كفاك فخرا أيها الموجوع صبرا {إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب} (الزمر : 10) {إني جزيتهم اليوم بما صبروا أنهم هم الفائزون} (المؤمنون : 111)

أيها الموجوع صبـــــــرا إن بعد الصـــــبر بشرى
أيها البــــاكي بليـــــــــــل
سوف يأتي النور فجرا
أيها المكســـور قل لي
هل يديــــم الله كســـرا
يا كســير القلب مهـلا
إن بعد العســر يسـرا

أخي قد تبتلى  بمرض، أو بفقد عزيز، أو بنقص في الأموال ، أو ببلاء لا طاقة لك في نفسك ، وفي ذريتك ، وتجد أن هذا الهم يحاصرك من كل جهة، وأنت تسعى بكل سبيل لرفع هذا الهم، تحاول إيجاد حلول له، تخشى أن تموت قبل أن تحل هذه المعضلة ، وكأن الأمر بيدك! ألم تعلم أن الله هو المقدر له؟ ألم تعلم أن الله كتب ذلك قبل أن يخلقك؟ ألم تعلم أن لهذا الهم انقضاء وانتهاء ، ألم تعلم أن الخيرة فيما اختاره الله لك، لم الخوف والقلق ؟ فإن الله أرحم بك من نفسك عليك، وإن له الحكمة التي تخفى عليك، ولو كشف الغيب لك لعلمت أن الأمور تجري على الخير، ولما اخترت إلا ما اختاره الله لك ، ولكن الإنسان خلق عجولا.

 يا صاحب الهم إن الهم منفرج  أبشر بخير فإن الفـــــــــارج الله

 كلما قوي إيمان العبد، كلما رضي عن ربه وقدره ، وكلما قوي إيمان العبد، كلما سار مع القدر حيث يسير به ؛ فالبعض يتعب نفسه بشيء لم يكلفه الله به، فتراه يعطل كل مصالحه، ليرفع هذا البلاء، وكأنه هو المكلف بذلك، ويسوء ظنه بربه، فأقول لأمثال هؤلاء، هونوا على أنفسكم، فلن تغيروا قدر الله ، فقط افعلوا الأسباب وتوكلوا على الله فلن يكون إلا ما قدره الله ، اللهم اجعلنا على بلائك صابرين، ولقضائك راضين ، فالبلاء مهما عظم سينجلي ولا شك، كالليل يعقبه النهار.

أشد الناس بلاء الأنبياء

ومن تأمل تاريخ الأمم قبلنا، وسيرة خير خلق الله من هذه الأمة علم ذلك يقينا، كم من بلاء وقع عليهم ثم انجلى، لقد قص الله علينا من أخبارهم لنتأسى بهم في صبرهم ، وأشد الناس بلاء وكربا في الحياة هم الأنبياء؛ قال عليه الصلاة والسلام “إن أشد الناس بلاء: الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل” (رواه النسائي) ، فقد لبث نوح عليه السلام في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما، لاقى منهم فيها شدة ومكرا واستكبارا.

قال ابن كثير رحمه الله “وكانوا يقصدون أذاه، ويتواصون قرنا بعد قرن، وجيلا بعد جيل على مخالفته” فدعا على قومه فعمهم الطوفان، ونجاه الله منه ومن قومه؛ قال سبحانه: { فاستجبنا له فنجيناه وأهله من الكرب العظيم } (الأنبياء : 76).

وإبراهيم عليه السلام ابتلي بذبح ابنه إسماعيل ففداه الله بذبح عظيم، وأضرم قومه نارا لإحراقه فجعلها الله عليه بردا وسلاما.

 ويعقوب عليه السلام فقد أحب أبنائه إليه، ثم فقد آخر وبكى على فقدهما حتى جف دمعه وفقد بصره، قال سبحانه: { وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم} (يوسف : 84) فبث شكواه وحزنه إلى الله ، فجمع له ولديه.

ويوسف عليه السلام ألقي في الجب وبيع بثمن بخس ولبث في السجن بضع سنين، وفارق والديه، فاصطفاه الله وجعله من المرسلين، وجمع له أبويه، وجعله على خزائن الأرض، وكان عند قومه مكينا أمينا.

 وفرعون آذى موسى وهارون ومن معهما من المؤمنين، فخرجوا فارين منه، فلحقهم فرعون بجنوده، فكان البحر أمامهم وفرعون بجنده خلفهم، {قال أصحاب موسى إنا لمدركون } (الشعراء :61) فقال موسى عليه السلام { كلا إن معي ربي سيهدين } (الشعراء : 62) فجعل الله لهم البحر طريقا يبسا، فلما جاوزوه أطبق الله البحر على فرعون وجنوده، فكانوا من الهالكين، قال تعالى { ولقد مننا على موسى وهارون * ونجيناهما وقومهما من الكرب العظيم} (الصافات : 114 -115 ).

