فكر

وسائل محاربة الفقر في الإسلام

Feature image

إن مشكلة الفقر من أهم المشاكل التي تواجه الإنسان. وقد أشار القرآن الكريم إليها في مواضع كثيرة. يقول الله تعالى في سورة قريش: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (1) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (2) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (3) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (4) ﴾. ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ مُعَافًىً فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا” (رواه البخاري). إن التراث الفقهي يمتلئ بالكثير من المسائل حول مشكلة الفقر وما يرتبط بها؛ مثل تعريف الفقر، وكيفية قياسه، وأهم مؤشراته، وكيفية مواجهته.

تعريف مشكلة الفقر

تتعدد تعريفات الفقر حسب الدول، وحسب مستوى التقدم الاقتصادي. وهناك درجات للفقر، ومن هذه الأنواع الفقر المدقع؛ وهو الفقر في الغذاء أي أن الفقير لا يجد ما يسد رمقه، ويدل ذلك على انقطاع السبل أمام الفقير. وقد أجاز الرسول ﷺ في هذه الحالة أن يسأل الفقير الناس فقال عليه الصلاة والسلام: “إن المسألة لا تصح إلا لثلاثة: لذي فقر مدقع، أو لذي غرم مفظع، أو لذي دم موجع” متفق عليه.

وقد تناول فقهاء الإسلام هذه المشكلة منذ قرون طويلة خلت. ونشير هنا إلى أن جمهور المالكية والشافعية والحنابلة يقولون إن معنى الفقر مرتبط بمستوى الكفاية، ومدى تلبية احتياجات الإنسان الأساسية، أي بمستوى معيشة يوفر الضروريات.

وقد دلت الآيات القرآنية على مشكلة الفقر. قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم مِّنْ إِمْلَاقٍ ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ۖ ﴾ (فصلت: 151)، وتدل الآية الكريمة على أن الفقر واقع في الوقت الحالي. ويقول سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ ۚ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ (الإسراء: 31)، أي أن الفقر غير موجود في الوقت الحالي ويخشى من وقوعه مستقبلا.

ومن أهم أسباب الفقر في الجانب العقائدي الانحراف عن الكسب الطيب، كما توضحه بعض الآيات الكريمة؛ مثل قول الله تعالى:  ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (الأعراف: 96). كما أنه اختبار، يقول الله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ (البقرة: 155 ).

بعدي إنخفاض مستوى المعيشة

إن انخفاض مستوى المعيشة له بعدين، هما: البطالة، والفقر. ولا يمكن تناول مشكلة الفقر دون تناول مشكلة البطالة. والبطالة نوعان: بطالة إجبارية وبطالة اختيارية. البطالة الإجبارية؛ لا اختيار للإنسان فيها؛ وإنما تُفرض عليه لأسباب كثيرة؛ مثل اندثار المهنة التي يعمل بها، أو عدم تأهله علمياً أو عملياً لوظيفة معينة، أما البطالة الاختيارية فهي بطالة من يقدرون على العمل ولكنهم يفضلون الراحة.

ورغم أن زيادة معدل النمو الاقتصادي؛ نظرياً؛ يجب أن يؤدي إلى رفع مستوى المعيشة، فقد يحدث أن يكون هناك زيادة في معدل النمو الاقتصادي، ومع ذلك لا تحدث تنمية اقتصادية واجتماعية شاملة تؤدي إلى حدوث ارتفاع في مستويات المعيشة بنفس القدر. لذلك لابد من اقتران زيادة معدل النمو الاقتصادي بمحاربة الفقر؛ عن طريق سياسات تهدف إلى زيادة التشغيل ورفع مستوى المعيشة. ولا يكون ذلك بمجرد تحسن مناخ الاستثمار وزيادة النمو الاقتصادي، لأن برامج الاصلاح المالي تؤكد أن الاستثمار والتصدير والنمو شروط ضرورية لتحقيق التنمية الاقتصادية، ولكنها ليست كافية، بل لابد أن تكون هناك سياسة اجتماعية تعمل على توزيع الدخول والثروات بشكل متوازن، وتوجيه الموارد نحو التنمية البشرية؛ والتعليم، والصحة؛ بالإضافة إلى التدخل مباشرة لحماية الطبقات الأكثر فقرا.

