعض شكك في نسبة علم النحو إليه في هذا الوقت المبكر في غيبة المادة اللغوية وغيبة العقل العلمي الذي يقوم على التحليل والتبويب والتصنيف.

نشأة وتاريخ النحو العربي

  ولعل أول نحوي حقيقي هو عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي (ت 117 هجرية) الذي يقول عنه ابن سلام بعد ذكره أبا الأسود: “ثم من بعدهم عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي؛ فكان أول من بعج النحو، ومد القياس والعلل، وأبو عمرو بن العلاء بقي بعده طويلا، وكان ابن أبي إسحاق أشد تجريدا للقياس، وأبو عمرو أوسع علما بكلام العرب”.

وتم كل ذلك بالبصرة التي سبقت إلى وضع قواعد العربية، يقول ابن سلام: “وكان لأهل البصرة في العربية قدمة، وبالنحو ولغات العرب عناية”.

وعلى هذا بدأ التفكير اللغوي عند العرب بمعناه العلمي على أساس الوصفية، الذي يتمثل في جمع المادة وتصنيفها واستنباط القواعد وتحكيمها.

وفي البصرة كان الخليل بن أحمد الغاية في استخراج مسائل النحو وتصحيح القياس، وهو أول من استخرج علم العروض وعمل كتاب العين، أما سيبويه فهو صاحب أول مؤلف في النحو العربي يصل إلينا.

ودراسة الخليل للأصوات كانت نموذجا آخر للنظر العلمي؛ فقد رتب الأصول ترتيبا صوتيا حسب الحيز والمخرج، كما اعتمد على الجانب السمعي كما يتمثل في وقع الصوت على الأذن، وصنف حروف المد واللين وذكر صفاتها.

وبهذا استطاع الخليل وسيبويه أن يقدما للعربية نموذجا بنيويا لوصف العربية صوتيا وصرفيا ونحويا ومعجميا، لم يستطع أحد أن ينال منه أو يقدم بديلا عنه حتى قال قائلهم: “من أراد أن يعمل كتابا في النحو بعد سيبويه فليستحي”.

فمثلت مؤلفات الخليل وسيبويه أغلالا على العقل والعلم مدة من الزمن، اكتفى فيه العلماء بشرح مؤلفاتهم وتحقيقها، حتى نشأت مناهج جديدة في التفكير تختلف عما جاء في هذه الكتب، ثم ما لبثت أن أصبحت ثورة على المنهج البصري على يد ابن مضاء القرطبي (ت 592 هجرية).

دعوات الإصلاح والتيسير في العربية

ولعل أول ما نلاحظه على هذه الدعوات أنها خصت جانبا واحدا من درس العربية باهتمامها وهو النحو، لا بالمفهوم الشامل الذي كان عليه في القرن الثاني الهجري كما يمثله كتاب سيبويه، وإنما بمفهوم أضيق يقتصر على قواعد الصرف والتركيب دون الأصوات والدلالة.

وقد ظهرت هذه الدعوات في إطار عام ينادي بتطوير اللغة حتى تصبح وافية بمطالب العلوم والفنون في العصر الحديث.

والشكوى من صعوبة النحو قديمة، والخصومة بين الشعراء والنحاة صورة من صور عدم الرضا. وبلغت تلك الخصومة ذروتها بين المتنبي وابن خالويه في القرن الرابع الهجري؛ لذلك ارتفعت أصوات تنادي بتيسير النحو منذ نهاية القرن الثاني الهجري، وظهرت بشكل عملي في صورة كتب تعليمية ميسرة تلبي حاجة الطلاب والمتكلمين. على سبيل المثال “مقدمة في النحو” لخلف الأحمر (ت 180 هجرية)، و”مختصر في النحو” للكسائي (ت 198 هجرية)، وتفاحة أبي جعفر النحاس (ت 328 هجرية)، وجمل الزجاجي (ت 337 هجرية)، ولمع ابن جني (ت 392 هجرية).

والملاحظ على هذه المؤلفات النحوية أنها لم تقترب من أصول التفكير النحوي أو النظرية النحوية كما وضعتها البصرة، وإنما اتجهت إلى التطبيق والتعليم والاختصار.

دعوة ابن مضاء الرائدة

 أما المحاولة الوحيدة التي تتصف بمبدأ التيسير والإصلاح من ناحية، ومناقشة الأصول والمبادئ النظرية التي وضعتها البصرة من ناحية أخرى، ونقدها وفق أصول نظرية جديدة كانت محاولة ابن مضاء القرطبي (ت 592 هجرية) في كتابه “الرد على النحاة”.

