يرن الهاتف من رقم يبدأ بالمفتاح المحلي. صوت هادئ ومهني: “معك أحمد من إدارة مكافحة الاحتيال في البنك. رصدنا محاولة سحب من بطاقتكم بمبلغ ثلاثة آلاف من دولة أخرى. هل قمتم بهذه العملية؟”. تُنكر بطبيعة الحال، فيطمئنك: “لا تقلق، سنوقف العملية الآن، فقط أحتاج تأكيد هويتك. سيصلك رمز على هاتفك، أرجو قراءته لي”.
الرمز الذي وصلك هو رمز تحويل من حسابك، والصوت الهادئ كان ينفّذ عملية السرقة بيديك.
تناولنا في المقال السابق التصيّد عبر الرسائل والروابط. في هذا المقال ننتقل إلى الشكل الأكثر جرأة وربحاً للمحتالين: انتحال صفة جهة رسمية، سواء كانت بنكاً أو جهة حكومية أو شركة كبرى، عبر الهاتف أو الرسائل أو حتى بمقابلة شخصية. هذا الشكل يستهدف أغلى ما تملكه الأسرة: مدخراتها، وثقتها بالمؤسسات.
لماذا ينجح انتحال الصفة؟
تربّينا على احترام الجهات الرسمية والاستجابة لها، وهذا سلوك صحيح ومطلوب في المجتمع. المحتال يعرف ذلك ويستثمره. عندما يقول “أنا من الشرطة” أو “من البنك المركزي”، فإنه يستعير في لحظة واحدة سلطة مؤسسة كاملة، ويضعك في موقع من يُطلب منه الامتثال لا التساؤل.
يضاف إلى ذلك ثلاثة عوامل تقنية جعلت الانتحال أسهل من أي وقت مضى:
- تزييف رقم المتصل (Caller ID Spoofing): يستطيع المحتال أن يجعل رقم البنك الحقيقي يظهر على شاشتك أثناء المكالمة. ظهور الرقم الرسمي لم يعد دليلاً على شيء.
- تسريبات البيانات: كثير من المحتالين يبدأ المكالمة وهو يعرف اسمك الكامل، والأرقام الأخيرة من بطاقتك، وأحياناً آخر عملية شراء قمت بها، لأن هذه البيانات سُرّبت من جهة ما. معرفته بتفاصيلك لا تعني أنه من الجهة التي يدّعيها.
- الأصوات المستنسخة بالذكاء الاصطناعي: ظهرت حالات لمكالمات بصوت قريب يطلب مالاً عاجلاً، وأخرى بأصوات تحاكي موظفي خدمة العملاء بلهجات محلية متقنة.
السيناريوهات الأكثر تكراراً
بحكم عملي في تدريب الكوادر الأمنية على الجرائم الإلكترونية، تتكرر أمامي مجموعة محدودة من السيناريوهات بنسخ مختلفة. معرفة هذه القوالب تعني أنك ستتعرف على المحتال من جملته الأولى.
| ما يريده المحتال فعلاً | الجملة المفتاحية | السيناريو |
| رمز التحقق OTP أو بيانات البطاقة | “رصدنا عملية مشبوهة، نحتاج تأكيد هويتك” | إيقاف البطاقة أو الحساب |
| تسجيل دخول على صفحة مزيفة | “بطاقتك ستتوقف ما لم تحدّث بياناتك اليوم” | تحديث البيانات |
| تحويل مالي “لإثبات حسن النية” أو بيانات شخصية | “هناك بلاغ أو قضية باسمك، لتسوية الأمر اليوم…” | الشرطة أو النيابة |
| مبلغ صغير يفتح الباب لسرقة بيانات البطاقة | “طردك محتجز، ادفع رسوماً بسيطة للإفراج عنه” | الجمارك والطرود |
| بيانات الحساب البنكي | “لديك مبلغ مسترد أو دعم حكومي، أدخل بيانات حسابك لاستلامه” | الجهات الحكومية والمكافآت |
| رمز يُستخدم لاختطاف رقمك أو حسابات مرتبطة به | “هناك مشكلة في خطك، سنرسل رمزاً لتفعيله” | شركة الاتصالات |
| استغلال الرغبة في الخير لسرقة الأموال | “حملة إغاثة عاجلة، تبرّع عبر هذا الرابط” | الجهات الخيرية |
| رسوم مقدمة ثم بيانات شخصية للاحتيال لاحقاً | “وظيفة عن بعد براتب مجزٍ، فقط ادفع رسوم التسجيل” | العروض الوظيفية والاستثمار |
يلاحظ القارئ أن معظم هذه السيناريوهات ينتهي إلى مطلبين لا ثالث لهما: رمز التحقق، أو تحويل مالي. أي مكالمة تنتهي إلى أحدهما هي احتيال حتى يثبت العكس.

