العنكبوت في اللغة هي أنثى هذا الحيوان، والذكر يطلق عليه عنْكَب. وفي القرآن سورة كاملة مكية باسم هذا الحيوان، حيث جاء ذكرها في آية واحدة {مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتاً، وإنّ أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون}(العننكبوت-41) حيث أشارت الآية إلى بيتها، الذي يُضرب به المثل على الوهن والضعف وعدم التماسك أمام أي هزة، أو هبة، دون أن تتطرق الآية الكريمة إلى أي تفاصيل أخرى عن حياتها.
يقول أهل التأويل حول الآية، ومنهم الإمام الماتريدي في تأويلات أهل السنّة :” مَثَل اتخاذكم أولئك – ويقصد الأصنام والأوثان – أولياء من دون الله وما تأملون منهم، كمثل بيت العنكبوت، لا ينفع، ولا يغني ما يؤمل من البيت من دفع الحر والبرد وغيره” (1).. فعلى ذلك اتخاذكم وأتباعكم هؤلاء، أولياء من دون الله، مثل ما ذُكر، لا ينفع، ولا يغني، ولا يدفع عنكم ما ينزل بكم.
لكن من ناحية أخرى، نجد أنّ أنثى العنكبوت المشار إليها في الآية هي كل الحكاية في عالم هذا الحيوان. فالذكر لا دور له سوى المحافظة على استمرار هذا النوع من الحيوانات. إذ على العنكب سرعة التفكير ومن بعده الفرار من البيت بعد أداء وظيفته الفطرية مع العنكبوت، من قبل أن تقتله وتبدأ في التهامه، لأن هذا هو غالباً ما يحدث في أي بيت عنكبوتي، ولهذا تسمى العنكبوت بالأرملة السوداء، أو الأنثى التي ترمل نفسها بيدها، فتبقى هي المسيطرة على البيت، ولهذا القرآن ينسب البيت إليها.
قد نظن للوهلة الأولى أن الوهن في بيت العنكبوت هو في النسيج المستخدم لبناء الشبكة، لكن بعد دراسة علماء الأحياء لحياة هذا الكائن، تبين مدى دقة الوصف القرآني المدهش لمعنى الوهن في هذا البيت تحديداً دون غيره من البيوت. إذ تبين أن الوهن ليس في الشبكة، أو الخيوط، بل في كيان هذا البيت، وهو إشارة قرآنية مهمة إلى مسألة تأسيس البيوت، وبناء الأسر.
لاحظ معي أن الأنثى ما إن تنتهي من عملية التزاوج مع الذكر، تبدأ ترتيباتها لقتل العنكب دون أدنى رأفة ورحمة، وقد يكون بعض ذكور العناكب من الذكاء والمهارة، أن تهرب سريعاً وتنجو بحياتها قبل أن تستعيد العنكبوت نشاطها بعد التزاوج. ولكن في أحيان أخرى، هذه الشريرة، وبدلاً من قتل العنكب، تقرر الإبقاء على حياته، فتسجنه في بيتها، ليس رحمة وحباً فيه، أو شفقة عليه، بل الهدف أن تبقيه كطعام جاهز لصغارها حين يفقس البيض، فتجد تلك العناكب الصغيرة الجائعة أباها كطعام لذيذ جاهز للالتهام ! فهكذا هو بيت الأرملة السوداء، أو العنكبوت.
وفي بيوت عنكبوتية أخرى، تتطور الأمور في السوء، فما إن تبدأ العناكب الصغيرة بالنمو وتقوى حتى تنقلب على الأم أيضاً، والتي يجدونها وجبة شهية أخرى سهلة المنال.. وهكذا يعيش أولئك الصغار في مرحلة النمو بمبدأ القوي يأكل الضعيف، حتى يتم نسف البيت عن بكرة أبيه.. ثم يتفرق الجمع، كلٌ إلى حال سبيله وقصص أخرى من قصص البيوت العنكبوتية الرديئة.
خلاصة الحديث أنّ البيت العنكبوتي متخلخل لا أساس له منذ بداية تأسيسه، إذ لا هدف من وراء بنائه سوى تحقيق مصالح فردية بحتة، ولو كان على حساب جميع أهل البيت ! وما أكثر مثل هذه البيوت العنكبوتية في عالمنا البشري اليوم، حيث تجد بيوتاً كثيرة يغيب عنها الترابط والتعاون والألفة والدفء الأسري، وهي كلها أساسات البيت السليم الصحي.
إنّ الوهن حين يضرب في جذور العلاقات الأسرية، ويقع التفرق والخلاف بين أفراد البيت الواحد، وخاصة بين الرجل وزوجته، فإن نتائجه عادة هي خراب وانهيار البيت على من فيه. ولذلك كلما قويت العلاقات، صمد البيت، والعكس صحيح دون أدنى حاجة لمزيد شروحات وتفصيلات.