نعتقد أن هناك وهمًا كبيرًا قد أحاط بمعنى الحياء نريد مستعينين بالله أن نحاول إزالة هذا الوهم الذي أدى إلى بناء سد منيع هائل بين المسلم وبين معرفة تقاليد دينه في جانب خطير من حياة كل إنسان رجلاً كان أو امرأة، وهذا الجانب يشمل كل ما له صلة بالأعضاء التناسلية أو بالمتعة الجنسية، حقًا أنه قد ورد عن رسول الله أحاديث عديدة ترفع من شأن الحياء.– فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي مر على رجل من الأنصار وهو يعظ أخاه في الحياء فقال رسول الله : “دعه فإن الحياء من الإيمان” رواه البخاري ومسلم.
– وعن عبد الله بن مسعود قال: قال النبي : “إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت” رواه البخاري ومسلم.
– وعن عمران بن حصين قال: قال النبي : “الحياء لا يأتي إلا بخير”، فقال بشير بن كعب: مكتوب في الحكمة، إن من الحياء وقارًا، وإن من الحياء سكينة فقال له عمران: أحدثك عن رسول الله وتحدثني عن صحيفتك!. رواه البخاري ومسلم.
قال الحافظ ابن حجر : قوله: “والحياء شعبة من الإيمان” الحياء في اللغة تغير وانكسار يعتري الإنسان من خوف ما يعاب به، وفي الشرع خلق يبعث على اجتناب القبيح، ويمنع من التقصير في حق ذي الحق، لهذا جاء في الحديث الآخر: “الحياء خير كله” ولكن استعماله وفق الشرع يحتاج إلى اكتساب علم ونية، فهو من الإيمان لهذا، ولكونه باعثًا على فعل الطاعة، وحاجزًا عن فعل المعصية، ولا يقال: رب حياء يمنع عن القول الحق أو فعل الخير، لأن ذلك ليس شرعيًّا”.
وقال الحافظ أيضًا: “قال عياض وغيره: إنما جعل الحياء من الإيمان وإن كان غريزة، لأن استعماله على قانون الشرع يحتاج إلى قصد واكتساب علم، وأما كونه خيرًا كله ولا يأتي إلا بخير فأشكل حمله على العموم، لأنه قد يصد صاحبه عن مواجهة من يرتكب المنكرات ويحمله على الإخلال ببعض الحقوق، والجواب أن المراد بالحياء في هذه الأحاديث ما يكون شرعيًّا، والحياء الذي ينشأ عنه الإخلال بالحقوق ليس شرعيًّا بل هو عجز ومهانة.
وينبغي أن نتأمل هذا البيان من الحافظ ابن حجر ومن القاضي عياض، وتمييزهما بين الحياء السوي وبين الحياء المريض، أولهما يقول: “ولا يقال رب حياء يمنع عن قول الحق أو فعل الخير، لأن ذلك ليس شرعيًّا” وثانيهما يقول: والحياء الذي ينشأ عنه الإخلال بالحقوق ليس حياء شرعيًّا بل هو عجز ومهانة”.
ونخلص من هذا الكلام الرصين إلى أن الحياء السوي الذي يجله الإسلام، ويأمر به كل مسلم ومسلمة، هو ذلك الخلق الذي يبعث على اجتناب القبيح من الفعال، وهو غير الحياء الأعوج، والأفضل أن نسميه بالخجل المرضي، حتى يظل لفظ الحياء له جلاله الذي يسبغه عليه الإسلام، ولا يختلط بأوهام خارجة تمامًا عن معناه الشرعي، هذا الخجل المرضي هو الذي يحول بين الفرد رجلاً كان أو امرأة وبين قول الحق في موقف، أو يصرفه عن فعل الخير في موقف آخر، وذلك لأدنى ملابسة عارضة يحيط بها الموقف أو ذاك، كأن يكون هناك حشد كبير أو يكون الفرد حديث عهد بالأشخاص الحضور أو يكون أصغرهم سنًا أو مكانة، أو يكون الحضور من الجنس الآخر بعضهم أو كلهم، أو يكون موضوع قول الحق أو عمل المعروف له علاقة بالجنس الآخر، أو أن يكون الموضوع نفسه له صلة بالثقافة الجنسية أو ما إلى ذلك من ملابسات ضئيلة الشأن في ميزان الحق والواجب. فإذا حدث أي من هذه الملابسات فينبغي أن نسميه ضعفًا عن فعل الواجب، أو جبنًا عن قول الحق، وهكذا نسمي الأشياء بأسمائها، ونميز الحياء الشرعي عن الخجل المرضي، ولننظر الآن كيف صحح أنس رضي الله عنه فهم ابنته للحياء الشرعي:
– فعن ثابت البناني قال: “كنت عند أنس وعنده ابنة له. قال أنس: جاءت امرأة إلى رسول الله تعرض عليه نفسها، قالت: يا رسول الله، ألك بي حاجة؟ فقالت بنت أنس: ما أقل حياءها!! واسوأتاه.. واسوأتاه. قال: هي خير منك، رغبت في النبي فعرضت عليه نفسها”. رواه البخاري.
