التواكل العلمي

مكتبة وكتب

مما ورد في التعريف بكتاب “الجمل الكبرى” لأبي القاسم الزجاجي (ت337هـ)، ما ذكره السيوطي وحاجي خليفة[1]، معتبرين هذا المصنف النحوي كتابا نافعا مفيدا، لولا طوله بكثرة الأمثلة، بالاستدلال بما قيل في حقه، بأنه من الكتب المباركة، لم يشتغل به أحد إلا انتفع به، ما دام صاحبه ألفه بمكة المكرمة، فكان إذا فرغ من باب طاف أسبوعا، ودعا الله سبحانه وتعالى أن يغفر له، وأن ينفع به قارئه.

وهذا يعني بأن التعليل الذي اقترحه السيوطي وحاجي خليفة وغيرهما، من أن سبب عموم النفع بجمل الزجاجي إنما يرجع إلى قضايا دينية غيبية، في علاقتها بنزول البركة على هذا الكتاب، بسبب تأليف صاحبه له بمكة، وأنه كان إذا فرغ من باب طاف أسبوعا، ودعا الله سبحانه وتعالى أن يغفر له، وأن ينفع به قارئه.

وهو نفس المنهج التعليلي الذي اقترحته طائفة من العلماء فيما يتعلق بعلة اهتمام العلماء بالمقدمة الآجرومية، لابن آجروم (ت723هـ).

فمن شهادات العلماء التي تعزي سبب انتشار الآجرومية والاهتمام بها اشتغالا وتدريسا إلى البعد الديني، متمثلا في صدق نية مؤلِّفها، وصلاحه، وبركته، وإخلاصه، ما ذكره السيوطي: «ويشهد بصلاحه عموم نفع المبتدئين بمقدمته»[2]، وكذلك ما ذكره ابن العماد الحنبلي: «ويشهد لذلك [أي شهرته بالبركة والصلاح] عموم نفع المبتدئين بمقدمته»[3].

ويجعل حاجي خليفة التفسير الديني لشهرة الآجرومية متجليا في بركة مكان تأليفها، وهو مكة تجاه الكعبة، إذ يقول: «وهي مقدمة نافعة للمبتدئين ألفها بمكة تجاه الكعبة الشريفة»[4].

وسيرا على نفس النهج التأويلي ذي الصبغة الدينية، نجد ابن الحاج الذي يجمع بين الرأيين السابقين، جاعلا من صلاح المؤلِّف، وبركة مكان تأليفها، تفسيرا ملائما لشهرة هذه المقدمة: «ويدلك على صلاحه أن الله جعل الإقبال عله كتابه، فصار غالب الناس أول ما يقرأه بعد القرآن العظيم هذه المقدمة، فحصل له النفع في أقرب مدة، كيف وقد ألفهما[5] تجاه»[6].

على أن تفسير ظاهرة اشتهار هذه المقدمة تفسيرا دينيا خالصا، والاتكال على تأويل عموم النفع بها تأويلا شرعيا محضا، منحصرا في جميل صفات مؤلِّفها، وفي خصائص بركة مكان تأليفها، لا يعدو أن يكون اختزالا مخلا لعلة شيوعها، وإقصاء لأحد جناحي الطائر الذي بهما طارت شهرة الآجرومية شرقا وغربا، وأيضا إلغاء صريح لعلاقة العلية والسببية، المؤسَّسة على ربط الأسباب بمسبباتها، التي تتماشى مع سنة الله تعالى التي أودعها في الكون، وفي الآفاق، وفي الإنسان، تصديقا لقوله تعالى: ( فلن تجد لسنت الله تبديلا ولن تجد لسنت الله تحويلا) [فاطر، 43].

وممن وجدته ينحو هذا المنحى التفسيري، الجامع بين جناحي الطائر الذي به طارت شهرة هذه المقدمة في البلدان، عبد الله كنون الذي يرى بأنه «لا ينبغي أن يغفل الجانب المادي في ذلك، وهو طريقة التأليف، فإن هذه المقدمة امتازت عن كتب النحو بأشياء […]»[7].