والسؤال الهام: كيف تكون البطالة والفقر هما أهم بعدي انخفاض مستويات المعيشة؟

عادة تصاحب الإجراءات الاقتصادية التي تهدف إلى تحسين المؤشرات الاقتصادية الكلية، وأهمها معدل النمو الاقتصادي وزيادة الاحتياطي لدى البنك المركزي واستقرار العملة؛ ارتفاع شديد في الأسعار، وارتفاع الدين العام الداخلي والخارجي، وارتفاع تكلفة التمويل؛ وذلك طالما استمر معدل البطالة مرتفعا والخدمات العامة المقدمة للجمهور متدهورة. وبالتالي فإن ما تعتبره أي حكومة برنامج للإصلاح الاقتصادي من خلال الإعلام وعلى لسان المسؤولين، فإنه من وجهة نظر المواطن يعتبر انخفاضاً في مستوى المعيشة؛ وزيادة في الإحساس بالفقر.

اقتران الركود بالتضخم يفاقم من الإحساس بالفقر

هناك فرق بين الفقر والإحساس بالفقر. إن ارتفاع الأسعار أو انخفاض قيمة العملة يؤدي إلى حالة ركود؛ لأنه يؤدي ذلك إلى انخفاض الطلب على السلع والخدمات، وزيادة تكاليف الإنتاج، وانخفاض الإنتاج ونقص المعروض، ونقص الإنتاجية، وانخفاض دخول العمال، ومزيد من ارتفاع الأسعار، في دائرة جهنمية تؤدي إلى زيادة الإحساس بالفقر. ويقول خبراء الاقتصاد؛ أن من نتائج الفقر؛ هو اختلال العلاقات القانونية القائمة بين أفراد المجتمع نتيجة تغير قيمة النقود. مما يؤدي إلى زيادة الفجوة بين الفقراء والأغنياء.

والخلاصة؛ أن النمو الاقتصادي لا يؤدي إلى تحقيق تنمية اقتصادية واجتماعية تعمل على تحسين مستوى المعيشة للمواطنين، إلا إذا اقترن ذلك بسياسات وبرامج تستهدف تحقيق عدالة وتوازن للاقتصاد القومي. والتوازن السليم بين تحقيق النمو الاقتصادي السريع وتوفير الحد الأدنى من الأمان أو العيش الكريم. والتشغيل هو الركن الأهم في البرنامج الاقتصادي لأن العمل هو الضمان الاجتماعي الفاعل، وهو حق للمواطن، ولا يمكن أن يترك ذلك للنظرية الاقتصادية وفرض أن معدل النمو سيحقق التشغيل.

وسائل محاربة الفقر

أولا: الجانب العقائدي:

1- ينكر الإسلام النظرة الرأسمالية من أساسها؛ ويرى أن المال مال الله، والإنسان مستخلف فيه، يقول الله تعالى:﴿وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيه﴾ (الحديد: 7)، ويقول سبحانه وتعالى: ﴿وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ (النور: 33).

2- الإيمان بأن الله تعالى يملك خزائن الرزق، يقول الله عز وجل:﴿ وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ، فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُون﴾ (الذاريات: 22-23). ويقول الله تعالى: ﴿لهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾  (طه: 6). ويقول سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا ۚ كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ (هود: 6). وفي الحديث القدسي يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رب العزة: “يا بني آدم لا تخشى ضيق الرزق وخزائني ملئانة، وخزائني لا تنفذ أبداً” (حديث قدسي).

3- الدعاء والاستغفار من موجبات الرزق. يقول الله عز وجل: ﴿َقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا، يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا، وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا﴾ (نوح: 10-12). ويقول سبحانه وتعالى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعًا حَسَنًا إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى،  وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ ۖ ﴾ (هود: 2-3). وقد استعاذ رسول الله ﷺ من الفقر، فقال صلى الله عليه وسلم: “اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر، اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، لا إله إلا أنت” (رواه أبو داود). وقد قرن صلى الله عليه وسلم الكفر بالفقر. حيث أن الفقر قد يسبب الكفر وليعاذ بالله، إذا لم يقترن بإيمان قوي.

