الحمد لله رب العالمين القائل في كتابه الكريم ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: 1] والصلاة والسلام على رحمة الله للعالمين. وبعد:
فمن مصطلحات الدراسات القرآنية التي كثر تداولها في العصر الحديث مصطلح الوحدة البنائية في القرآن الكريم ويدرسون من خلاله ذلك التماسك النصي والتوافق المعنوي في القرآن كله وفي كل سورة من سوره وفي هذه المقالات أحاول أن أقوم بتأصيل الأدلة التي اعتمد عليها هذا المصطلح أولًا: من القرآن الكريم. ثانيًا: من السنة المطهرة. ثالثاً: أبين مذاهب العلماء حولها وأرجح ما تهدي إليه الأدلة الصحيحة ومن الله العون والتوفيق والهداية.
معالم الوحدة البنائية في القرآن الكريم
يشتمل القرآن الكريم على مجموعة من المعالم الدالة على كون النظم القرآنيّ يمثل بناءً محكماً مترابطاً له نظامه الخاص، وفيما يلي أبرز تلك المعالم:
المَعْلَم الأول:
أن الله ﷻ حدد في كتابه مصطلحات خاصة بالقرآن الكريم دالة على وحدات ألفاظه؛ وهذه المصطلحات هي: (آية – آيات)[1]، (سورة-سور)[2]، (القرآن-الكتاب)[3]، وهذه المصطلحات متوافقة مع ما عليه القرآن الكريم من ترتيب ونظام.
المعلم الثاني:
حدد القرآن الكريم عدد آيات أول سورة من سوره، وهي فاتحة الكتاب في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: 87]. وجاء في الحديث الشريف “عن أبي سعيد بن المعلى رضي الله عنه، قال: كنت أصلي في المسجد، فدعاني رسول الله ﷺ فلم أجبه، فقلت: يا رسول الله، إني كنت أصلي، فقال: ألم يقل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: 24] ثم قال لي: لأعلمنك سورة هي أعظم السور في القرآن، قبل أن تخرج من المسجد». ثم أخذ بيدي، فلما أراد أن يخرج، قلت له: ألم تقل لأعلمنك سورة هي أعظم سورة في القرآن، قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2] هي السبع المثاني، والقرآن العظيم الذي أوتيته”[4].
المعلم الثالث:
ألمح القرآن الكريم إلى عدد السور السابقة لسورة هود في قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [هود: 13] فسورة هود في ترتيب التلاوة هي السورة الحادية عشرة، وهذه الآية وإن كانت إحدي مراحل تحدي العرب بالقرآن الكريم، إلا أنه لا يمكن إغفال التوافق بين العددين (عشر سور) الوارد في الآية وعدد السور (العشر) السابقة لسورة هود.
الاستنباط: يُستنبط من هذه المعالم القرآنية الثلاثة، أن نظام ترتيب القرآن الكريم لوحدات نصوصه (نظام الآيات داخل كل سورة) ثم (نظام ترتيب السور من الفاتحة إلى الناس) هو وضع إلهي حكيم يشتمل على أسرار ومعان. كما أن الدلالات اللغوية لتلك المصطلحات تُشير إلى ما سبق بيانه؛ فمصطلح (السورة) مأخوذ من سور المدينة، وهو حائطها المشتمل عليها؛ فشُبهت السورة القرآنية بالمدينة؛ لأنها تحيط بآياتها كما يحيط سور المدينة ببيوتها[5]. وإنما أحاطت كل سورة بآياتها الخاصة؛ لوجود تناسب، وروابط، وعلاقات خاصة بين تلك الآيات. ومصطلح (القرآن) من القراءة وهي “ضمّ الحروف والكلمات بعضها إلى بعض في التّرتيل”[6]، ومصطلح (الكتاب) من (الْكَتْبُ) وهو “… ضمّ الحروف بعضها إلى بعض بالخطّ”[7]. فـ (القرآن والكتاب) وهما أشهر الأسماء التوقيفية لكلام الله المنزل على خاتم النبيين ﷺ يدلان في أصل وضعهما اللغوي على ضم وجمع الحروف، والكلمات والجمل تلاوة، وكتابة؛ فالضم الإلهي لحروف الكلمة القرآنية، ثم للكلمات في كل آية، ثم للآيات في كل سورة؛ ثم للسور في الكتاب؛ إنما هو ضمٌ قائمٌ على وجوه من الحكمة الإلهية، فيكون البحث عن أسرار النظام في الآية، والسورة، والكتاب؛ إنما هو استكشاف لوجوه الحكمة الإلهية التي قام عليها ذلك الضم، والجمع، والترتيب.
المَعْلَم الرابع:
تعدد الأوصاف الإلهية للنظم القرآني المصرحة بحقيقة كونه نظماً له خصائص جامعة ومن تلك الأوصاف:
- أنه نظم: ﴿…غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ [الزمر: 28].
- وأنه نظم لا اختلاف فيه: ﴿… وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 82].
- وأنه نظم قيم: ﴿… قَيِّمًا﴾ [الكهف: 2].
- وأنه نظم: عليٌ حكيم. ﴿… وإنه فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الزخرف: 4].
- وأنه نظم كريم: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة: 75-77].