ونفس الشيء بالنسبة لجمل الزجاجي، من حيث قصر أسباب عموم النفع بهذا الكتاب، وربطها بأسباب دينية صرفة، أمر فيه نظر شرعا، وعقلا، وواقعا، بدليل افتراضي مفاده لو أن ابن آجروم والزجاجي اتخذا تلك الأسباب الغيبية الدينية فقط، ولم يكن في كتابيهما ما يؤهلهما لأن يكونا مصنفين مفيدين نافعين، لما حصل الانتفاع بهما.

صحيح أن العقيدة الإسلامية تسلم بمكانة الدعاء والاستعانة بالله تعالى لقضاء المصالح والحاجات، بالإضافة إلى أهمية صدق التوكل عليه في الأعمال كلها، مما يشكل باعثا رئيسيا لنزول الرحمات الربانية، والعناية الإلهية. لكن هذا لا ينبغي أن يلغي قانون السببية كما في أمر الله تعالى لمريم بتحريك جذع النخلة وهي في حال المخاض والعجز والضعف: (وهزي إلَيك بجذْع النخلَة تساقط علَيك رطَبا جنيا) [مريم، 25].

ومن لطائف الفوائد التي ذكرها القرطبي، اعتبار الآية أن الرزق وإن كان محتوما، فإن الله تعالى قد وكل ابن آدم إلى سعي ما فيه، لأنه أمر مريم بهز النخلة لترى آية، وكانت الآية تكون بألا تهز. كما أن الأمر بتكليف الكسب في الرزق سنة الله تعالى في عباده، وأن ذلك لا يقدح في التوكل، خلافا لما تقوله جهال المتزهدة [8].

وهكذا يظهر بأن وسطية تصورية قرآنية، مسترشدة بقوله تعالى: (وكذلك جعلناكم أمة وسطا) الآية [البقرة،142]، تقودنا إلى أهمية الأسباب الدينية الشرعية مما توسل بها كل من الزجاجي وابن آجروم، لكي يلقى كتاباهما هذا القبول المنشود. وهذا لا يعني أن هذين النموذجين لم يتوسلا إبان تصنيفهما لكتابيهما بأسباب علمية معرفية، من تأمل في إشكاليته رصين، وتفكر في قضاياه رشيد، وبحث عن مادته العلمية طويل، وتحرير علمي له دقيق، وتصحيح لنسخته كثير.

وبهذا المنهج الوسطي في التصور والتفكير والتنظير، نكون أقرب إلى مراد الشرع في الكسب المادي والمعنوي لبناء الإنسان، والمجتمع، والأمة، والثقافة، والحضارة ككل. كما نكون أقرب إلى مقاصد الشريعة الإسلامية السمحة، ومدى رعايتها للتكامل بين الكسب المادي والمعنوي للأفراد والجماعات، تكاملا بانيا للأمة والإنسانية كليهما. ناهيك عن القطع التام والنهائي مع كافة أشكال التواكل الفردي والجماعي، الذي عصفت رياحه بالأمة الإسلامية، فجعلتها في ذيل أمم الأرض ودولها المتقدمة اقتصاديا وعلميا وتكنولوجيا.


الهوامش :
[1] وانظر: السيوطي، بغية الوعاة، 2/ 77؛ حاجي خليفة، كشف الظنون، 1/ 604.
[2] السيوطي، بغية الوعاة، 1/ 238.
[3] ابن العماد الحنبلي، شذارت الذهب، 6/ 62.
[4] حاجي خليفة، كشف الظنون 2/ 1796.
[5] وصوابه “ألفها”.
[6] ابن الحاج، حاشية ابن الحاج على شرح خالد الأزهري للآجرومية، ص 12.
[7] كنون، ذكريات مشاهير رجال المغرب، 20/ 18.
[8] القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، 11/ 95.

المواد المنشورة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي إسلام أون لاين

أحدث المقالات