صدر عن دار Télémaque الفرنسية، ، كتاب للصحفي والكاتب المتخصص في قضايا الإعلام والاتصال الحديث جاك هينو، بعنوان: «لماذا ينبغي لأطفالنا أن يهجروا وسائل التواصل الاجتماعي فورا؟». وهو كتاب يتناول علاقة الأطفال والمراهقين بشبكات التواصل الاجتماعي، ويحاول الإجابة عن سؤال أصبح اليوم أكثر إلحاحا من أي وقت مضى: هل نترك أطفالنا يواجهون العالم الرقمي بمفردهم، وكأنهم قادرون على حماية أنفسهم من مخاطره؟
جاك هينو ليس جديدا على هذا الموضوع. فهو صحفي عمل في مؤسسات إعلامية واقتصادية من بينها «Les Échos» و«Capital»، وحاصل على دكتوراه في علوم الإعلام والاتصال. ومنذ أكثر من خمسة عشر عاما، يدرس في كتبه استخدام الأطفال والمراهقين لوسائل الاتصال الحديثة، كما يقدم بانتظام محاضرات حول الأطفال والشاشات أمام تلاميذ المدارس الابتدائية والإعدادية والثانوية.
ويأتي كتابه في وقت أصبحت فيه الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية وشبكات التواصل الاجتماعي جزءا أساسيا من الحياة اليومية للأجيال الجديدة. غير أن هينو لا ينظر إلى هذه الوسائل باعتبارها مجرد أدوات محايدة، بل يحاول كشف الطريقة التي تعمل بها والمنظومة التي تقف وراءها، والمخاطر التي يمكن أن تنتج عن ترك الأطفال أمامها من دون توجيه أو حدود واضحة.
الطفل ليس بالغا صغيرا
ربما تكون هذه هي النقطة التي تستحق أكبر قدر من التأمل.
هل يمكن حقا أن نعطي طفلا في الثامنة من عمره هاتفا ذكيا أو جهازا لوحيا، ونتركه يفعل به ما يشاء، ثم نفترض أنه قادر وحده على حماية نفسه؟
هل يستطيع طفل في هذا العمر أن يعرف دائما الفرق بين المحتوى المفيد والمحتوى الضار؟ وهل يمتلك القدرة النفسية والعقلية على مقاومة مقاطع الفيديو المتتالية، والإشعارات، والألعاب، والإعلانات، والمحتويات المثيرة، والتواصل مع أشخاص لا يعرفهم؟
الطفل لا يزال في مرحلة بناء شخصيته وقدراته على التمييز واتخاذ القرار. ولذلك فإن تركه أمام عالم رقمي مفتوح، من دون رقابة أو توجيه، يعني في كثير من الأحيان افتراض درجة من النضج لم يصل إليها بعد.
فالطفل الذي يحتاج إلى والديه لكي يتعلم قواعد عبور الطريق، وتنظيم وقته، واختيار ما يناسبه، والتعامل مع الآخرين، لا يمكن أن نفترض أنه أصبح فجأة قادرا على حماية نفسه في عالم رقمي لا يعرف حدوده.
المشكلة إذن ليست في عدم الثقة بالطفل، وإنما في الاعتراف بحقيقة بسيطة:
الأطفال يحتاجون إلى الحماية والتوجيه قبل أن يصبحوا قادرين على حماية أنفسهم.
الجهاز مصدر للتشتت
ولا تتوقف المسألة عند الاستخدام المنزلي. فالأجهزة اللوحية (Tablettes) أصبحت حاضرة أيضا في عدد من المدارس والمؤسسات التعليمية، حيث يمكن أن تكون أداة مفيدة للبحث والقراءة والتمارين التفاعلية والوصول إلى مصادر تعليمية متنوعة.
ولا شك أن التكنولوجيا يمكن أن تقدم فوائد كبيرة للتعليم إذا استخدمت في إطار تربوي واضح، وتحت إشراف المعلم، لكن الجهاز نفسه يمكن أن يتحول إلى مصدر للتشتت إذا غابت الرقابة والتنظيم.
فالتلميذ الذي يبدأ الحصة باستخدام الجهاز لمتابعة درس أو إنجاز تمرين قد يجد أمامه فرصة للانتقال إلى لعبة، أو مشاهدة مقطع فيديو، أو التواصل مع زملائه، بينما يجد المعلم نفسه مضطرا إلى بذل جهد إضافي لإعادة التلاميذ إلى الدرس.
