رحمة للعالمين

أَجْعَلُ لك صلاتي كُلَّهَا؟ قَالَ: (إِذًا يُكْفَى هَمُّكَ وَيُغْفَرُ ذَنْبُكَ)

Feature image

أخرج الترمذي في سننه من حيث أبي بن كعب رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله إني أكثر الصلاة عليك فكم أجعل لك من صلاتي؟ فقال: «ما شئت». قال: قلت: الربع، قال: «ما شئت فإن زدت فهو خير لك»، قلت: النصف، قال: «ما شئت، فإن زدت فهو خير لك»، قال: قلت: فالثلثين، قال: «ما شئت، فإن زدت فهو خير لك»، قلت: أجعل لك صلاتي كلها قال: «إذا تُكْفَى همَّكَ، ويُغْفرُ لك ذنبك»: «هذا حديث حسن».[[1]]

وفي رواية: «إذن يكفيك الله ما أهمك من دنياك وآخرتك».[[2]]

هذا الحديث أشكل معناه على كبار العلماء قبل عامة الناس؟ فما معنى أجعل لك صلاتي كلها؟ وإذا كان الصلاة بمعنى الدعاء فكيف يكون الدعاء كله للنبي صلى الله عليه وسلم؟ وهل يريد النبي صلى الله عليه وسلم تحقيق المنفعة لنفسه فقط بان يكون الدعاء كله كله؟

ولهذا اهتم العلماء بالحديث، فبحثوا في أسانيده وطرقه أولا؟ فالقاعدة تقتضي أن تثبت العرش أولا ثم تنقش بعد ذلك، وقد حسنوا الحديث بمجموع طرقه.[[3]] وقال فيه الحاكم، ح: 3894: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.

 وأما من حيث المعنى فاتفقوا على دلالته على فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وعظيم الثواب المترتب عليها، فمقصود السائل : يا رسول الله إن لي دعاء أدعو به ، وأستجلب به الخير ، وأستدفع به الشر فكم أجعل لك من الدعاء ؟  قال : ما شئت . فلما انتهى إلى قوله: ( أجعل لك صلاتي كلها ) قال : إذا تكفى همك ويغفر ذنبك ، أو: إذا يكفيك الله ما أهمك من أمر دنياك وآخرتك .  وهذا غاية ما يدعو به الإنسان لنفسه من جلب الخيرات ودفع المضرات.[[4]]

قال ابن القيم  في جلاء الأفهام ص79.:”وسئل شيخنا أبو العباس عن تفسير هذا الحديث فقال: كان لأبي بن كعب دعاء يدعو به لنفسه فسأل النبي صلى الله عليه وسلم هل يجعل له منه ربعه صلاة عليه صلى الله عليه وسلم فقال: إن زدت فهو خير لك فقال: له النصف فقال: إن زدت فهو خير لك إلى أن قال: أجعل لك صلاتي كلها أي أجعل دعائي كله صلاة عليك قال: إذا تكفي همك ويغفر لك ذنبك لأن من صلى على النبي صلى الله عليه وسلم صلاة صلى الله عليه بها عشرا ومن صلى الله عليه كفاه همه وغفر له ذنبه”.

ووجه كفاية المهمات بصرف ذلك الزمن إلى الصلاة عليه أنها مشتملة على امتثال أمر الله تعالى وعلى ذكره وتعظيمه وتعظيم رسوله، وقد جاء في الحديث القدسي: «من شغله ذكرى عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين» ففي الحقيقة لم يفت بذلك الصرف شيء على المصلي، بل حصل له بتعرضه بذلك الثناء الأعظم أفضل ما كان يدعو به لنفسه، وحصل له مع ذلك صلاة الله وملائكته عليه عشراً أو سبعين أو ألفاً كما جاء بذلك روايات، مع ما انضم لذلك من الثواب الذي لا يوازيه ثواب،

فأيّ فوائد أعظم من هذه الفوائد، ومتى يظفر المتعبد بمثلها فضلا عن أنفس منها، وأنى يوازي دعاؤه لنفسه واحدة من تلك الفضائل التي ليس لها مماثل ببركته (ويغفر لك ذنبك) لأنه يبارك على نفسك بواسطته الكريمة في وصول كل خير إليك إذ قمت بأفضل أنواع الشكر المتضمن لزيادة الإفضال والإنعام المستلزمين لرضا الحق عنك ومن رضى عنه لا يعذبه.[[5]]

