“محمَّـــد كُــرد علــي ” .. علاّمة الشام ومحامي لغة الضــاد

كرد علي

هل يوجد الآن نظير أوْ شبيه لهذا العروبي الشامخ؟  هل يستطع أحد في هذا الزمان أن يقوم مقامه، أوْ يفري فريّه؟ هل تجود الحياةُ – مرةً أخرى- بمثل هذا العبقري الفــذ؟  بئسَ الحياة إنْ لم يكن بها رجال أجلاّء من هذا المعدن النفيس! إنه علاّمة الشام (محمَّـــد كُــرد علــي) أعظم شخصية عربية وطئتْ “أرض الكنانة”، وأسّس الصحف، وملأ المجلاّت بالمقالات البديعة، وصار عضواً في المجمع اللغوي! 

في أوائل النصف الأول من القرن العشرين؛ حلّ الفتى “محمَّـــد كُــرد علــي” ضيفاً على مصر، وانبهر بدروس الإمام “محمد عبده” -التي كان يلقيها بالجامع الأزهر بعد صلاة العصر- فصار تلميذاً نجيباً له، وخالطَ أدباء ذلك العصر ونوابغه، كحافظ وشوقي ومطران، والمازني والزيّات والمنفلوطي … الذين لمسوا ذكاءه، وأفسحوا له الطريق، وأنزلوه منزلته اللائقة به!

من جانبه؛ قابلَ الحسنةَ بمثلها، وأثرى الحياة الفكرية وخلَقَ مناخاً ثقافياً غير معهود؛ فقد تولَّى رئاسة تحرير جريدة “الرائد المصري”، ثمّ أنشأ مجلة “المقتبس” الثقافية؛ حيث نشر فيها البحوث العلمية والأدبية والتاريخية، بجانب تحريره جريدة “الظاهر” اليومية، كما عمل -أيضًا- بجريدة “المؤيد” التي كانت كبرى الجرائد بالعالَم الإسلامي في ذلك الوقت! إضافة إلى مقالاته المُدويّة التي نشرها في “الأهرام” و”الثقافة” و”الرسالة” و”المُقتطف” و”الهلال”!

ليس هذا فحسب؛ فقد ألَّفَ عشرات الكتب التي احتفَت بالحضارة العربية والإسلامية، وله في التاريخ ثلاثة مؤلَّفات رائعة: “غابِر الأندلس وحاضرها”، “خطط الشام”، “غوطة دمشق”. كما ترجم بعض الكتب عن الفرنسية مثل كتاب “تاريخ الحضارة”، ووضع كتابًا عن مشاهداته في فرنسا سمَّاه «غرائب الغرب».

 إنه (محمَّـــد كُــرد علــي) الذي قال عنه المفكّر العراقي “محمَّد بهجة الأثري”: “إنه أمَّة في رجل، أهَّلته مواهبه العديدة لأن يكون أحد بُناة النهضة الحديثة وقادتها الكِبار في بلاد العرب، وسيرته مثالٌ ناصِعٌ لمضاءِ العزيمةِ وخلوص النيَّة وصدق العمل وحبّ الخير وإرادة الإصلاح”.

وعندما سافر إلى بلده؛ أنشأ أول مَجمع للُّغة العربية بدمشق عام ١٩١٩م، وظل رئيسًا له حتى وفاته، الأمر الذي شهد له به الأمير مصطفى الشّهابي بالقول: “لو لم يكن لمُحمَّد كُرد علي من فضلٍ على الأمَّة العربية ولغتها إلاّ إيجاد المجمع ورعايته، لكفاه فخراً”.

بالرغم من انتماء “محمَّد كُرد علي” لأمٍّ شركسية وأُسرةٍ من أكراد السليمانية بالعراق، إلاَّ أنه لم يخضع لذاك الانتماء، بلْ صار واحداً من ألمعِ العروبيين والمُنافحين عن اللغة العربية، ومن أشدِّ المُدافعين عن الحضارةِ الإسلاميةِ ضد الغربية، وقد ساعده على ذلك معرفته القويّة واطّلاعه الواسع على العلوم العربية والإسلامية … فقد كان يؤمن بأنَّ العروبة لا تنفصل عن الإسلام في شيء، لذا وقف بالمِرصاد للشعوبيين، يردُّ طعونَهم على العرب والإسلام، ويُفنِّد حجَجَهم بحجَجٍ دامغة وبراهين ناصعة. كما حفلَ كتابه “الإسلام والحضارة الغربية” بالكثير من النقولات عن الأعلام الأجانب المُنصِفين، وتتبَّع المقالات المُسيئة للشعوبيين والمُستشرقين مُناقِشاً ومُفَنِّداً إيَّاها، وله في هذا السياق مؤلَّفاتٌ أخرى مثل: غرائب الغرب، الإدارة في عزّ العرب، أقوالنا وأفعالنا، كنوزُ الأجدادِ، وأيضاً ترجمته كتاب “تاريخ الحضارة” لشارل سنيوبوس.

لم يقف “كُــرد علي” في معركته من أجل الحضارة ولغتها موقفَ ردِّ الفِعل، بل عَمَد إلى الفعلِ المؤثِّرِ حينَ سخّر “المجمعَ اللغوي” للدفاع عن لغة الضاد، وواجه بحزمٍ الدعوات لكتابة العربية بالحروف اللاتينية، وحذَّرَ كثيراً من أخطارٍ بعينها تُحيق باللغة العربية، لخَّصها في ثلاثة محاذير: “اختراع خط جديد يُراد به الاستغناء عن الشكل، وتبسيط قواعد اللغة العربية، واختيار الحروف اللاتينية لكتابة الحروف العربية”.

إنّني أنصح بقراءة مؤلفات هذا الكاتب العملاق -فهو أعظم كاتب بعد عباس العقّـــاد- سيّما كتابه (أقوالنـــا وأفعالنـــا) المملوء بالحكم والأمثال والعبر البليغة: كقوله:

-“أرادني الناسُ أن أعاشرهم بأخلاقهم فما أفلحوا، وأردتُ أن أعاشرهم بأخلاقي فما أفلحت”!

– “ليس من شيمة الشريف أن يشمت بمصائب مَن لا يحبهم، فالشماتة خُلُق الأدنياء”!

– “في الشرق يَعدّون الكُتُب من الكماليات، خلافًا للإفرنج فإنهم يعدّونها من الحاجيّات”!

 – “فضائل الأمهات تسري في أرواح أولادهنّ سريان الرائحة الطيبة في الثوب النظيف”!

 – “لا تطرح أفكارك على مَن لا يُرجى انتفاعهم منها ويحتقرونها في باطنهم”!

  عندما أصدر “العقّــــاد” كتابه الشهير (عبقرية الإمام)؛ سأله كُرد علي: نأمل يا أستاذنا أن تُصدر لنا “عبقرية معاوية”. فردّ العقّاد قائلا: إنّ صاحبك –يقصد معاوية- أجلبَ على الدنيا بخيله ورجله حتى صار مَلكاً عليها؛ أكانَ يريد منّا بعد موته أن نخرّ له ساجدين!!

رحم اللهُ علاّمة الشام الذي قضى ( 77 عاماً) في نشر العِلم، والدفاع عن اللغةِ العربيةِ والإسلام في جميع المنابر والمؤلَّفات والمؤتمرات والمَناصِب التي شغلها … إلى أن تُوفِّي –رحمه الله- ودُفن بدمشق، بجوار قبر “معاوية بن أبي سفيان !!

المواد المنشورة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي إسلام أون لاين