 وأيوب عليه السلام طال عليه كرب المرض فما أيس من الله، وكان يدعوه { ربي أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين } (الأنبياء: 83) فرفع الله ضره ووهب له أهله وضعفين معهم.

وزكريا عليه السلام وهن عظمه واشتعل رأسه شيبا وبلغ من الكبر عتيا، وحرم الولد، فدعا ربه نداء خفيا أن يهبه ولدا، فرزقه الله يحيى وأقر عينه بصلاحه، وجعله الله نبيا رسولا ، ومريم عليها السلام كربت بما رميت به من ولادتها بعيسى من غير زوج ، فأنطق الله مولودها وهو في المهد: { إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا } (مريم : 30).

صبر سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم

أما نبينا صلى الله عليه وسلم فيقول الله عز وجل تثبيتا له { واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين } (هود :115) وقال تعالى {واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا وسبح بحمد ربك حين تقوم} (الطور :48) {واتبع ما يوحى إليك واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين} (يونس : 109) لذا حقق عليه الصلاة والسلام أعلى درجات الصبر، وتحمل في سبيل الله أنواع الأذى، فابتلي بأنواع الابتلاءات التي ابتلي بها الرسل، وبما هو أشد منها ، لقد صبر على أذى المشركين في مكة، وعلى أذى اليهود والمنافقين في المدينة، وكلهم حاول قتله غير مرة، وصبر على الابتلاءات العظيمة التي ابتلي بها في نفسه وأهله وولده وقرابته، وصبر على شدة الفاقة والحاجة ، لقد لازمته الابتلاءات منذ صغره ، فولد يتيما، ونشأ فقيرا، وفجع بأمه طفلا لم يتجاوز ست سنوات، والطفل لا ينسى فقد أمه؛ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: “زار النبي صلى الله عليه وسلم قبر أمه، فبكى وأبكى من حوله” (صحيح مسلم) ثم فجع بجده وهو ابن ثمان سنين، فتولى رعايته عمه الفقير أبو طالب، فضمه إلى بنيه، فأعانه النبي وهو طفل برعي الغنم لأهل مكة على قراريط ، هذا اليتيم الفقير أراد الله تعالى أن يكون خاتم المرسلين، وخيره الله أن يكون ملكا رسولا، أو عبدا رسولا، فاختار أن يكون عبدا رسولا ، ولما بعث صلى الله عليه وسلم بالرسالة كانت زوجته خديجة رضي الله عنها المناصرة والمواسية له، وعمه أبو طالب كان يدافع عنه ، وبعد انتهاء الحصار في الشعب الذي استمر ثلاث سنوات وهم يلاقون فيه من الشدة وضيق العيش والمعاناة، إذا به يفجع بموت زوجته خديجة، وعمه أبي طالب، فسمي ذلك العام، عام الحزن، لقد رزق عليه الصلاة والسلام سبعة من الولد: القاسم، وعبد الله، وإبراهيم، ورقية، وأم كلثوم، وزينب، وفاطمة، ماتوا كلهم تباعا قبله، إلا فاطمة رضي الله عنها ماتت بعده.

 يقول أحد الصحابة دخلنا على رسول الله ،وابنه إبراهيم يجود بنفسه، فجعلت عينا رسول الله تذرفان، فقال له عبد الرحمن بن عوف، وأنت يا رسول الله؟! فقال: “يا ابن عوف، إنها رحمة ، إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضى ربنا، وإنا بفراقك، يا إبراهيم، لمحزونون” (صحيح البخاري ).

لقد صبر عليه الصلاة والسلام على قلة ذات اليد، وعانى شظف العيش، ووجد ألم الحرمان، وأحس بقرص الجوع.

تقول عائشة رضي الله عنها “إن كنا لننظر إلى الهلال ثم الهلال، ثلاثة أهلة في شهرين، وما أوقدت في أبيات رسول الله صلى الله عليه وسلم نار” (صحيح البخاري) وقالت رضي الله عنها “ما أكل آل محمد صلى الله عليه وسلم أكلتين في يوم، إلا إحداهما تمر”(صحيح البخاري)، ورت أم المؤمنين رضي الله عنها “ما شبع آل محمد صلى الله عليه وسلم منذ قدم المدينة من طعام البر ثلاث ليال تباعا، حتى قبض” (صحيح البخاري)، “ما شبع آل محمد صلى الله عليه وسلم من خبز الشعير يومين متتابعين، حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم” (صحيح مسلم) ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم:”يبيت الليالي المتتابعة طاويا، وأهله لا يجدون عشاء، وكان أكثر خبزهم خبز الشعير” (صحيح الترمذي).