ومنذ نشر ذلك الكتاب على يد الدكتور شوقي ضيف 1947 حدثت ضجة كبيرة في الهيئات العلمية، وتردد ذكره في كثير من كتابات الباحثين والدارسين المعاصرين عربا ومستشرقين، ووصف بعضهم منهج ابن مضاء بالمنهج الوصفي في دراسة اللغة عند الأوربيين، ورأوا فيه دراسة رائدة في الفكر اللغوي العربي القديم.

وقد حاول ابن مضاء وضع نموذج جديد لوصف اللغة العربية والتقعيد لها وفق أصول ومبادئ فكرية وفلسفية تختلف اختلافا جذريا عن تلك التي وضعتها البصرة، وذلك مع اعترافه بقيمتها والهدف من وضعها، يقول: “إني رأيت النحويين –رحمة الله عليهم– قد وضعوا صناعة النحو لحفظ كلام العرب من اللحن، وصيانته عن التغيير، فبلغوا من ذلك الغاية التي أمّوا، وانتهوا إلى المطلوب الذي اتبعوا، إلا أنهم التزموا ما لا يلزمهم، وتجاوزوا فيها القدر الكافي فيما أرادوا منها، فتوعرت مسالكها ووهنت مبانيها.

ومعنى هذا أن ابن مضاء يسلم منذ البداية بالهدف التعليمي وبالجانب المعياري، لكنه يرى أن النحاة بالغوا في ذلك، ثم يحدد هدفه فيقول: “وقصدي من هذا الكتاب أن أحذف من النحو ما يستغني النحوي عنه، وأنبه على ما أجمعوا على الخطأ فيه”.

وقد انصب نقده على ما رآه فسادا في نظرية العامل التي دفعت النحاة إلى ما أفاضوا فيه من التعليل والتأويل والحذف والتقدير، وكان فعله هذا أقرب إلى الوصفية التي تبتعد عن استخدام التعليلات المنطقية، وما ترتب على نظرية العامل من تأويلات تؤدي إلى هدم العلاقة بين المبنى والمعنى.

الطهطاوي يبدأ التجديد في العصر الحديث

ولم تذهب المحاولات القديمة في التجديد والإيضاح والتيسير سدى، وإنما كانت مصدر إلهام وتوجيه لمحاولات الإصلاح والتجديد في مطلع العصر الحديث، وقد بدأت هذه المحاولات في التأليف النحوي دون الاقتراب من الأصول النظرية والمنهجية، وكانت دروس النحو قد استقرت في الأزهر محصورة في إطار الشروح والمتون، وكانت قيمة أي مؤلف في النحو تتركز في إحاطته بكل تفاصيل الخلاف بين النحاة، أو شرح شواهد ابن عقيل وشذور الذهب.

ومع هذا فقد جاءت المحاولة الأولى لعرض النحو عرضا حديثا بعيدا عن هذه المتون على يد عالم من علماء الأزهر، وهو رفاعة الطهطاوي الذي ألف أول كتاب يعرض للنحو العربي عرضا مختلفا عن طريقة المتون والشروح، وسماه “التحفة المكتبية لتقريب اللغة العربية”، وجاء هذا الكتاب على نمط مؤلفات الفرنسيين في النحو الذي أعجب بها أثناء بعثته إلى فرنسا، فجاء الكتاب بسيط العبارة، سهل العرض ليس له متن ولا شرح، كما استخدم فيه لأول مرة الجداول الإيضاحية.

وبذلك بدأ رفاعة ما يسمى بحركة إصلاح الكتاب النحوي في العصر الحديث، وكان المقصود بها تخليص الكتب النحوية من العبارات الغامضة والاختلافات، وألف هذا النوع من الكتب تيارا ظل متدفقا حتى يومنا هذا تحت أسماء وعناوين مختلفة، مثل “النحو الواضح”، و”النحو الوافي”، و”التطبيق النحوي”، و”النحو المصفى”.