ولدينا في القرآن والسنة نماذج ترسم لنا كيف لا يمنع الحياء من قول الحق أو فعل الخير، وإن كان الحق والمعروف لهما صلة بالأمور الجنسية أو بالجنس الآخر، صحيح أنه يمكن أن يحدث داخل النفس نوع من التوتر يصاحب القول أو الفعل، وهذا أمر محمود، وكثيرًا ما يلازم الحياء السوي.
نموذج من القرآن عن الحياء السوي:
قال تعالى: “فجاءته إحداهما تمشي على استحياء قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا”سورة القصص الآية: 25.
فهنا فتاة تخرج للقاء رجل غريب، ومن الطبيعي بل ومن المحمود أن يصيبها قدر من الحياء، لكن أن يبلغ بها الحياء درجة تمنعها من الخروج لهذا اللقاء وتحقيق مصلحة واجبة أو مندوبة فهذا هو المرفوض المذموم.
نماذج من السنة عن الحياء السوي:
– عن عائشة أن أسماء بنت أبي بكر سألت النبي عن غسل المحيض فقال: تأخذ إحداكن ماءها وسدرتها (1) فتطهِّر فتحسن الطهور، ثم يصب على رأسها فتدلكه دلكًا شديدًا حتى تبلغ شئون رأسها (2) ، ثم تصب عليه الماء ثم تأخذ فرصة (3) مُمَسَّكة (4) فتطهِّر بها، فقالت أسماء: وكيف تُطهِّر بها؟ قال: سبحان الله تطهرين بها، فقالت عائشة -كأنها تخفي ذلك- تتبعين أثر الدم، وسألته عن غسل الجنابة (5) فقال: تأخذ ماء فتطهـِّر فتحسن الطهور أو تبلغ الطهور، ثم تصب على رأسها فتدلكه حتى تبلغ شئون رأسها ثم تفيض عليها الماء.
فقالت عائشة: نعم النساء نساء الأنصار، لم يكن يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين.
رواه البخاري ومسلم وهذه رواية مسلم.
وصدقت عائشة أم المؤمنين إذ تصف نساء الأنصار بالحياء، ذاك الحياء السوي الذي لم يمنعهن من قول الحق وعمل المعروف، وهو هنا في صورة طلب العلم والفقه في الدين.
لكن لا حرج في أن يستجيب المؤمن لما يصيبه من حياء سوي، فلا يواجه الموقف بنفسه، ويلجأ إلى وسيلة أخرى تحقق المصلحة دون مواجهة، وهذا ما يفعله صحابي جليل:
– فعن علي بن أبي طالب قال: “كنت رجلاً مذَّاء (6) فاستحييت أن أسأل رسول الله ( وفي رواية: لمكان ابنته) فأمرت المقداد بن الأسود فسأله فقال: فيه الوضوء.رواه البخاري ومسلم.
وفي رواية عن أبي داود عن علي قال: “كنت رجلاً مذاءً، فجعلت أغتسل حتى تشقق ظهري” وفي رواية لابن حبان: عن المقداد بن الأسود “أن علي بن أبي طالب أمره أن يسأل رسول الله عن الرجل إذا دنا من أهله فخرج منه المذي ماذا عليه؟ فإن عندي ابنته، وأنا استحيي أن أسأله. قال المقداد: فسألت رسول الله فقال: “إذا وجد ذلك أحدكم فلينضح (7) فرجه، وليتوضأ وضوءه للصلاة”. ورد في فتح الباري: قال ابن دقيق العيد: كثرة المذي هنا ناشئة عن غلبة الشهوة مع صحة الجسد.