وهنا تظهر مفارقة لافتة: الجهاز الذي يدخل إلى الفصل بهدف تحسين التعلم يمكن أن يتحول، إذا غاب التنظيم والإشراف، إلى وسيلة للهروب من التعلم.
ولهذا لا ينبغي أن يكون السؤال: هل التكنولوجيا جيدة أم سيئة؟ بل كيف نستخدمها؟ ومتى؟ ولأي عمر؟ ولأي غرض؟ ومن يراقب هذا الاستخدام؟
فالجهاز اللوحي ليس معلماً، والهاتف ليس مربياً، والخوارزمية لا تعرف بالضرورة ما هو الأفضل للطفل.
اقتصاد الانتباه… كيف تجعل المنصات الطفل يستمر؟
يقدم كتاب جاك هينو شرحا لوظائف شبكات التواصل الاجتماعي وكيفية استخدامها من جانب الأطفال والمراهقين، كما يتناول الطريقة التي تعمل بها هذه المنصات على جذب الانتباه والمحافظة عليه. وتشير المصادر التي تعرض الكتاب إلى أن المؤلف يشرح للآباء آليات عمل المنصات وخوارزمياتها، ويقترح وسائل عملية لمساعدة الأبناء على التحكم في استهلاكهم الرقمي.
فالمنصات مثل TikTok وInstagram وYouTube وSnapchat وغيرها لا تكتفي بتقديم المحتوى الذي يبحث عنه المستخدم؛ بل تقترح عليه باستمرار محتويات جديدة بناءً على اهتماماته وسلوكه السابق.
وهكذا يمكن أن ينتقل الطفل من فيديو إلى آخر، ومن إشعار إلى آخر، ومن محادثة إلى أخرى، حتى تمر ساعات من دون أن يشعر.
وهنا تكمن قوة ما يسمى»: اقتصاد الانتباه: «كل دقيقة إضافية يقضيها المستخدم على المنصة لها قيمة اقتصادية، ولذلك تصبح المحافظة على انتباهه هدفاً أساسياً.
والطفل، في هذه الحالة، يدخل في مواجهة غير متكافئة مع أنظمة تقنية صممتها شركات تملك موارد هائلة لتحليل سلوك المستخدم ومحاولة إبقائه متصلً.
مخاطر تتجاوز وقت الشاشة
لا يحصر هينو المشكلة في عدد الساعات التي يقضيها الطفل أمام الشاشة. فالكتاب يتناول مجموعة واسعة من المخاطر: الإدمان السلوكي، والعزلة والضيق النفسي، والتعرض لمحتويات إباحية، وتبادل الصور الحميمة، والأخبار الزائفة، والتراجع الدراسي، وقلة الحركة، والسمنة، ونقص النوم، إضافة إلى التنمر الإلكتروني. كما يقدم الكتاب نصائح للآباء حول مراقبة الاستخدام والتعامل مع حالات التنمر الإلكتروني.
وتزداد خطورة هذه الظواهر عندما يصبح الطفل أسيراً للمقارنة المستمرة مع الآخرين.
عدد المتابعين، عدد الإعجابات، التعليقات، الصور المثالية، الأجساد المثالية، الرحلات، الحفلات، والنجاحات التي تظهر على الشاشة… كلها يمكن أن تجعل المراهق يقارن حياته الواقعية بما يراه في عالم افتراضي غالبا ما يعرض صورة منتقاة ومصطنعة عن حياة الآخرين.
ومن هنا قد تنشأ مشاعر النقص والقلق وعدم الرضا عن الذات.
الكتاب لا يكتفي بالتحذير
ومن المهم ألا يُفهم الكتاب على أنه مجرد دعوة إلى مصادرة الهواتف أو قطع الأطفال عن التكنولوجيا.
فالكتاب يقدم أيضاً حلولاً عملية للآباء: كيف يتحدثون مع أبنائهم عن هذه المنصات، وكيف يضعون حدوداً لاستخدام الأجهزة، وكيف يستخدمون أدوات الرقابة الأبوية، وكيف يتعاملون مع التنمر الإلكتروني. كما يتضمن دليلاً عملياً لمساعدة الأسر على التحكم في استخدام الأطفال لهذه الوسائل.
وهذا الجانب مهم، لأن المنع وحده لا يكفي.فالطفل سيعيش في عالم رقمي عاجلاً أم آجلاً، والمطلوب ليس فقط إبعاده عن الخطر، وإنما تعليمه أيضاً كيف يفهم هذا العالم وكيف يتعامل معه.