4- الإيمان بالله وتقواه سبحانه وتعالى، والالتزام بالمنهج الرباني في افعل ولا تفعل من موجبات الرزق. يقول الله تعالى: ﴿َوَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَۖ ﴾  (الأعراف: 96(. ويقول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (البقرة: 172).

ثانياً: الأخذ بالأسباب:

1- يحدد المنهج الاقتصادي الإسلامي السياسات الاقتصادية والوسائل التي تعالج الفقر؛ وهي كالآتي: العمل الجاد والضرب في الأرض، والهجرة من مكان إلى مكان طلباً للرزق الطيب، والاستخدام الرشيد للموارد الطبيعية التي سخرها الله تعالى للإنسان، والاقتصاد في النفقات وتجنب الإسراف، والادخار والاستثمار.

2- كما يحدد الإسلام طرق تنمية المال، ولا يقر أي وسائل غير مشروعة مثل الربا، والغش، والقمار، والاحتكار، والاستقطاع من أجور العمال لكي يزيد الربح، كما لا يعترف بالنهب أو السرقة أو السلب بالإكراه كوسائل للتملك أو لتنمية المال.

3- إن للإسلام في إعادة توزيع الثروة سياسة حكيمة عادلة؛ تتفوق على الأنظمة الغربية المالية في عصرنا الحالي. فمثلاً؛ الإسلام يعد العمل هو الأساس والسبب الوحيد للكسب والملكية، سواء عمل الجسم أو الفكر، ويحرم الربا، لأن رأس المال في ذاته ليس سبباً من أسباب الكسب الصحيحة.

4- إن العلاقة وثيقة بين الفقر والبطالة، بل إن السعي في طلب الرزق من أهم وسائل علاج مشكلة الفقر. ومن وسائل الإسلام في زيادة التشغيل؛ الحث على العمل، والسير في الأرض، وتنمية العنصر البشري ذاته، مما يؤدي إلى تقليل التفاوت بين أفراد المجتمع.

5- تعتبر الزكاة، والصدقات الاختيارية، وكفالة الموسرين من الأقارب من أهم وسائل علاج مشكلة الفقر. وزكاة الأموال هي أداة لإعادة توزيع الدخل لصالح الفقراء، وهي ضريبة دائمة؛ تؤخذ بنظام ثابت ما يعادل 2,5% إلى 5% من أصل الثروة كل عام. وقد أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل إلى أرض اليمن وأمره أن يأخذ الزكاة من الأغنياء ويردها على فقرائهم. إن أهم مشكلة يمكن من خلال الزكاة حلها؛ هي مشكلة التفاوت الاقتصادي الفاحش؛ حيث يعمل الإسلام على عدالة التوزيع، وتقارب الملكيات في المجتمع. والزكاة  أول تشريع منظم في سبيل الضمان الاجتماعي وإعادة توزيع الثروة لصالح الفقراء، والدولة هي التي تجمع هذه الضريبة وتتولى انفاقها بنظام معين، وفي يد الدولة أيضاً أن تفرض ضرائب لكل وجه آخر (مثل ضريبة للتعليم أو الصحة أو الضمان الاجتماعي..) تعجز الموازنة العامة على الإنفاق عليه.

6-  إن محاربة البطالة عن طريق الزكاة يساهم في عدالة توزيع الثروات؛ كما تسهم في حل مشكلة الفقر. وهنا نجد أن من يستحق الزكاة من العاطلين عن العمل، هم من في بطالة اجبارية وليس بطالة اختيارية، وقد تم الإشارة إلى الفرق بينهما.

7-  كما أن من حق الدولة نزع الملكيات، وأن تأخذ نسب معينة من الثروات تجد أنها ضرورية لحماية المجتمع من أزمات أو أوبئة أو أمراض.. وأي آفات في المجتمع. كل ذلك في سبيل تحقيق مستوى معيشة لائق لكل فرد في المجتمع الإسلامي.

8- لأن العلاقة وثيقة بين الفقر والقهر من جهة، وبينه وبين الجهل والمرض من ناحية أخرى؛ فإن محاربة الفقر تقع في مقدمة أولويات العمل الخيري في الممارسة الاجتماعية في الاجتماع السياسي الإسلامي، وتجلى ذلك بوضوح في نظام الوقف الإسلامي عبر أغلب المراحل التاريخية.

المواد المنشورة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي إسلام أون لاين

مقالات ذات صلة