إحياء النحو والتجديد في الأصول

 ولكن حركة الإصلاح لم تقف عند هذا الحد؛ بل تعدت إلى إعادة النظر في أصوله ومبادئه. وكانت أولى هذه المحاولات الإحيائية كتاب “إحياء النحو” للأستاذ / إبراهيم مصطفى (1937)، وهو الذي حرك هذه القضية بشدة، فتوالت بعده المحاولات، وأهمها: وزارة المعارف (1938)، يعقوب عبد النبي (41 – 1945)، أمين الخولي (1943)، شوقي ضيف (1947)، عبد المتعال الصعيدي (1947)، محمد أحمد برانق (1958)، د.مهدي المخزومي (1966)، محمد كامل حسين (1972)، وآخرها شوقي ضيف (1982).

ورغم دعوة إبراهيم مصطفى لإعادة النظر في درس العربية فإنه انتهى إلى الإبقاء على الجانب التعليمي وحده، قال د.طه حسين في تقديمه للكتاب: “تقرؤه فلا تجد في الكتاب أنك تنتزع من النحو القديم انتزاعا، وإنما تحس أنك تمعن فيه إمعانا، وكأنك تقرأ كتب الأئمة المتقدمين من أعلام البصرة والكوفة وبغداد”.

وجاءت محاولة د.المخزومي تلميذ إبراهيم مصطفى متمثلة في كتابين: الأول بعنوان “في النحو العربي نقد وتوجيه” سنة 1964، والثاني “في النحو العربي قواعد وتطبيق على المنهج العلمي الحديث” 1966.

وقد أشار المخزومي إلى بعض جوانب هذا المنهج، ومنها:

1-  أن النحو ليس من وظيفته أن يفرض على المتكلمين قاعدة أو يخطئ لهم أسلوبا.

2-  وأن النحو دراسة وصفية تطبيقية.

3- وهو عارضة لغوية تخضع لما تخضع له اللغة من الحياة والتطوير.

4- وليس للنحوي أن يفلسف أو يبني على حكم من أحكام العقل.

 

والمخزومي مع هذا لا يقبل المفهوم الشامل للنحو، كما كان عند الخليل والفراء، ويرى أن ما جاء به الخليل والفراء ليس من النحو الخالص، وإنما كان درسا شاملا لفروع الدراسة النحوية اللغوية، وكذلك يرى كتاب سيبويه.

يقول: “لقد أصبحت الحاجة ماسة إلى نحو جديد يخلو مما علق به في تاريخه الطويل من شوائب ليست منه وتعليلات فلسفية اصطنعها القوم”.

ومع هذا نلمح في فكره سيطرة المعيارية والهدف التعليمي والجانب التطبيقي.

هذا ولم يدعُ أحد ممن تصدوا لهذا العمل إلى تطبيق منهج علم اللغة الحديث منذ إبراهيم مصطفى حتى شوقي ضيف، إذا استثنينا المخزومي؛ فلم يفكر واحد منهم في استبدال نموذج جديد بالنموذج القديم، يقوم على استقراء جديد للغة العربية المعاصرة، حتى عندما قالوا بإلغاء نظرية العامل استندوا إلى دعوة ابن مضاء.

تيار آخر في حركة الاحتجاج

وفي سياق حركة الإصلاح والتجديد لا بد أن نشير إلى تيار النظر في العربية وعلاقتها بالحضارة الحديثة، ويتمثل هذا التيار في الدعوة إلى تطوير الفصحى أحيانا أو اصطناع العامية بدلا منها أحيانا أخرى.

ويمثل هذا التيار سلامة موسى، والدكتور محمد كامل حسين. أما الأول فكان من دعاة العامية الذين دعوا إلى إحلالها محل الفصحى، أو إحلال الحروف اللاتينية محل الحروف العربية في الكتابة، وهي دعوة لم ترتفع عن مستوى الشبهات، وقد رفض الضمير الديني والقومي التخلي عن الفصحى، وتصدوا لهذه الدعوة المشبوهة.

 

أما د.كامل حسين فقد حاول أن يغير من النموذج النحوي التقليدي في كتابه “اللغة العربية المعاصرة” وهو يقسم اللغة العربية إلى أربعة مستويات :

 

1- اللغة العالية وهي لغة الأدب الرفيع والخطب والمواعظ.

2- اللغة المخففة وهي الشائعة بين المثقفين والمتعلمين.

3- العامية المنقحة وهي تقوم على إحلال وتغيير بعض الأصوات والمفردات وطرق النفي والاستفهام الفصيحة محل ما يقوم مقامها من العامية.

4- العامية الخالصة.

