قضت دعوة الإسلام عشرة أعوام مكية بقيادة النبي الكريم، ﷺ، تؤسس وتبني دون دخول في مواجهات مع ملل الكفر؛ من مشركين ويهود ونصارى وغيرهم، فلم يكن قد حان أوان المواجهة بعد، إذ كان من الممكن لتلك القوى أن تعوق البناء والتأسيس عند أي استفزاز، بل قد تكون سببا في وأد الدعوة، أو تفتيت قوتها وتشتيت أفرادها وتأجيلها سنوات عديدة.
ولكن ما إن بدأت دولة المدينة تأخذ وضعها وتقوى شوكتها، حتى أذن الله لها أن تدخل في مواجهات مع الكفر بشكل تدريجي. فالدولة، وإن تأسست تربويا وإيمانيا، كانت القوة المادية والبشرية فيها بحاجة للمزيد، حتى كانت البداية الحقيقية في بدر التي جاءت كاختبار سماوي للفئة المؤمنة، فنجحت فيه، وتعمق الإيمان وزادت الثقة بالنفس، لتتوالى الأحداث في أحد، ثم الخندق، وانتهاء بـ فتح مكة، وصولا إلى قناعة تامة ويقين راسخ بأن الإسلام قد تمكن في الأرض، وليس من شيء اليوم ولا في الغد القريب أو البعيد يمكنه التأثير على ذلكم البنيان الصلب المرصوص، المؤسس وفق أفضل قواعد البناء والتأسيس التي عرفتها البشرية.
إن المخاوف من الاستئصال أزعجت المؤمنين حينا من الدهر وهم في مكة، بل دعت النبي الكريم لإرسال مجموعة من صحبه إلى الحبشة عند النجاشي، لتعيش تلك الفئة سنوات عديدة كقوة احتياطية تواصل مهمة بناء نفسها، ثم تقوم بالدعوة إن حدث مكروه للفئة الرئيسية بمكة. واستمرت تلك المخاوف حتى معركة الأحزاب، إلى أن بشر الرسول الكريم أصحابه بعد هزيمة الكفر يومها، بأن وقت الدفاع والخوف قد ولى، وجاء وقت المبادرة لنشر الإسلام وتأديب المتربصين بالدين ودولته الفتية: “الآن نغزوهم ولا يغزوننا، نحن نسير إليهم” [صحيح البخاري].
ولئن اجتمع الكفر على ملة الإسلام في أي مكان وزمان، فالله يضمن للمؤمنين النصر وسلامة العاقبة، كما يقول صاحب الظلال؛ ضمانة صريحة وهم معتصمون بدينهم وربهم في يقين: {لن يضروكم إلا أذى} [آل عمران: 111]؛ بعد أن وصل الإسلام إلى نقطة اللاعودة إلى الكفر أو الاستئصال. فمهما تنزل على أمة الإسلام من كوارث وأزمات على يد أهل الكفر، فهي باقية، بعد أن يئس أهل الكفر من اجتثاث هذا الدين أو دفع أهله للردة: {اليوم يئس الذين كفروا من دينكم} [المائدة: 3].
هذا الدين قد يختفي بالظلم والإجرام والإكراه من موقع ما، لكنه يظهر في موقع آخر، وتنهض فئة مؤمنة تقوم عليه وتنشره وتدافع عنه دون خشية من الكفر، فالله أحق أن نخشاه: {فلا تخشوهم واخشون اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا} [ المائدة: 3].