اليوم، وبعد أكثر من ثلاث سنوات على صدور الكتاب، تبدو الأسئلة التي طرحها جاك هينو أكثر ارتباطاً بالواقع من أي وقت مضى.
ففي فرنسا، أقر البرلمان نهائياً في 21 يوليو/تموز 2026 قانوناً يهدف إلى حماية القاصرين من مخاطر شبكات التواصل الاجتماعي، وينص على منع الوصول إلى خدمات شبكات التواصل الاجتماعي للقاصرين دون الخامسة عشرة. وقد أقر مجلس الشيوخ النص في اليوم نفسه، بعدما وافقت الجمعية الوطنية أيضاً على نتائج لجنة التوفيق البرلمانية، فأصبح النص معتمداً بشكل نهائي.
ومن المقرر أن يدخل هذا الحكم حيز التنفيذ في 1 سبتمبر/أيلول 2026، بينما تخضع الحسابات التي أُنشئت قبل هذا التاريخ للمنع بعد انقضاء أربعة أشهر، وفقاً للنص المعتمد. كما يستثني القانون بعض الخدمات ذات الطبيعة التعليمية أو العلمية، مثل الموسوعات الإلكترونية والأدلة التعليمية والعلمية ومنصات تطوير البرمجيات الحرة ذات الطابع التعليمي.
وهذا التطور يحمل دلالة سياسية مهمة: حماية الطفل من مخاطر العالم الرقمي لم تعد مسألة تترك للأسرة وحدها، بل أصبحت موضوعاً للتشريع والتدخل الحكومي.
“ميتا” أمام القضاء : 942 مليون دولار!
وفي الولايات المتحدة، أخذ النقاش منحى قضائياً أكثر قوة، وفي ولاية نيو مكسيكو، واجهت شركة «ميتا»، المالكة لفيسبوك وإنستغرام، قضية تتعلق بسلامة الأطفال والمراهقين على منصاتها.
وفي المرحلة الأولى من المحاكمة، صدر حكم بمبلغ 375 مليون دولار بعد أن خلصت هيئة المحلفين إلى أن ميتا ألحقت ضرراً بالصحة النفسية للأطفال وأنها أخفت ما كانت تعرفه بشأن الاستغلال الجنسي للأطفال على منصاتها.
ثم صدر في أغسطس/آب 2026 حكم آخر أضاف 567 مليون دولار، لتصل المسؤولية المالية الإجمالية في القضية إلى 942 مليون دولار. كما أمر القاضي الشركة باتخاذ إجراءات إضافية لحماية المستخدمين الذين تقل أعمارهم عن 18 عاماً، من بينها تحسين آليات التحقق من العمر، والحد من بعض الخصائص التي تعزز الاستخدام الإدماني، واتخاذ تدابير إضافية لمواجهة استغلال الأطفال.
ومن المقرر تخصيص جزء كبير من المبلغ لخدمات علاجية ودعم الشباب، فيما تذهب مبالغ أخرى إلى برامج التوعية والوقاية والفحص خلال السنوات المقبلة. وقد أعلنت «ميتا» أنها ستستأنف الحكم، مؤكدة أنها تعمل على حماية المستخدمين وأنها لا توافق على الاتهامات الموجهة إليها.
وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحاً إذا كانت الشركات قادرة على تصميم خوارزميات شديدة القوة لجذب انتباه الأطفال، أفلا يجب أن تكون قادرة أيضاً على توفير الحماية اللازمة لهم؟
بين الأسرة والمدرسة والشركات والدولة
إن حماية الأطفال من مخاطر وسائل التواصل الاجتماعي لا يمكن أن تكون مسؤولية طرف واحد، الأسرة لها الدور الأساسي في التربية والتوجيه، والمدرسة لها دور في تعليم الاستخدام السليم للتكنولوجيا، والدولة مطالبة بوضع القوانين التي تحمي القاصرين، بينما تتحمل شركات التكنولوجيا مسؤولية كبيرة في تصميم منصاتها وفي الأدوات التي توفرها لحماية المستخدمين الصغار.
والأهم هو ألا ننظر إلى الطفل باعتباره «بالغا صغيرا» قادرا على اتخاذ جميع القرارات بنفسه. فإعطاء الطفل هاتفا ذكيا لا يعني أنه أصبح قادرا على استخدامه بشكل آمن.وإعطاءه جهازا لوحيا في المدرسة لا يعني بالضرورة أنه سيستخدمه دائماً للتعلم.