الاستنباط: إذا وضعنا صفة الجمع التي دلت عليها مصطلحات (الكتاب-القرآن-السورة) مع تلك الأوصاف السابقة؛ تكون النتيجة أن النظم القرآني تم بناؤه في ذلك الجمع بناء يتحقق فيه تلك الصفات الخاصة؛ فهو نظم جُمع جمعاً لا عوج فيه، وهو نظم جُمع جمعًا قيماً، وهو نظمٌ جُمع جمعًا علياً، وهو نظم جُمع جمعاً حكيماً، وهو نظم جُمع جمعاً كريمًا؛ وهو نظم جُمع جمعاً لا اختلاف فيه؛ ومن ثم فإن على المفسرين، البحث عن مظاهر ودلائل تلك الأوصاف الكامنة في نظمه (آية، فسورة، فكتاباً)؛ وأسس ومظاهر الوحدة البنائية التي قام ذلك النظم عليها؛ إنما هو لتبين دلائل تلك الأوصاف الجليلة في النص القرآني الحكيم؛ فهو داخل في التدبر المأمور به في قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 82]. واستنباط مظاهر التوافق، والترابط، والنظام؛ هو تحقيق لمقصد هذه الآية الكريمة وتصديق لمعناها الذي ينفي وجود اختلاف داخل النص القرآني.
المَعْلَم الخامس:
تخطئة القرآن الكريم لطريقة الفهم القائمة على إهمال الروابط، والعلاقات بين وحدات النص الواحد، وهي طريقة التقسيم والتعضية. وهذا المَعْلَم مبنيٌ على المعلم السابق؛ فلكون نظم القرآن الكريم نظماً (غير ذي عوج-قيم-عليِّ-حكيم-كريم-لا اختلاف فيه)؛ فإنه لا يُمكن اجتزاؤه، وتقسيمه تقسيم اعتساف، وتكلّف، والاكتفاء ببعضه دون بعض؛ فإن هذا بمثابة تمزيق لوحة جميلة، والتعامل مع كل قطعة من ذلك الممزق على أنه لوحة مستقلة، قال تعالى: ﴿كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (٩١) فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: 78-93]. فـ”لفظ المقتسمين افتعال من قسم إذا جعل شيئا أقسامًا. وصيغة الافتعال هنا تقتضي تكلّف الفعل[8]. و”معنى المقتسمين -على الوجه المختار-المقتسمون القرآن. وهذا هو معنى جعلوا القرآن عضين، فكان ثاني الوصفين بيانًا لأولهما، وإنما اختلفت العبارتان للتفنن”[9].
الاستنباط: من هذا المعلم القرآني يتبين أن تقسيم نصوص القرآن الكريم، واتباع بعضها وإهمال بعضها الآخر هو من المناهج المحرمة شرعًا، ومفهوم المخالفة[10] المستنبط من الآية؛ يدل على أن المنهج المرضي عنه والذي يُتوصل به إلى صحيح المعاني هو المنهج الكلي الشامل الذي يستقرئ النصوص، ويستوعبها ويقارن بينها، حتى يكون على بينة بتلك العلاقات المعنوية التي تربط بين آيات متباعدة في الترتيب لكن يجمع بينها علاقات من حيث المعاني والدلالات.
من صور التقسيم والتعضية التي خطأها القرآن الكريم:
- اتباع الآيات المتشابهات وترك المحكمات، قال ﷻ: ﴿… فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: 7].
- إهمال بعض نصوص الوحي وترك التذكير والعمل بها حتى تصبح في حكم المنسي قال ﷻ: ﴿…وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة: 13].
- الإخفاء المتعمد لكثير من نصوص الوحي عن عموم الناس قال ﷻ: ﴿… تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا …﴾ [الأنعام: 91].
- السعي لفتنة المؤمنين عن بعض آيات الوحي قال ﷻ: ﴿… وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ…﴾ [المائدة: 49].
- تجزئة الوحي من أجل تعطيل بعض الأحكام قال ﷻ: ﴿…أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: 84-85].
- اتباع الأهواء وتخصيص العام اتباعاً لشهوات النفس قال ﷻ: ﴿…ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: 75].
نتيجة: هذه صور محرمة في التعامل مع نصوص الوحي، وكلها تنتمي لمنهج التعضية والتقسيم؛ فالمنهج الأمثل إذاً هو دراسة الآية القرآنية على أنها تمثل وحدة في بناء خاص هو سورتها، ثم هي وحدة في بناء عام هو كل آيات القرآن. ودراسة السورة على أنها تمثل وحدة بنائية خاصة لآياتها، ثم هي تمثل وحدة في البناء الكلي لسور القرآن الكريم.
المعلم السادس:
الإحالة في النص القرآني على بعضه البعض. وهذا المعلم يُعتبر تطبيقاً للمعالم السابقة محققاً لها، فالقرآن الكريم يُحيل بعضه على بعض؛ مما يُؤكد معنى أن القرآن الكريم كلٌ مترابط النظم، وهو ما عبر عنه علماؤنا الأقدمون بأن القرآن كالسورة الواحدة، ووجه الشبه في تشبيه القرآن بالسورة الواحدة هو جامع الترابط، والتناسب، والاتفاق في كلٍ [11].
أمثلة من الإحالات القرآنية على القرآن:
- قوله ﷻ: ﴿ وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ [النساء: 140]. فيه إحالة على قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: 68].
- وقوله ﷻ: ﴿ سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ﴾ [الفتح: 15]. فيه إحالة على قوله ﷻ: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا﴾ [التوبة: 83].
نتيجة: نظرية الوحدة البنائية للقرآن الكريم والوحدة البنائية للسورة القرآنية، هناك ما يُؤسس لها ويدلل على مشروعيتها من القرآن الكريم. وفي الجزء الثاني نتناول أدلة هذه النظرية من السنة المطهرة.
والله الهادي لأشرف العلوم وكتبه: الفقير إلى عفو ربه الكريم عماد محمود محمود عبد الكريم