يظل الاستماع إلى القرآن الكريم من أساسيات الفرد المسلم مع بداية كل يوم جديد، والناس على اختلاف مشاربهم يشتركون في ذلك، فالذي لا يجيد القراءة تجده لا يترك هذه العادة الجميلة والعبادة العظيمة التي أجمع العلماء على إنها إن كانت بقصد التعبد والتقرب لله فهي من أعظم العبادات، كذلك الذي يجيد القراءة يُضاعف أجره ويرفع درجاته إن كان له ورد يومي من القرآن وإن لم يكن ففضل الاستماع يجبُر جزءًا مما للقرآن عليه من حق.


ثواب الاستماع الى القران الكريم

ثبت عن النبي- صلى الله عليه وسلم– أنه مر على أبي موسى الأشعري ليلة وهو يقرأ القرآن ؛ فوقف صلى الله عليه وسلم يستمع إليه كما جاء في الصحيحين.


كما أنه ورد عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم “اقرأ عليَ القرآن”،فقلت يا رسول الله،اقرأ عليك وعليك أنزل؟! قال صلى الله عليه وسلم”إني أحب أن اسمعه من غيري”فقرأ ابن مسعود سورة النساء وعندما استمع النبي صلى الله عليه وسلم من ابن مسعود لقول الله تعالى { فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ شَهِيدًا }، بكي صلى الله عليه وسلم بكاءًا شديداً .

وبالمثل فقد تتأثر أنت بالقرآن عندما تسمعه بصوتك وتقرأه على نفسك، وقد يأتيك التأثير الذي يُذيل غشاوة و يُنير ظلمة من القلب عندما تسمعه بصوت قارئك المفضل . وبالتأكيد يتباين الناس في ذلك، لكن الأهم من ذلك كله ألا تتوقف عن الاستماع إلى القرآن الكريم، ففيه النجاة وإن لم تنتبه ،فيه إذابة لقسوات القلوب التي شبهها رب العالمين بالحجارة أو هي أشد قسوة من الحجارة، تستمع فلا تنتبه ثم تستمع فتلتفت قليلاً ولا تزال تستمع حتى يفتح الله أقفال قلبك ويذيب قساوته وتتذوق حلاوة الإيمان والحب لله ولكلامه، و ذكر إبن القيم في ذلك قولا بليغاً فقال”وعلى قدر محبة الله تكون محبة كلامه،فمن أحب محبوباً أحب حديثه”.


ثمرات تجنيها بالاستماع للقرآن

قد تلحظ تأثير استماعك إلى القرآن الكريم على نفسك للحد الذي يدفعك إلى تغير سلوك ما أو عادة أو تصحيح عبادة لطالما كنت تُخطئ فى أدائها، فعلى سبيل المثال تستغفر لمجرد استماعك لآيات الاستغفار، ولربما تسير وأنت ملصقا أنفك بالسماء فتسمع قول الله { وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ } [ لقمان: 19] أو تسمع قوله عز وجل { وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا } من [الإسراء : 37]، فتفطن لحجمك الحقيقي ولأصلك الطيني ومدى ضآلتك وتستشعر أهمية التواضع.

قد تلتقط آذانك الآية 56 من سورة الأحزاب { إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} فتصلي على سيدنا محمداً صلاة واحدة فيصلي رب العزة عليك عشرا ،وكذلك في أى موضع آخر يذكر الله جل جلاله فيه سيدنا محمد.

وقد ينتبه قلبك لآيات الصدقة وفضلها فتتصدق لتكون ممن قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه الإمام أحمد؛ قال صلى الله عليه وسلم”المرء فى ظل صدقته يوم القيامة حتي يفصل بين الناس” وبالمثل قد تسمع الملك يقول في كتابه العزيز في سورة المائدة { وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ۚ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَٰكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } فتتعرف على الحالات التي وجب فيها التيمم وكيف تتيمم؟، ولماذا شرع الله التيمم؟

ربما تسمع قوله تعالى في سورة الحجرات { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ۖ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ}؛ فتنتهي عن سوء الظن والتجسس وعن إطلاق لسانك في أعراض الناس تلك العادة السيئة التي ألبست الكثير أقنعة النفاق .

وهكذا فى باقي السلوكيات التي يربينا عليها القرآن الكريم وبالمثل في الطاعات وعلاقتنا بالآخرين وحب الخير والسعي إلى الانشغال بالذات والعمل على إصلاحها.


استمع فاهتدى


كان الفضيل بن عياض- رحمه الله- يتسلق بيوت المسلمين ليلاً ذاهباً لارتكاب كبيرة من الكبائر ،فإذ به يستمع لقارئاً يتلو قول الله سبحانه: { أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ} [الحديد ١٦]. فاستشعر الفضيل كأن الله يُخاطبه وأنه المقصود بالآية الكريمة ،فما كان منه -رحمه الله -إلا أن استجاب لكلام ربه قائلاً”بل آن يا رب”فعاد مما كان مقدما عليه لتكون بداية مسيرته المنيرة إلى الله.

وهذا أُسيد بن حُضير يلتقط حربته قاصداً قتل مصعب بن عمير أثناء قرائته للقرآن على أهل يثرب فى بداية الدعوة الإسلامية؛ فقال له مصعب”أوتجلس فتسمع، فإن رضيت أمراً قبلته وإن كرهته كف عنك ما تكره”فركز أُسيد حربته وإتكأ عليها يستمع لما يتلوه مصعب بن عمير من القرآن فما كان من أُسيد بن حُضير إلا أن أعلان إسلامه فوراً بمجرد استماعه لآيات القرآن الكريم.

