بينما انشغل العالم بمتابعة الطفرة الاقتصادية والسياسية لدولة قطر في عهد صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، كان هناك بناءٌ آخر يرتفع في صمت وثبات، بناء استهدف “العقل والوجدان”. لم تكن رؤية سموه تقتصر على بناء الجسور والمطارات، بل كان مؤمنا بأن النهضة الحقيقية هي تلك التي تستمد قوتها من القيم الإسلامية وتتسلح بـ التعليم الحديث.

لقد نجح الأمير الوالد في خلق توليفة فريدة جعلت من قطر منارة تجمع بين “الأصالة والمعاصرة”، وفيما يلي إضاءة على أبرز إنجازاته في هذه الميادين الحيوية:

في ميدان خدمة الإسلام والثقافة الإسلامية

لم يغب البعد الروحي عن فكر الأمير الوالد، بل جعل من خدمة الدين الإسلامي ونشر ثقافته الوسطية ركيزة أساسية للدولة:

  1. جامع الإمام محمد بن عبد الوهاب (جامع الدولة): يعد هذا الصرح المعماري الشامخ، الذي افتتح في عهد سموه، رمزاً للهوية الدينية للدولة. لم يكن مجرد مكان للصلاة، بل مركزاً إشعاعياً يحيي فنون العمارة الإسلامية ويستقطب كبار علماء الأمة لنشر الفكر الوسطي المستنير.
  2. متحف الفن الإسلامي: بقرار تاريخي، أمر سموه بإنشاء هذا المتحف الذي يعد اليوم الأيقونة الأهم للفنون الإسلامية في العالم. من خلاله، أعاد الأمير الوالد الاعتبار للحضارة الإسلامية، مبرزاً إسهاماتها الفنية والعلمية عبر العصور، ومحولاً قطر إلى وجهة عالمية للباحثين في التراث الإسلامي.
  3. مركز “فنار” (مركز الشيخ عبد الله بن زيد آل محمود الثقافي الإسلامي): تأسس هذا المركز ليكون جسرا للتواصل الحضاري، حيث يخدم المسلمين غير العرب والمهتمين بالتعرف على الإسلام، مقدماً صورة نقية ووسطية عن الدين بعيدا عن الغلو والتشدد.
  4. حوار الأديان: أطلق سموه “مركز الدوحة الدولي لحوار الأديان”، إيمانا منه بأن الإسلام دين سلام وتواصل. كانت هذه الخطوة بمثابة رسالة إسلامية للعالم، تؤكد قدرة الفكر الإسلامي على قيادة حوار بناء مع الآخر لخدمة البشرية.
  5. المصاحف والمراكز الإسلامية حول العالم: امتدت أيادي سموه البيضاء لبناء آلاف المساجد والمراكز الإسلامية في أوروبا وأفريقيا وآسيا، بالإضافة إلى طباعة “مصحف قطر” الذي يعد من أجود وأدق طبعات القرآن الكريم في العصر الحديث.

في ميدان التعليم.. ثورة العقول

آمن الأمير الوالد بأن “الثروة الحقيقية هي الإنسان”، وأن النفط والغاز موارد ناضبة أما العقول فهي المورد الدائم. لذا، قاد ثورة تعليمية جعلت من قطر نموذجا يُحتذى به عالميا:

  1. مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع (QF): أسسها سموه عام 1995 لتكون المحرك الرئيسي للتغيير في المجتمع. هذه المؤسسة لم تكن مشروعاً تعليمياً فحسب، بل كانت مختبراً لصناعة المستقبل.
  2. المدينة التعليمية (Education City): في خطوة غير مسبوقة، جلب سموه أرقى الجامعات العالمية (مثل كورنيل، وجورجتاون، وتكساس، وكارنيجي ميلون) لفتح فروع لها في الدوحة. الهدف كان تقديم تعليم عالمي على أرض عربية، لتمكين الشباب القطري والعربي من أدوات المعرفة دون التغرب عن هويتهم.
  3. دعم البحث العلمي: أصدر سموه مرسوماً يقضي بتخصيص 2.8% من الناتج المحلي لدعم البحث العلمي، وهي نسبة كانت الأعلى في المنطقة، مما أدى لإنشاء واحة قطر للعلوم والتكنولوجيا والصندوق القطري لرعاية البحث العلمي.
  4. تطوير التعليم العام: شهدت المناهج التعليمية في عهده نقلة نوعية من خلال مبادرة “تعليم لمرحلة جديدة”، التي ركزت على التفكير النقدي والإبداع بدلاً من التلقين.
  5. جامعة حمد بن خليفة: توج سموه جهوده التعليمية بتأسيس هذه الجامعة البحثية الوطنية، لتكون مركزاً للدراسات العليا والبحوث التي تعالج تحديات المنطقة برؤية محلية ومعايير دولية.
  6. التعليم فوق الجميع ومبادرة “علم طفلاً“: لم يقتصر اهتمامه بالتعليم على الداخل القطري، بل امتد ليشمل أطفال العالم المحرومين في مناطق النزاعات والفقر، مما جعل قطر أكبر داعم للتعليم الابتدائي في العالم.

العناية باللغة العربية والبحث التاريخي

ارتبطت خدمة الإسلام بالدفاع عن لغته، فكان لسموه دور حاسم في:

  • معجم الدوحة التاريخي للغة العربية: وهو أضخم مشروع لغوي عربي يسجل تاريخ استعمالات الكلمات العربية عبر العصور، وهو حلم عجزت عن تحقيقه مجامع اللغة العربية لعقود، حتى تبناه سموه.
  • هيئة متاحف قطر والبحث الأثري: التي اهتمت بتوثيق تاريخ قطر وشبه الجزيرة العربية، وربط الجيل الجديد بجذوره التاريخية.

إرث الوعي

إن الإرث الذي تركه الأمير الوالد في ميادين الإسلام والتعليم هو إرث “الوعي. لقد علمنا سموه أن المسلم المعاصر يمكنه أن يعتز بصلاته في المسجد وببحثه العلمي في أحدث المختبرات في آن واحد. رحل الأمير الوالد عن سدة الحكم طواعية، لكنه بقي في ضمير الأمة كقائد لم يبن ناطحات سحاب فحسب، بل بنى “الإنسان” الذي يسكنها.