 وقال النعمان بن بشير رضي الله عنه “لقد رأيت رسول الله يظل اليوم يلتوي ما يجد من الدقل ما يملأ به بطنه ” (صحيح مسلم)، ولقد كان مرضه أشد من مرض غيره، يقول ابن مسعود رضي الله عنه دخلت على رسول الله ، وهو يوعك، فقلت: يا رسول الله! إنك توعك وعكا شديدا. قال: ” أجل ، إني أوعك كما يوعك رجلان منكم” (صحيح البخاري)، وسمته يهودية في خيبر، وسرى السم في جسده الشريف، فعانى منه صداعا شديدا، وألما فظيعا، وهو صابر على ذلك، لا يزيد إذا اشتد به الألم على قوله “وا رأساه!”، تقول عائشة رضي الله عنها: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في مرضه الذي مات فيه: “يا عائشة، ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر، فهذا أوان وجدت انقطاع أبهري من ذلك السم” (رواه البخاري).

 لقد صبر كصبر أولي العزم من الرسل، حتى لقي الله تعالى وهو صابر محتسب ، راض بما قضاه الله وقدره عليه، فصلوات الله وسلامه عليه ، ومن تتبع وقرأ سير فضلاء الأمة أصابهم البلاء ثم انجلى كأن لم يكن، ولكن تحلى أخي الغالي بالرضا والصبر، وسل الله العافية، واعلم أنك على خير، فأمر المؤمن كله خير، قال عليه الصلاة والسلام “عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكانت خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكانت خيرا له” (رواه مسلم) ، فالإنسان في بلاء وشدة حتى يضع قدمه في الجنة.

أسباب رفع البلاء

 وبرحمة الله وفضله شرع سبحانه أسبابا لزوال الخطوب؛ فتوحيد الله هو أسرع مخلص للكروب، وقد فزع إلى ذلك يونس عليه السلام فنجي من الغم؛ قال عليه الصلاة والسلام “دعوة ذي النون: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، ما دعا بها مكروب سبع مرات إلا فرج الله كربه”. (رواه أبو داود) ، قال ابن القيم رحمه الله في الفوائد “لا يلقي في الكرب العظام سوى الشرك، ولا ينجي منها إلا التوحيد، وقد علم المشركون أن التوحيد هو المنجي من المهالك؛ ففرعون نطق بكلمة التوحيد عند غرقه لينجو ولكن بعد فوات الحين.

والتوكل على الله وتفويض الأمر إليه يكشف ما نزل، قال سبحانه: {قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب ثم أنتم تشركون} (الأنعام :64) ولما لجأ الرجل المؤمن من آل فرعون إلى الله كفي شر قومه، قال سبحانه عنه: {وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد * فوقاه الله سيئات ما مكروا وحاق بآل فرعون سوء العذاب} (غافر : 44 -45 ).

والتضرع إلى الله بالدعاء سبب لانكشاف الضر ، قال سبحانه { أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء} (النمل : 62) والصلاة مزيلة للهموم كاشفة للغموم، والله سبحانه أمر بالاستعانة بها عند حلول المصائب، قال سبحانه: {يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة} (البقرة : 153)

وذكر الله أنيس المكروبين، قال جل شأنه {ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون * فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين} (الحجر : 97 -98 ) وكان عليه الصلاة والسلام إذا نزل به كرب قال: “لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات ورب العرش الكريم. (رواه البخاري).

والاسترجاع عزاء لكل مصاب، قال جل شأنه {وبشر الصابرين * الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون} (البقرة : 155 – 156)، وحسبنا الله ونعم الوكيل قالها الخليلان عند الشدائد.

والاستغفار سبب تفريج الخطوب؛ لأن الذنوب هي موجب الكروب، قال سبحانه: { وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون } (الأنفال : 33) والتوبة تحط السيئات وتفرج الكربات، قال تعالى: { وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون } (الأعراف : 168).

ومن عامل الله بالتقوى والطاعة في حال رخائه عامله الله باللطف والإعانة في حال شدته، قال عليه الصلاة والسلام”تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة” (رواه الحاكم). قال أبو سليمان الداراني رحمه الله “من أحسن في ليله كفي في نهاره”.

والتزود من الطاعات تفرج الهموم، قال سبحانه: {ومن يتق الله يجعل له مخرجا * ويرزقه من حيث لا يحتسب} (الطلاق : 2 – 3). .

والصدقة والبر وصلة الرحم سبب زوال المحن، قالت خديجة رضي الله عنها للنبي صلى الله عليه وسلم لما نزل عليه الوحي وخشي على نفسه، قالت له: “كلا والله، لا يخزيك الله أبدا؛ إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق” (رواه البخاري).