وتوفير حساب على شبكة اجتماعية لا يعني أنه يعرف كيف يتعامل مع التنمر أو الاستدراج أو المحتويات الخطرة أو الضغط النفسي الناتج عن المقارنة بالآخرين.
الأداة قد تكون ذكية، لكن مستخدمها الطفل لا يزال في طور النمو.
وماذا عن أطفالنا في العالم العربي الاسلامي؟
وبعد أن اتجهت فرنسا إلى منع شبكات التواصل الاجتماعي عن الأطفال دون الخامسة عشرة، وبعد أن سبقتها دول أخرى إلى فرض قيود وتشريعات أكثر صرامة لحماية القاصرين في العالم الرقمي، يبرز سؤال لا يمكن تجاهله: متى تبدأ بلداننا العربية والإسلامية في اتخاذ خطوات جدية لحماية أطفالها من مخاطر هذه المنصات؟
فأطفالنا ليسوا بمنأى عن هذه المخاطر. فهم يتعرضون، مثل غيرهم من أطفال العالم، للإدمان الرقمي، والتنمر الإلكتروني، والمحتويات غير المناسبة، والاستغلال، والتواصل مع الغرباء، والاضطرابات المرتبطة بالنوم والتركيز والتحصيل الدراسي.
إن حماية الأطفال في العالم الرقمي ليست قضية غربية أو شرقية، ولا ينبغي أن تنتظر وقوع المزيد من الأضرار حتى نتحرك. وإذا كانت دول مثل فرنسا قد بدأت في وضع حدود قانونية واضحة لحماية من هم دون الخامسة عشرة، فإن السؤال المطروح أمام بلداننا ليس ما إذا كانت التكنولوجيا مفيدة أو ضارة، وإنما كيف نضمن أن يستفيد أطفالنا منها من دون أن تتحول إلى مصدر خطر عليهم؟
لقد آن الأوان، ربما، لأن ينتقل النقاش في مجتمعاتنا من سؤال: «متى نعطي الطفل هاتفاً؟» إلى سؤال أكثر أهمية: «كيف نحمي الطفل عندما نعطيه هاتفاً؟»
فالأطفال أمانة، وحمايتهم في العالم الرقمي لا تقل أهمية عن حمايتهم في العالم الواقعي.
كتاب سبق النقاش العام
من هنا تأتي أهمية كتاب جاك هينو اليوم فهذا الكتاب الذي صدر في عام 2023، إلا أن يتحدث عن قضية أصبحت في عام 2026 م على طاولة البرلمان الفرنسي وفي قاعات المحاكم الأمريكية.
وقد يكون أهم ما يقدمه الكتاب أنه يدفعنا إلى تغيير السؤال. فبدلا من أن نسأل فقط:م من الوقت يقضي أطفالنا أمام الشاشات؟
علينا أن نسأل: ماذا يفعلون أمام هذه الشاشات؟ ومن يقرر ما الذي يرونه؟ ولماذا يعرض عليهم هذا المحتوى؟ وهل نتركهم وحدهم أمام منظومة صُممت لجذب انتباههم؟
إن التكنولوجيا ليست عدوا في حد ذاتها. والهاتف الذكي والجهاز اللوحي يمكن أن يكونا وسيلتين للتعلم والمعرفة والتواصل.
لكن التكنولوجيا تصبح مشكلة عندما تعطى لطفل صغير من دون حدود، ومن دون متابعة، ومن دون أن يكون قد اكتسب القدرة على فهم المخاطر المحيطة به.
وربما تختصر هذه الفكرة جوهر رسالة جاك هينو:الأطفال ليسوا بالغين صغارا، والعالم الرقمي ليس مكانا يمكن أن نتركهم فيه وحدهم ثم نطلب منهم أن يعرفوا كيف يحمون أنفسهم.
واليوم، مع تشديد فرنسا قوانينها لحماية من هم دون الخامسة عشرة، ومع مطالبة القضاء الأمريكي شركة «ميتا» بدفع 942 مليون دولار واتخاذ إجراءات جديدة لحماية القاصرين، يبدو أن السؤال الذي طرحه هينو قبل سنوات لم يعد مجرد تحذير في كتاب.
لقد أصبح سؤالا سياسيا وقانونيا واجتماعيا يخص مستقبل أطفالنا.