وعلى كل فلا إشكال في كون المراد بالصلاة هنا في الحديث: الدعاء، ومن جملته الصلاة على النبي – صلى الله عليه وسلم – (فكم أجعل لك من صلاتي؟) أي بدل دعائي الذي أدعو به لنفسي، أو أنا أكثر الدعاء فكم أجعل لك من دعائي صلاة عليك؟ فكان جوابه أنك إذا صرفت جميع أزمان دعائك في الصلاة علي كفيت ما يهمك من أمور دنياك وآخرتك، أي أعطيت مرام الدنيا والآخرة، فاشتغال الرجل بالصلاة على النبي – صلى الله عليه وسلم – يكفي في قضاء حوائجه ومهماته.[[6]]

ولفظ الترمذي “ويغفر ذنبك”. وفي هاتين الخصلتين أي كفاية الهم ومغفرة الذنب جماع خير الدنيا والآخرة، فإن من كفاه الله همه سلم من محن الدنيا وعوارضها، لأن كل محنة لا بد لها من تأثير الهم وإن كانت يسيرة، ومن غفر الله ذنبه سلم من محن الآخرة؛ لأنه لا يوبق العبد فيها إلا بذنوبه.

وقد ورد في التصريح بفضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث قوية منها ما أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة رفعه: من صلى علي واحدة صلى الله عليه عشرا”. ومنها حديث بن مسعود في صحيح ابن حبان :«إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَكْثَرُهُمْ عَلَيَّ صَلَاةً». وغير ذلك من الآحاديث الكثيرة الصحيحة الواردة في فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.

ومعنى صلاة الله على نبيه ثناؤه عليه وتعظيمه وصلاة الملائكة وغيرهم عليه طلب ذلك له من الله تعالى؛ وقيل صلاة الله على خلقه تكون خاصة وتكون عامة فصلاته على أنبيائه هي الثناء والتعظيم وصلاته على غيرهم الرحمة فهي التي وسعت كل شيء، ونقل عياض عن بكر القشيري قال الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم من الله تشريف وزيادة تكرمة وعلى من دون النبي رحمة، وبهذا التقرير يظهر الفرق بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين سائر المؤمنين حيث قال الله تعالى {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ} [الأحزاب: 56]. والإجماع منعقد على أن في هذه الآية من تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم والتنويه به ما ليس في غيرها.. والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم تعظيمه، في الدنيا بإعلاء ذكره وإظهار دينه وإبقاء شريعته وفي الآخرة بإجزال مثوبته وتشفيعه في أمته وإبداء فضيلته بالمقام المحمود وعلى هذا فالمراد بقوله تعالى صلوا عليه ادعوا ربكم بالصلاة عليه.[[7]]

وقد روى إسماعيل بن إسحاق في كتاب أحكام القرآن بإسناد حسن عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب أما بعد فإن ناسا من الناس التمسوا عمل الدنيا بعمل الآخرة وإن ناسا من القصاص أحدثوا في الصلاة على خلفائهم وأمرائهم عدل الصلاة على النبي،/ فإذا جاءك كتابي هذا فمرهم أن تكون صلاتهم على النبيين ودعاؤهم للمسلمين ويدعوا ما سوى ذلك، ثم أخرج عن ابن عباس بإسناد صحيح قال لا تصلح الصلاة على أحد إلا على النبي صلى الله عليه وسلم؛ ولكن للمسلمين والمسلمات الاستغفار وذكر أبو ذر أن الأمر بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم كان في السنة الثانية من الهجرة وقيل من ليلة الإسراء.[[8]]


[1] [سنن الترمذي ت شاكر / ح: (2457)].
[2] [مسند أحمد مخرجا / ح: (21242)].
[3] – الأحاديث المختارة للمقدسي ح: 1185، والألباني في الصحيحة: 954.
[4] – مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام (1/349-350).
[5] – دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين للبكري 5/18.
[6] – مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (3/ 278)].
[7] [فتح الباري لابن حجر (11/ 167)].
[8] [فتح الباري لابن حجر (8/ 534)].

المواد المنشورة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي إسلام أون لاين

مقالات ذات صلة