وقال الحافظ ابن حجر، في الحديث استعمال الأدب في ترك المواجهة لما يستحيي منه المرء عرفًا، وحسن المعاشرة مع الأصهار، وترك ذكر ما يتعلق بجماع المرأة ونحوه بحضرة أقاربها، وقد تقدم استدلال المصنف (أي البخاري) به في كتاب العلم لمن استحيا فأمر غيره بالسؤال، لأن فيه جمعًا بين المصلحتين: استعمال الحياء وعدم التفريط في معرفة الحكم.
ثم إنه أحيانا يلجأ الإنسان صاحب الحياء السوي إلى التخفيف مما يحسه من توتر (أي حياء) وذلك بأن يقدم بين يدي حديثه عن أمر من أمور الجنس -أو يعقب عليه- فيصرح بما يخالجه من حياء وهذه نماذج لهذا السلوك السوي:
– عن أم سلمة قالت: جاءت أم سليم إلى رسول الله فقالت: يا رسول الله، إن الله لا يستحي من الحق فهل على المرأة من غسل إذا احتلمت؟ فقال النبي : إذا رأت الماء. فغطت أم سلمة تعني وجهها وقالت: يا رسول الله.. أو تحتلم المرأة؟ قال: نعم. تربت يمينك (8) . فبم يشبهها ولدها؟. رواه البخاري ومسلم.
وقد أورد البخاري هذا الحديث تحت باب “الحياء في العلم” وقال مجاهد: لا يتعلم العلم مستحٍ ولا مستكبر”.
عن أبي موسى قال: اختلف في ذلك رهط من المهاجرين والأنصار فقال الأنصار: لا يجب الغسل إلا من الدفق أو من الماء، وقال المهاجرون: بل إذا خالط فقد وجب الغسل، قال أبو موسى: فأنا أشفيكم من ذلك، فقمت فاستأذنت على عائشة فأُذن لي، فقلت لها : يا أماه أو -يا أم المؤمنين إني أريد أن أسألك عن شيء وإني أستحييك، فقالت: لا تستحيي أن تسألني عما كنت سائلاً عنه أمك التي ولدتك، فإنما أنا أمك، قلت: فما يوجب الغسل؟ قالت: على الخبير سقطت، قال رسول الله : إذا جلس بين شعبها الأربع ومس الختان الختان، فقد وجب الغسل.رواه مسلم.
ولننظر هنا كيف يظن رجل أن طلب العلم من امرأة في أمر من الأمور الجنسية، يعتبر من الرفث (9) ، الذي ينبغي أن ينأى عنه الرجل الحيي، فترد عليه عائشة في صراحة ووضوح، دونما حرج، بأن يدفع ذاك الظن الخاطئ.
على أن هناك مجالين لها علاقة بالأمور الجنسية يفرض الحياء السوي الصمت الكامل فيهما:
المجال الأول: هو مجال أسرار المباشرة الزوجية.
والمجال الثاني: هو مجال العبث واللهو والتندر بأمور تتعلق بالمتعة الجنسية، مما يزيح عنها رداء الصون والعفاف ويعرضها للابتذال، هذا فضلاً عما قد يثيره من الشهوة، لا سيما عند غير المتزوجين اقرأ في نفس الموضوع:
– الإسراف في الحياء
<!–

الحياء السوي على هدي الكتاب والسنة

–>- لا حياء في تقديم الثقافة الجنسية المشروعة أو طلبها


(1) سدرتها: السدر ورق شجر النبق الذي يفرز مادة رغوية منظفة مثل الصابون.
(2) شئون رأسها: أصول شعر رأسها.
(3) فرصة: قطعة من قطن أو صوف أو خرقة.
(4) ممسكة: مطيبة بالمسك.
(5) الجنابة: حال من يكون منه جماع، أو حال من نزل منه مني.
(6) رجلاً مذاء: المذي ماء رقيق يخرج من ذكر الرجل عند الملاعبة، والرجل المذَّاء من يكثر خروج المذي منه.
(7) فلينضح فرجه: فليرشه بالماء.
(8) تربت يمينك” صارت يمينك على التراب. دعاء يعني ظاهره لا أصابت يمينك خيرًا، وهي من الألفاظ التي تطلق ولا يراد بها ظاهرها.
(9) الرفث: التصريح بكلام قبيح.