سورة المطففين أول سورة نزلت بالمدينة المنورة؛ حيث كان أهلها من أخبث الناس كيلا قبل مجيء الرسول الكريم ، كما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: “لما قدم رسول الله المدينة، كانوا من أخبث الناس كيلا، فأنزل الله عز وجل: ﴿ويل للمطففين﴾[1]، فأحسنوا الكيل إلى يومهم هذا”[2].

وقال مالك بن دينار: احتضر جار لي فجعل يقول: “جبلان من نار!”، فقلت له: ما هذا؟ فقال لي: “يا أخي، كان لي مكيالان؛ آخذ بالوافي، وأعطي بالناقص”[3]. وقال عكرمة: “أشهد على كل كيال أو وزان أنه في النار” (يقصد المطففين منهم)[4]. وقال بعض العرب: “لا تلتمسوا المروءة ممن مروءته في رؤوس المكاييل وألسنة الموازين”[5].

والمطفف -كما يقول الإمام الماوردي- مأخوذ من “الطفيف” وهو القليل؛ أي إن المطفف هو المقلل حق صاحبه بنقصانه عن الحق في كيل أو وزن، ماديا كان أم معنويا[6].

فعل التطفيف ليس محصورا في البيع والشراء وإنقاص المكيال والميزان، بل هو سلوك أوسع وأشمل قد يظهر في جوانب كثيرة من حياتنا؛ فالتطفيف يعني أن يطلب المرء حقه كاملا بينما يبخس الآخرين حقوقهم في الوقت ذاته، سواء أكانت حقوقا مادية أم معنوية.

وقد يكون التطفيف في العمل أيضا، حين يطالب موظف بأن ينال التقدير وكافة حقوقه بينما لا يؤدي واجباته بإخلاص وأمانة. وهناك التطفيف في العلاقات كذلك، حين ينتظر أحدهم من الآخرين الوفاء والاهتمام والرعاية بينما يتجاهل أبسط حقوقهم، أو لا يتعامل معهم بنفس المعاملة التي يرغبها لنفسه منهم! ومن صور التطفيف أيضا أن ينسب المرء لنفسه جهود الآخرين، أو يقلل من إنجازاتهم، أو يبحث عن أخطائهم.

ومن هنا يتضح أن فعل التطفيف ليس مجرد نقص في ميزان مادي، بل هو خلل في ميزان الأخلاق والعدل يجعل المرء أنانيا في غالب معاملاته مع الآخرين، ويتحول هذا الفعل إلى سلوك مصاحب يصعب عليه التخلي عنه، وبالتالي يفقد ثقة الناس به، إضافة إلى الويل الذي ينتظره والوعيد الشديد الذي تحدثت عنه السورة الكريمة؛ لأن التطفيف أو بخس الناس حقوقهم ظلم بين وضياع للأمانة.

وخلاصة القول، تدعونا سورة المطففين إلى أهمية أن يزن المرء أفعاله بميزان العدل، ويعامل الناس بما يحب أن يعاملوه به، ويؤدي حقوقهم كاملة كما يحب أن يؤدي الناس إليه حقوقه كاملة. إن بخس الناس حقوقهم ولو بالشيء الطفيف، لو لم يكن مسألة عظيمة، ما ابتدأ الله سبحانه بتهديد كل كيال أو وزان بالويل، وهو أشد العذاب. حفظنا الله وإياكم من أن نكون من المطففين: ﴿الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون * وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون * ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون * ليوم عظيم﴾[7].

نسأل الله لنا ولكم العافية.