نظم الشرع الحنيف العلاقة بين الناس فيما بينهم، وجعل بينهم حقوقا يستحقونها، وواجبات يكلفون بها، وذلك وفق العلاقات الاجتماعية بينهم، ومن ذلك تنظيم العلاقة بين الزوجين في كافة المجالات، ومنها: الجانب المالي.
ولما كان أصل شأن المرأة أن تتفرغ لشؤون البيت والتربية، ولم تكن مكلفة بأعباء مالية في الحياة الأسرية، لما في ذلك من مشقة وتعب، شرع الله لها حقوقا مالية في حق زوجها؛ لأنها لا تستغني عن المال في حياتها، فأوجب الله حقا ماليا لها على زوجها.
ويتنوع حق المرأة في مال زوجها من عدة جهات، من ذلك:
حق المهر
والمهر هو المال الذي يعطيه الرجل للمرأة بسبب الزواج أو الوطء، وله عدة أسماء غير المهر، مثل: الصداق، والصدقة، والنحلة، والفريضة، والأجر، وكلها مصطلحات شرعية.
والمهر من حقوق المرأة المالية على زوجها، وهو واجب بالقرآن و السنة وإجماع العلماء، فمن القرآن قوله تعالى: ﵟوَءَاتُواْ ٱلنِّسَآءَ صَدُقَٰتِهِنَّ نِحۡلَةٗۚﵞ [النساء: 4]
ومن السنة ما جاء في الصحيحين:” التمس ولو خاتما من حديد”.
وقد أجمع فقهاء الإسلام قديما وحديثا على وجوب المهر للمرأة في الزواج، قال القرطبي: ” وجوب الصداق للمرأة مجمع عليه، ولا خلاف فيه” ” تفسير القرطبي، ج5/24).
والمهر قد يكون كله معجلا، وقد يكون كله مؤجلا، وقد يكون بعضه معجلا والآخر مؤجلا، وتستحق المرأة مؤخر الصداق بأقرب الأجلين، إما الطلاق أو الوفاة، ويخرج من التركة قبل توزيعها .
حق الميراث
وحق المرأة في ميراث زوجها ثابت لا خلاف فيه، ويشهد له قوله تعالى: ﵟوَلَهُنَّ ٱلرُّبُعُ مِمَّا تَرَكۡتُمۡ إِن لَّمۡ يَكُن لَّكُمۡ وَلَدٞۚ فَإِن كَانَ لَكُمۡ وَلَدٞ فَلَهُنَّ ٱلثُّمُنُ ﵞ [النساء: 12] ، فأبانت الآية أن المرأة لها حالتان في ميراث زوجها:
الحالة الأولى: ألا يكون للزوج أولاد منها أو من غيرها من الزوجات، فلها في هذه الحالة ربع التركة.
الحالة الثانية: أن يكون للزوج أولاد منها أو من غيرها من الزوجات، فلها في هذه الحالة الثمن.
وهناك حالة ثالثة اختلف الفقهاء فيها، وهي إن مات الرجل وليس له ورثة غير ذوي الأرحام أو لا ورثة له من ذوي الأرحام، هل يرد عليها أم يكون في بيت مال المسلمين.
الشبكة والهدايا
الشبكة هي ما يهدي الرجل المرأة التي يريد الزواج بها من الذهب قبل العقد، فإن كان العرف أنها جزء من المهر؛ أخذت حكم المهر، أو يرجع في حكمها إلى العرف.
و إن اتفق على أنها ليست من المهر فقد اختلف الفقهاء في حق المرأة إن فسخ الرجل الخطبة، هل ترد عليه ما أعطته أم لا؟ لكن اتفقوا على أن الشبكة والهدايا لا ترد بعد العقد؛ لأن هدايا الرجل لزوجته حق لها.
أجرة خدمة الزوج والأسرة
اختلف العلماء في وجوب خدمة المرأة زوجها وما يتبع ذلك من أشغال الأسرة، وهل تستحق عليه أجرا أم لا؟
ومرد المسألة في وجوب خدمة المرأة زوجها وأسرتها، وهو محل خلاف بين الفقهاء، فقد ذهب الشافعية والحنابلة إلى عدم وجوب خدمة المرأة زوجها، وبناء عليه، تستحق المرأة الأجر على تلك الخدمة التي تقوم بها، وإن ذهب هذا الفريق إلى أن الأولى قيامها بخدمة البيت بلا مقابل، وخالفهم الحنفية وجمهور المالكية وأبو ثور والطبري ورأوا وجوب خدمتها، وهو رأي عدد من الفقهاء، كابن تيمية وابن القيم وغيرهما.
