الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه ،

ومن اهتدى بهديه، واستن بسنته إلى يوم الدين.

وبعد:

فإن الإسلام قد حث المجتمع الإسلامي على “العدالة الاجتماعية” بل والعدالة بجميع أنواعها، فالعدالة في مفهومها أنواع متعددة ، ويرجع ذلك التعدد إلى تعريفها؛ فكلمة العدل لغويا تعني (القصد في الأمور، أو عبارة عن الأمر المتوسط بين الإفراط و التفريط)، يقابلها الظلم والجور ومصطلح العدل يرمي إلى المساواة في إعطاء الحقوق و الالتزام م بالواجبات دون تفرقة؛ لأي سبب من الأسباب؛ سواء كان ديناً أو جنساً أو لونا [1].

 

وتتضح أهمية العدل في الإسلام في كونه من القيم الأساسية التي حث عليها القرآن و كررها في العديد من الآيات، ولقد فرض الله العدل على المسلمين؛ ليشمل كل شيء في حياتهم ابتداء من العدل في الحكم إلى الشهادة ومعاملة الأسرة والزوجة وجميع الناس؛ حتى الأعداء والخصوم؛ فلقد قال الله تعالى: “إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها و إذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل” (سورة النساء، آية 58). كما يقول: “(ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى” (سورة المائدة، آية 8).[2] .

 

والمتأمل في أحوال الأمم الآن ــ أعني غير المسلمةـــ يجد أن النظام  المتبع في العالم لم يستطع تقديم حلول نافعة في العدالة الاجتماعية؛ لما فيه من ظلم، سواء على مستوى الفرد، أو على مستوي الجماعة، بل إنهم جعلوا الغني يزداد غنى، والفقير يزداد فقراً، والغني لا يفيد الفقير، ولا يعطف عليه، بل يتآمر عليه ويتفنن في زيادة فقره فقراً، وكذا الفقير أصبح بذلك يكره الغني ، ويحسده، ويغار منه؛ لقوة الجفوة بينهما!

 

نعم إنه نظام فاسد لا يصلح لقيادة البشرية ؛ لما فيه صلاحها، ونجاحها، وفلاحها، ولا يحقق لها أدنى درجة من درجات “العدالة الاجتماعية”، وكيف يحققها، وقد بني على هدمها والبعد عنها.

 

لكنهم لو أرادوا خيراَ للمجتمع لاتبعوا “النظام الإسلامي” في معالجة المشاكل الاقتصادية والاجتماعية، فذاك هو النظام المستقيم، الناجح، الصالح؛ لكل زمان ومكان، وكيف لا يكون كذلك وهو الذي ارتضاه الله لعباده ديناً قيما، ومنهجاً قويما، و الله هو العليم، الخبير، خالق كل شيء، وهو العالم بمصالحه، ومفاسده.

 

ولقد اتسمت الشريعة الإسلامية بسعة نظرتها، ومعرفتها بمقاصد الأمور وخفاياها؛ فلقد جعلت “العدالة الإسلامية” ركيزة أساسية من أسس إصلاح المجتمع المسلم، واتخذت لذلك سبلاً قويمة.

 

وما التكافل الاجتماعي إلا من تلك السبل؛ فقد جعلت للفقير المسلم حقاً يملكه في مال أخيه الغني

 

وهو “الزكاة” ، فالزكاة حق للفقراء والمساكين، والعاملين عليها… إلى آخر الأصناف الثمانية، المعروفة، والمبينة في الآية الكريمة (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّـهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّـهِ ۗ وَاللَّـهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴿٦٠﴾[3]

 

فالزكاة حق للمساكين، ملكه الله لهم؛ كما قال أهل التفسير؛ لأن اللام في “للفقراء” للملك والاستحقاق؛ ومن كرم الله جل وعلا أنه فتح أبواباً أخرى غير الزكاة كالصدقات، بل ورغب فيها كثيراً، وما ذاك إلا دليل آخر على اهتمام الإسلام بالعدالة الاجتماعية.

