هذه الدراسة للأستاذ الدكتور ماهر عبدالقادر محمد، أستاذ تاريخ وفلسفة العلوم بجامعة الإسكندرية تأتي لتكشف عن الإبداع الذي تمتع به العلم العربي الإسلامي في الفترة الممتدة ما بين القرنين الرابع والخامس الهجريين ، وما امتاز به من دافعية قوية زودت الباحثين والعلماء ، فى الشرق والغرب على السواء، بأمثلة ونماذج حية أدت إلى تقدم العلم وتطوره بالصورة التى جعلت العلم الأوروبي ينهض على تصورات العلم العربي؛ بل ويطورها ويجعل منها رافدًا مهمًا من روافد المعرفة العلمية.
ومن ثم تقدم لنا هذه الدراسة بعض النماذج المهمة للعلم العربي، والتى يمكن القول إنها أثرت بقوة فى العلم الأوروبي وتطوره إبان فترة عصر النهضة وما بعدها . وهذه النماذج هي :
ولابد أن نتنبه إلى أن هذه الدراسة ليست سوى مؤشرٍ دلالي على قوة العلم العربى وتماسكه منهجًا وموضوعًا، وعلى فاعلية المنظورالذى طبقه العلماء فى العلوم التى اُنتجت ، أو التى دمغت بالطابع الإسلامى بصفة عامة، وعلى التأثير الفاعل فى الثقافات والحضارات الأخرى، وهذه مسألة تاريخية مهمة، يعرفها كل من يقرأ العلم العربي ويحاول الوقوف على بنية العلوم الإسلامية. إنها حقيقة رسخت فى وجدان علماء اللاتينين في العصور الوسطى، وتعاملوا معها على أنها الحل الأمثل للخروج بأوروبا من حالة الركود والتخلف الثقافي إلى آفاق الانطلاق والمعرفة الخلاقة .
ومن جانب آخر فإن دلالة هذه الدراسة تتمثل فى أنها تمهد الطريق لكشف المفاتيح الفاعلة فى النهضة الأوروبية التى يرى بعض الإيديولوجيين الجدد من المستشرقين أن النهضة الأوروبية الحديثة كانت مقطوعة الصلة بالعلم العربى ، أو ربما ،بحسب رأي بعض الكتاب العرب المعاصرين ممن يثقون فى العقل الأوروبي وتوجهاته ويتابعون الموقف الإيديولوجي للمستشرقين بعد تحولهم عن جادة الماركسية، أن العلم الأوروبي الحديث الذى بدأ ينطلق اعتباراً من عصر النهضة أحدث نوعاً من القطيعة المعرفية مع العلوم السابقة، سواء أكانت علوم الغرب الوسيط أو علوم العرب التى أخذوا منها .
لذا كان من الضروري أن تُبيِنُ هذه الدراسة إلى أى حد كانت للعلماء المسلمين الريادة العلمية فى عصر النهضة، وكيف أن العلوم الإسلامية أفادت الغرب الحديث بصورة فاعلة فى نهضته العلمية والثقافية، قبل أن يتوصل علماء أوروبا إلى تطوير ما بأيديهم من علوم ورثوها عن العرب والمسلمين.