 والله وعد عباده بالفرج بعد الشدة، وإذا اشتد الكرب لاح الفرج، وحسن الظن بالله واجب، والتفاؤل بزوال ما نزل من المصائب من حسن المعتقد، قال سبحانه: {فإن مع العسر يسرا * إن مع العسر يسرا} (الشرح : 5 – 6) قال ابن مسعود رضي الله عنه “لو دخل العسر في حجر لجاء اليسر حتى يدخل عليه” والصبر أجره بلا حساب، واختيار الله لعبده أرحم من اختيار العبد لنفسه، ويظل الصبر سراجا لنا في دروب الحياة، ونورا في ظلمات الفتن، ورفيقا في غربة الزمن، حتى مع تسلط الأعداء وضعف الأمة ووهنا ، فلا علاج أنجع من صبر جميل مع إحسان في العمل ، فالصبر ليس تضعفا ومذلة ، إنما عزيمة تقود لصالح القول والعمل ، { إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين} (يوسف : 90) {ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون} (الأنبياء : 35)

جبلت على كدر وأنت تريدها صفوا من الأقذار والأكدار ومكلف الأيام ضد طباعها متطلب في الماء جذوة نار

الصبر يكتسب كما تكتسب سائر الأخلاق، فمن أراد النجاة، فليتروض على الصبر، قال عليه الصلاة والسلام “ومن يتصبر يصبره الله، وما أعطي أحد عطاء خيرا وأوسع من الصبر” (متفق عليه) فمن عاش يتيما فليتذكر يتم النبي صلى الله عليه وسلم ، وصبره، ومن تألم لفراق أحبته وقرابته ، فليتذكر فراق أحبة النبي صلى الله عليه وسلم له، وصبره على ذلك؛ فقد فارقته أمه وفارقه جده في صغره، وفارقه عمه وأعز زوجاته في أصعب الظروف، وفقد أبناءه الثلاثة وثلاثا من بناته ، ومن يعاني من مرض مزمن فليتذكر مرض النبي والسم الذي كان يسري في جسده حتى قتله ، ومن عانى قلة ذات اليد، واهتم لديون ركبته ؛ فليتذكر جوع النبي حين كانت تمر عليه ثلاث ليال طاويا ، ومات صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة في شيء من شعير ، ومن أوذي في الله تعالى، فليتذكر أن النبي قد أوذي بما هو أشد وأكثر، فقابل الأذى بالحلم والصفح والصبر؛ حتى أظهره الله تعالى وأعلى شأنه ورفع ذكره ودحر أعداءه، وما نال صلى الله عليه وسلم ذلك إلا بالصبر والتقوى.

 والصبر أخي القارئ : ثلاثة أقسام: صبر على طاعة الله، وصبر عن معصية الله، وثالثها الصبر على أقدار الله المؤلمة.

فالنوع الأول أعظمها؛ لأن العبادات شاقة على النفوس؛ وتحتاج إلى مصابرة ومجاهدة!

والقسم الثاني: الصبر عن الوقوع فيما حرم الله تعالى، وذلك بكف النفس عن أن تفعل محرما أو تقصر في واجب ، وآفة المنكرات في هذا الزمن، النظر الحرام! حتى صار الوصول إلى الحرام أقرب إلى أحدنا من كل شيء! ذلك أن النفس ميالة إلى الآثام، تواقة إلى الشهوات، فإن لم نلجمها بالتقوى والصبر والإيمان، تلطخنا بالأوزار والآثام!

وأما القسم الثالث: فهو صبر على أقدار الله المؤلمة وعلى مصائب الحياة المتنوعة، من منا لم يصب بمرض؟! من من البشر لم يفقد مالا أو قريبا أو عزيزا ؟! ومن منا لم يتعرض لفتنة وبلية { ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين} (البقرة : 155).

 والناس عند المصائب قسمان: قسم جازع ساخط مهلك نفسه بالأسى والحسرة، فهو قد جمع على نفسه مصيبتين، فوات المحبوب، وفوات الأجر العظيم الذي رتبه الله للصابرين! وقسم راض بقضاء الله وقدره، فهؤلاء بشرهم ببشارة الله لهم (وبشر الصابرين).

روى صهيب بن سنان الرومي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “عجبا لأمر المؤمن؛ إن أمره كله له خير؛ إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له، وليس ذلك لأحد غير المؤمن”  (رواه مسلم).

اللهم اجعلنا ممن إذا أعطي شكر، وإذا ابتلي صبر، وإذا أذنب استغفر، آمنا بالله وتوكلنا عليه (على الله توكلنا ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين)

اللهم يا الله: إن لم يكن بك غضب علينا فلا نبالي، ولكن عافيتك أوسع لنا، نعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بنا غضبك، أو تحل علينا سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك. آمين.