 

وهو يرى أن الفصحى المخففة هي الجديرة بالدراسة دون العالية أو العامية المنقحة، ويتنبأ بأن هذه الفصحى المخففة سيكتب لها الذيوع والانتشار، ويطالب بدراسة خصائصها، ووضع القواعد المنظمة لها حتى لا تصبح مهلهلة كالعامية، أو عسيرة كالفصحى العالية.

وهكذا نسمع لأول مرة في تاريخ الفكر اللغوي العربي من يدعو إلى وضع نموذج جديد للغة العربية طبقا لمستوى لغوي غير الذي حدده القدماء، وهو ينطلق -كما يقول- من الواقع اللغوي، وهو يرى أن تجاهل هذا الواقع عيب من عيوب التفكير اللغوي العربي.

والواقع أن الدكتور كامل حسين قد مس جانبا حقيقيا من مشكلة اللغة وصعوبة قواعدها؛ فإن التركيب اللغوي للمجتمع العربي يقوم على الفصحى في أقصى اليمين والعامية في أقصى اليسار، دون أن يكون بينهما لقاء، مع أن علم اللغة الاجتماعي يقوم على أساس استحالة الفصل بين ألوان النشاط اللغوي بين المجتمع الواحد.

ورأى الدكتور كامل حسين أن منهجه يقوم على التدرج من أدنى مراتبه في العامية المنقحة إلى الفصحى العالية، وهذا التدرج يتعلق بالسن والمرحلة الدراسية.

فالطفل في المرحلة الابتدائية يقول: “نحن” بدلا من “إحنا”، ويقول: “ما كان” بدلا من “ما كانش”، ويقول: “لماذا” بدلا من “ليه”، ويقول: “هذا” بدلا من “ده”.

أما الفصحى المخففة فيقوم نموذجه على عدم التمسك بالإعراب إلا في الحالات الواضحة التي لا لبس فيها، وإغفال مخاطبة الرجال والنساء في حالات الجمع، واطراد أبواب الفعل وصيغ المصادر وجموع التكسير إلا فيما هو مشهور، وهكذا.

ثم يأتي توفيق الحكيم الذي نادى بالنمط المتوسط للاستعمال اللغوي الذي أطلق عليه مصطلح “اللغة الثالثة”، ولم ير أحد في هذه الدعوة واقعا لغويا موجودا، بل تخيلوا أن هذه الدعوة هي محاولة لإيجاد شيء غير موجود، ولكن هذه الدعوة قد أخذت صورة دراسة علمية على يد الدكتور السعيد البدوي،عندما قام بدراسة مستويات العربية المعاصرة، ولكنها وقفت عند حدود الدعوة، ولم تخرج إلى حيز التطبيق العملي رغم علميتها وواقعيتها.

مشهد التغيير والإصلاح اللغوي

وصفوة القول أن حركة التيسير والإصلاح كانت خاضعة للتفكير اللغوي التقليدي لأسباب عدة؛ فمعظم من نادى بها قد تعلم في ظل النموذج التقليدي، سواء في الأزهر أو دار العلوم، وأصبح هذا النموذج جزءا لا يتجزأ من طبيعة التفكير اللغوي. أما هؤلاء الذين دعوا إلى تطبيق منهج علم اللغة الحديث؛ فلم يعرفوا إلا مظاهر هذا العلم دون أصوله ومبادئه؛ فلم يوجه هذا العلم أي دراسة من دراسات أصحاب التيسير والإصلاح توجيها واضحا حقيقيا.

وهكذا فشلت جميع جهود أصحاب دعوات التيسير والإصلاح، سواء على المستوى النظري أو التطبيقي التعليمي؛ فلم يستطيعوا إمداد الفكر اللغوي بنموذج جديد طبقا لأصول جديدة، وبالتالي لم يستطيعوا تقديم قواعد معيارية أيسر وأسهل؛ لافتقارهم جميعا إلى نظرة جديدة باستثناء د.كامل حسين.

ومن ثم ظل النموذج التقليدي بقواعده وأصوله متربعا على عرش اللغة العربية في المدارس والجامعات حتى هبت عليه رياح فكر لغوي جديد آت من الغرب.


 * اعتمدت هذه المقالة على عدد من المصادر والمراجع، أهمهما كتاب “العربية وعلم اللغة البنيوي” للدكتور حلمي خليل، الصادر عن دار المعرفة الجامعية.

المواد المنشورة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي إسلام أون لاين

مقالات ذات صلة