من أجل ذلك نرى الغني الطائع من المسلمين يؤدي زكاته ونفسه طيبة بها، ونري الفقير يأخذها وقلبه سليم تجاه أخيه الغني ، فلا الغني يمنع الفقير من الزكاة، ولا الفقير يحسد أو يكره الغني، بل يعتبره أخوه وهو كذلك (إنما المؤمنون إخوة)، ممتثلين أوامر النبي في قوله: (لا تحاسدوا ولا تباغضوا……) الحديث

 

الأخوة الإسلامية التي وصف الله بها المجتمع الإيماني، والتي عبر عنها  “بإنما” التي تفيد الحصر والإثبات؛ كما هو مقرر ومعروف في محله، من مقتضياتها “العدالة الاجتماعية”، وقد تجسد ذلك في الرعيل الأول من هذه الأمة الذين طبقوا ذاك الأمر الرباني تطبيقاً صحيحاً؛ ونجد ذلك في المؤاخاة التي كانت بين المهاجرين والأنصار؛ حيث ظهرت تلك النماذج الرائعة التي حق لها أن تكتب بماء الذهب على صفحات التاريخ، بل وتجعل نبراساً لهذه الأمة؛ لتسير على نهجها.

 

وقد كان يحي “العدالة الاجتماعية” في أصحابه بالتطبيق العملي؛ فالدعوة العملية تنتج  أكثر مما تنتجه الدعوة القولية، ومن أمثلة ذلك ما وقع في غزوة بدر الكبرى حين  خرج الصحابي الجليل سواد ابن غزية من الصف فدار بينه وبين النبي ما دار؛ قال ابن هشام:ـــ  بعد أن ذكر أن الصحابي خرج من الصف ـــ  (…. فطعن النبي  في بطنه بالقدح ، وقال : استو يا سواد فقال : يا رسول الله ، أوجعتني وقد بعثك الله بالحق والعدل ، قال : فأقدني . فكشف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بطنه ، وقال : استقد ، قال : فاعتنقه فقبل بطنه : فقال : ما حملك على هذا يا سواد ؟ قال : يا رسول الله ، حضر ما ترى ، فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدي جلدك . فدعا له رسول الله بخير وقاله له) [4]

 

وقد تربى الصحابة الكرام على ذلك ؛ فهاهو أمير المؤمنين عمر ابن الخطاب رضي الله عنه الذي سماه الرسول صلى الله عليه و سلم بالفاروق؛ لأنه كان يفرق بين الحق و الباطل، و كان العدل من أهم سماته منذ أن دخل في الإسلام، يخطب في الناس عندما تولى الخلافة قائلا: (إن رأيتم في اعوجاجاً فقوموني. فينتدب له رجل من عامة المسلمين ويقول: لو وجدنا فيك اعوجاجاً لقومناك بحد سيوفنا، فما يزيد عمر على أن يقول: الحمد لله الذي جعل في رعية عمر من يقومه بحد سيفه. [5]

 

القصص والصور لحصول العدالة الاجتماعية في  المجتمع الإسلامي؛ وخصوصاً الرعيل الأول كثيرة جداً، ولكن كيف لا تكون كذلك وهم مجتمع يؤكد عليه النبي ذلك المعنى فيقول (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم، وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) …

الخاتمة

اهتمام الإسلام بالعدالة الاجتماعية في الإسلام أمر جلي، وواضح وضوح الشمس في رابعة النهار، ومما يؤكد ذلك أننا مأمورون بالعدالة حتى مع من نبغضه، أو مع من لا نتفق معه؛ كما تقدم في الآيات ( ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا …) فيا له من دين قويم حنيف، فما أحوج الأمة اليوم أن تعود إلى ما كان عليه أسلافها؛ فتكون خير خلف لخير سلف، وتكون “خلفاً؛ بالفتح؛ لا خلفاً بالسكون. وقد فرق بينهما بعض أهل العلم؛ مادحاً من كان خلفا بالفتح وهم الذين اتبعوا أسلافهم بالخير، وذاماً من كان خلفاً بالسكون، وهم الذين خالفوا أسلافهم فاتبعوا الباطل، وقد استدل على هذا التفريق بقوله تعالى ( فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا) نسأل الله السلامة والعافية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] محمد نجيب أحمد أبو عجوة. المجتمع الإسلامي: دعائمه و آدابه في ضوء القرآن الكريم مكتبة مدبولي: القاهرة، 2000.، ص 73

[2] .المصدر السابق 79 – 80.

[3] سورة التوبة الآية 60

[4] سيرة ابن هشام (1/ 626).

[5] سيد قطب. العدالة الاجتماعية في الإسلام، م. س. ذ، ص 140