ذكرنا في مقالنا السابق أن الإسلام جاء ليؤسس حياتنا على أساس العلم بكل أبعاده، حتى يتحول العلم إلى ثقافة، وتصير ثقافتنا ثقافة علم وليس ثقافة خرافة أو أسطورة. ولكن ما ينبغي التأكيد عليه أن الإسلام جاء يؤسس لثقافة العمل أيضاً، بحيث يطلق قدرات الإنسان وطاقاته، ليسخِّرَ ما وهبه الله في هذا الوجود، ويحقق رسالته في الاستخلاف، فيحمل الأمانة باقتدار.

والناظر في الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة يجد تركيزا على توجيه الإنسان إلى العمل؛ سواء عمل القلب أو عمل الجوارح كما يقول الامام الشاطبي . وبلغة مالك بن نبي، فإن الإسلام جاء ليعطي للوجود الإنساني كامل أبعاده، وكما ركّز على العلم، فإنه ركّز على العمل أيضاً.

ولهذا أيضا نجد القرآن الكريم يأمرنا بالعمل؛ مطلق العمل، كما في قوله تعالى: { وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } [سورة التوبة: 105]، كما نجده يشنع على من يقول ولا يفعل، كما في قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} [سورة الممتحنة: 2-3].

كما نجد أحاديث شريفة كثيرة تأمر بالعمل وتنهى عن التبطل، كما في قوله : “إنَّ الله يُحبُّ المؤمن المُحتَرف”، و”إنَّ اللهَ تعالى يحبُّ من العامل إذا عَمِلَ أن يُحْسِن” ، و”إنْ قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة فإن استطاع ألا يقوم حتى يغرسها، فليفعل”، و”إنَّ اللهَ كرِه لكم قيلَ وقالَ وكثرةَ السُّؤالِ وإضاعةَ المالِ” ، وغيرها من الآيات والأحاديث.

والشواهد كثيرة على ما قامت عليه الثقافة الإسلامية من ارتباط العلم بالعمل، وأن العمل أحد الأبعاد المهمة في ثقافتنا، مثله مثل العلم. ولعل الإمام البخاري حينما عنون أحد أبواب صحيحه بقوله “باب العلم قبل القول والعمل” ليدل دلالة صريحة على ارتباط العلم بالعمل، وأن العلم مقدمة للعمل، لأن الإسلام ليس فلسفة تأملية نظرية، ولكنه منهج حياة كامل.

ولكن ما نلاحظه اليوم، أن تفكيرنا وثقافتنا صارت في معظمها نظرية غير مرتبطة بأهداف عملية، وأغلب من يسمون أنفسهم بدعاة التغيير يكثرون الكلام من دون أن يكون لذلك أي انعكاس إيجابي على الواقع. بالرغم من أن ما يفصل المجتمعات اليوم هو مدى فعاليتها، وتحقق مبادئها وأفكارها في صورة أعمال لها كثافة الواقع – كما يقول مالك بن نبي– حيث يوجد في عصرنا تشابه واختلاف بين المجتمعات، والاختلاف اللافت للنظر يكمن فيما يطبع نشاط أي مجتمع من فعالية تتفاوت درجتها من مجتمع إلى آخر، هذا العنصر الذي أصبح أساسيًا في ثقافة العصر.

حتى أن التقدم أو التأخر الحضاري يمكن أن يلاحظه الإنسان من خلال ملاحظة عامل الفعالية، إذ يجده يقسم العالم إلى شطرين، أحدهما يتميز بالفعالية ويطبع بها كل جهوده وسلوكه، والآخر يتميز بغياب الفعالية، والتسيب في كل مظاهر حياته. ويمكن ملاحظة ذلك من خلال مشاهدة النسيج الاجتماعي، والمؤسسات الاجتماعية التي توجد في كلا الإطارين الحضاريين. إذ يمكن رؤية نموذجين اجتماعيين مختلفين؛

  • أحدهما النموذج الغربي يطـــبعه التنـظــيم والفعالية في واقع حياته،
  • والآخر النموذج المتخلف، تنتظمه ضروب من التسيب وغياب الفعالية. بالرغم من أننا لو رجعنا إلى التاريخ، لوجدنا الصورة معكوسة تماما، فكل ضروب النشاط والفعالية يجدها على محور طنجة-جاكرتا، وكل ضروب التسيب وغياب الفعالية يجدها على المحور الغربي .

وهذا يدل على أن نمط الثقافة الذي نعيش في ظله اليوم ليس ثقافة العلم التي ذكرناها في المقال السابق، ولا ثقافة العمل التي نتحدث عنها اليوم. وهو مؤشر على خلل كبير ليس في القرآن ولا في السنة، لأن نصوصهما هي نفسها التي تؤسس للفعالية وتشنع على التبطل والبطالة، وإنما هو خلل في ثقافتنا اليوم؛ تلك الثقافة التي تطبع الإنسان المسلم بطابعها؛ فينشأ في وسط التسيب والفوضى والكسل، والفصام بين القول والفعل، حتى صار المسلم يحمل في ثقافته اليوم ضروبا من “الأفكار الميتة” و”الأفكار المميتة” التي شلت قدرته على تحويل أفكاره إلى عمل واقعي يخرجنا من التخلف، ويحقق ثقافة العلم والعمل .

ولنستعيد ثقافة العمل، علينا أن نعمل على تحديد نموذجنا الحضاري الذي نحقق به وجودنا، ونخرج من دائرة التبعية والتقليد للنموذج الحضاري الغربي، الذي يبدو أنه فاض علينا بفوضاه، ولم نتعلم منه درس التحضر وقيمه المثمرة وفضائله، بل اكتفينا بتكديس منتجاته وأفكاره “المميتة”، ولم نحقق نموذجنا الخاص بنا.

وهذا النموذج الذي يخرجنا من وضعنا، هو العودة إلى القرآن؛ إلى المنهج النبوي، في بناء ثقافة تقوم على الربط بين العلم والعمل، والتربية على الجمع بينهما، والموازنة بينهما، بما يقتضيه وضعنا الحضاري، الذي يتطلب ثقافة فعالية نستعيد بها دورنا، وبما يعطيه لنا القرآن من رؤية ومنهج وقيم وتصورات تحقق ذاتنا الحضارية. فلا يجوز لأحد أن يضع الحلول والمناهج مغفلا مكان أمته ومركزها، بل عليه أن تنسجم أفكاره وعواطفه وأقواله وخطواته مع ما تقتضيه المرحلة التي فيها أمته. أما أن يستورد حلولا من الشرق أو الغرب فإن في ذلك تضييعا للجهد ومضاعفة للداء. إذ كل تقليد في هذا الميدان جهل وانتحار”.

وأمتنا اليوم تحتاج ثقافة عمل؛ ثقافة فعالية قصوى، لنستدرك ما فاتنا من إنجازات سبقتنا إليها أمم أخرى.