ما تفعله الجهات الرسمية، وما لا تفعله أبداً
هذا الجدول يستحق أن يُطبع ويُعلّق في البيت. السطر الأيمن منه هو خط الدفاع الأول للأسرة كلها.
| الجهة الحقيقية قد تفعل | الجهة الحقيقية لا تفعل أبداً |
| تتصل لتنبيهك بعملية مشبوهة وتطلب منك التوجه إلى الفرع أو التطبيق | تطلب رمز التحقق OTP أو الرقم السري بأي وسيلة |
| ترسل إشعاراً عبر التطبيق الرسمي | تطلب تحويل أموال إلى “حساب آمن” أو “حساب مؤقت” |
| تطلب منك الاتصال بها على رقمها المعلن | تهددك بالسجن أو الإغلاق خلال ساعات إذا لم تتصرف فوراً |
| تمنحك وقتاً للتحقق والمراجعة | تطلب منك السرية وعدم إخبار أحد |
| تخاطبك من قنواتها الرسمية | ترسل روابط تسجيل دخول عبر رسائل نصية أو واتساب |
| تسمح لك بإنهاء المكالمة والعودة إليها | تصرّ على بقائك على الخط أثناء تنفيذ الخطوات |
قاعدة تختصر الجدول كله: الجهة الحقيقية لا تحتاج منك شيئاً لا تملكه هي أصلاً. البنك يعرف رقم بطاقتك، والشرطة لا تحصّل غرامات عبر واتساب، والجهة الحكومية لا تطلب كلمة مرور حسابك البنكي لتودع فيه مبلغاً.
قاعدة الإغلاق والعودة
هناك سلوك واحد يُبطل كل سيناريوهات الانتحال مهما بلغت إتقاناً:
- أغلق المكالمة، بأدب إن شئت: “سأتصل بكم من الرقم الرسمي”.
- لا تعاود الاتصال على الرقم الذي اتصل بك، ولا على رقم ذكره المتصل.
- ابحث عن الرقم الرسمي بنفسك: من خلف البطاقة، أو من التطبيق الرسمي، أو من الموقع الإلكتروني الذي تكتب عنوانه بيدك.
- اتصل واسأل إن كان هناك فعلاً ما يستدعي التواصل معك.
إذا كان المتصل حقيقياً، فلن يضيرك التأخر خمس دقائق. وإذا كان محتالاً، فقد أفسدت عليه كل شيء. المحتال يعرف ذلك، ولهذا يبذل أقصى جهده لإبقائك على الخط: “لا تغلق، العملية جارية الآن”، “إذا أغلقت سيضيع حقك”. هذا الإلحاح على البقاء هو بحد ذاته الدليل الأوضح على الاحتيال.
إذا وقع الضرر: الدقائق الأولى تحدد حجم الخسارة
سرعة التصرف في الساعة الأولى قد تسترد المبلغ أو معظمه، لأن التحويلات بين البنوك تمر غالباً بمراحل يمكن إيقافها.
- اتصل بالبنك فوراً من الرقم الرسمي، واطلب إيقاف البطاقة وتجميد العملية والإبلاغ عن احتيال. اطلب رقماً مرجعياً للبلاغ.
- غيّر كلمات المرور لحساب البنك والبريد الإلكتروني وأي حساب ذكرت للمحتال أي شيء عنه.
- بلّغ الجهة المختصة بالجرائم الإلكترونية في بلدك عبر قنواتها الرسمية، فمعظم دول المنطقة توفر خطاً ساخناً أو خدمة إبلاغ إلكتروني. احتفظ بسجل المكالمة والرسائل وأرقام المتصل كأدلة.
- بلّغ الجهة التي انتُحلت صفتها، فهي معنية بملاحقة من يسيء لاسمها.
- احذر “موجة الاحتيال الثانية”: بعد أيام قد يتصل بك شخص يدّعي أنه من “فريق استرداد الأموال” ويطلب رسوماً. هو المحتال نفسه أو شريكه.
الأسرة: من يحمي من؟
الاحتيال بانتحال الصفة يستهدف بالدرجة الأولى من يشعر بالمسؤولية ويخشى العواقب: ربّ الأسرة الذي يخاف على راتبه، والأم التي تخاف على مستحقات الأبناء، والجدّ الذي يحترم “الجهة الرسمية” احتراماً لا يحتمل التساؤل. بعض الترتيبات العملية:
- اتفاق أسري صريح: لا أحد في البيت يحوّل مالاً أو يعطي رمزاً استجابة لمكالمة، مهما كانت الجهة، قبل استشارة فرد آخر.
- كلمة سر عائلية: اتفقوا على كلمة أو سؤال لا يعرفه غيركم، يُستخدم عند أي مكالمة طارئة تطلب مالاً بصوت قريب. الأصوات المستنسخة لا تعرف الكلمة.
- حدود التحويل: فعّل في التطبيق البنكي حداً يومياً منخفضاً للتحويلات وإشعارات فورية لكل عملية، خاصة لحسابات كبار السن.
- لا لوم بعد الوقوع: الضحية التي تُلام تكتم الحادثة القادمة. اجعلوا الحديث عن محاولات الاحتيال أمراً عادياً على مائدة العشاء.
خاتمة: الحذر لا ينقص من الاحترام
قد يتساءل البعض: أليس في إغلاق الخط في وجه “موظف البنك” أو “ضابط الشرطة” قلة احترام؟ الجواب أن الجهات الرسمية الحقيقية هي أول من ينصح بهذا السلوك، وتعلن ذلك في حملاتها التوعوية. الاحترام الحقيقي للمؤسسة يكون بحماية اسمها من أن يُستغل، وبالتواصل معها عبر قنواتها الصحيحة. أما الثقة العمياء، فهي ما يراهن عليه المحتال في كل مكالمة.
في المقال القادم نتناول خط الدفاع الذي يجعل سرقة كلمة المرور وحدها بلا قيمة: المصادقة متعددة العوامل، وكيف تفعّلها لكل فرد في الأسرة في أقل من ساعة.