وفي نفس السياق نذكر ما حدث للصحابي الجليل ثابت بن قيس- خطيب الأنصار – فقد كان ذو صوت مرتفع إذا تحدث؛ عندما استمع للنبي وكان يتلو قول الله سبحانه { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ} [الحجرات:2] فإذ به يحتبس في بيته ويقول لنفسه “أنا من أهل النار”فافتقده النبي صلى الله عليه وسلم، وأرسل إليه سعد بن معاذ ،فقص ثابت على سعد ما كان به ،فعاد سعد وذكر للنبي ما حدث فقال صلى الله عليه وسلم”بل هو من أهل الجنة”.

وفي نفس سياق الآية الكريمة كان النبي صلى الله عليه وسلم يستفهم عمر بن الخطاب أي يطلب منه رفع صوته ليفهم ما يقوله ،كانوا رضوان الله عليهم يطبقون ما يستمعون إليه من القرآن عاملين به في كل مناحي حياتهم، فلنتشبه بهم إن لم نكن مثلهم.


قريش ومنع الاستماع بالقرآن


لطالما تفنن المشركون عامة ومشركو قريش خاصة في أذية النبي والمسلمين؛ في صلاتهم ،في هجرتهم ،وأثناء عملهم، حتى في تلاوتهم لكتاب الله تعالى وقال عز وجل في ذلك { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَٰذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} [ فصلت: 26] .

وقد فسر الإمام القرطبي-رحمه الله-هذه الآية ؛بأنها نزلت في مشركي قريش، ومعنى ( لَا تَسْمَعُوا) أي لا تطيعوا، وفسر ابن عباس (وَالْغَوْا فِيهِ) أن أبا جهل كان يقول “إذا قرأ محمد فصيحوا في وجهه حتي لا يدري ما يقول”بالإضافة إلى أنه كان يأمر الأطفال بالتصفيق وإثارة الضجر والصخب حول النبي-صلي الله عليه وسلم-كي لا يُفقه شيء من القرآن إذا قرأه-صلي الله عليه وسلم-على نفسه وأصحابه ،ومن ناحية أخرى، حتي لا يتأثر أحد من المشركين خاصة النساء والأطفال بما يستمعون إليه من القرآن ويتأثرون بوعظه.

وبالمثل حدث مع عبد الله بن مسعود-رضي الله عنه-عند مقام مكة؛ عندما جهر لأول مرة بالقرآن وأخذ يتلو سورة الرحمن، فما كان من قريش إلا أن أذاقته ألواناً من العذاب، وكذلك ما حدث لأبي بكر الصديق-رضي الله عنه-من معنى الحديث الذي روته أم المؤمنين السيدة عائشة؛ فقد أخرجت قريش أبا بكر لأنه كان يستعلن بالقرآن-أي يقرأه بصوت عال – ووصفته السيدة عائشة، أنه كان رجلاً بكاءً إذا استمع للقرآن وهو يتلوه على نفسه، الأمر الذي جعل قريش تعزم على إخراجه من مكة خشية أن يتأثر أطفالهم ونسائهم بحاله مع القرآن عند استماعهم إليه.

شاهدا لك

إن لم تستطع أن تجعل القرآن شاهدا لك بحفظه والعمل به- فما لا يُدرك كله لا يترك كله- فلا تجعله شاهدا عليك بهجرك له استماعا وقراءة وحفظا ، اعقد العزم والنية الصادقة الخالصة لله وحده بأن تجعل القرآن صاحبا لك في الدنيا كي يصحبك هو في حياة البرزخ والآخرة وتذكر الحديث القدسي عن أنس بن مالك وأبي هريرة رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل قال: ” إذا تَقَرَّبَ العبدُ إليَّ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إليه ذِرَاعًا، وإذا تَقَرَّبَ إليَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا، وإذا أتاني يمشي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً” .

من تقرَّب إلى الله بشيء من الطاعات ولو قليلًا قابله الله بأضعاف من الإِثابة والإِكرام، وكلما زاد في الطاعة زاده في الثواب، وأسرع برحمته وفضله ،وعن عائشة – رضي الله عنها – قالت: سئل النبي – صلى الله عليه وسلم -: أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال: ” أدومها وإن قل. وقال: اكلفوا من الأعمال ما تطيقون ” رواه البخاري(6465).

والاستماع إلى القرآن لا يتطلب منك تفريغ نفسك بالخروج من مطحنة الدنيا الفانية ولا يتطلب منك جهداً ،فقد جدد نيتك إذا استمعت إليه في أي مكان أو على أي حال بأنك تستمع رغبة في التقرب والتعبد لله وأملا بأن يفتح الله عليك بفهم وتذوق حلاوة كلامه عز وجل..


في الختام : وكما تعلم عزيزي القارئ أننا في زمن كثرت فيه الفتن ،وشذ الكثير عن العبادات ،وقلما نجد قابضا على دينه، إن الطريق إلي الله ليس بوعر كما يصور بعض الناس بل المسألة لا تتطلب منك أكثر من الصدق معه سبحانه وتعالى استماعك للقرآن عبادة لا تغفل عنها ربما يجعل الله بداية طريقك إليه بآية تسمعها، وتعلم أن تستغل كل لحظة في شيء يثقل ميزانك.