واستدلوا بحديث البخاري أن النبي ﷺ قسم الأعمال بين فاطمة وعلي – رضي الله عنهما- فجعل على فاطمة عمل الداخل وعلى علي عمل الخارج، وقد أتته شاكية.
كما استدلوا بحديث : ” كان يأمر نساءه بخدمته ” يا عائشة : هلمي المدية ” أخرجه مسلم ( 3 / 1557 ـ ط الحلبي ) “.
وقال الطبري : ” إن كل من كانت لها طاقة من النساء على خدمة بيتها في خبز ، أو طحن ، أو غير ذلك أن ذلك لا يلزم الزوج ، إذا كان معروفا أن مثلها يلي ذلك بنفسه. فتح الباري لابن حجر9/ 507 ط دار المعرفة
واستدل من رأى عدم وجوب خدمة الزوجة زوجها بأن عقد الزواج على الاستمتاع ولا علاقة له بالخدمة، وعلى كل، فمن أخذ برأي عدم وجوب الخدمة؛ رأى أن المرأة تستحق أجرة مقابل ما تقدمه، ومن رأى الوجوب؛ لا يجوز هذا.
ولعله يدخل في هذا الباب ما يعطيه المرأة من نفقة زائدة عن احتياجات البيت من المطعم والمأكل، يعني ما يعطيها من مال خاص بها.
الحق في المال الناتج عن العمل المشترك
جرت العادة في كثير من الشعوب أن تعمل الزوجة وتضع مالها مع مال زوجها، فيكون مالا واحدا، واختلفوا هل لها حق في هذا المال؟ كما اختلفوا في مقداره.
وأول الأمور التي يجب أن ننبه إليها أن حق المرأة في الميراث مستقل عن حقها في المال بسبب عملها ووضعها المال مع زوجها، فحقها في الميراث لا يدخل في هذا المال.
أما مالها المكتسب من العمل فعلى صور، منها:
الصورة الأولى:
أن يكون لها عمل تكتسب منه مالا خاصا لا تضعه مع زوجها ولا في بيتها، فهذا مال خاص بها؛ لأن للمرأة ذمة مالية خاصة.
وهل يجب عليها أن تضع جزءا من راتبها في البيت مقابل خروجها من البيت، محل خلاف بين الفقهاء، ومن الفقهاء المعاصرين من يوجب عليها إخراج جزء من المال؛ مقابل أنها تترك خدمة البيت، وغالبا ما تقصر في أداء بعض الواجبات؛ فيكون تعويضا عن خروجها للعمل، ويرى البعض أنه لا يجب عليها أن تخرج أي شيء من مالها.
وبقاء مالها خاصا بها، لا يجيز للرجل أن يطالبها بأي جزء منه؛ لأن الذمم المالية في الإسلام منفصلة، فما كان حقا لشخص؛ لا يجوز إجبار غيره الدفع منه، إلا ما كان من جهة الشرع؛ كوجوب نفقة الرجل على أبنائه وزوجته ووالديه، ومن تجب عليه نفقتهم، وما سوى هذا، فلكل فرد في الإسلام ذمته المالية الخاصة حتى الطفل الصغير.
الصورة الثانية:
أن تضع المرأة مالها مع زوجها، وقد اختلف الفقهاء في ذلك بين من يحكم لها بالشراكة ، وبين من يعطيها الأجرة على العمل، وبين من لا يرى لها شيئا، مادامت نيتها التطوع والتبرع لزوجها وأولادها.
والراجح في المسألة ما يلي:
- إن كان هناك اتفاق بين الرجل والمرأة على أن المال قسمة بينهم؛ وجب أن تكون المرأة شريكا مع الرجل في المال؛ لما أخرجه البخاري وغيره من قول النبي ﷺ: ” المسلمون على شروطهم”. وتكون الشركة حسب كسب كل واحد منهم، إلا أن يتراضوا القسمة بالتساوي بينهما.
- أن تضع المرأة مالها مع زوجها دون اتفاق، والواجب هنا أن يكون للمرأة حق في ثروة الرجل بالقدر الذي شاركت فيه، فتستحق المرأة ما وضعته من مال مع زوجها، ولها أن تطالبه بهذا متى أرادت، سواء أكانت الزوجية قائمة، أو حصل طلاق بينهما، أو مات الزوج، أو ماتت الزوجة، فيخرج حقها في المال المكون من عملها، ويدخل في الميراث لأصحابه، بما فيهم الزوج، إن كان الزوج أحد الورثة.
والدليل على حق المرأة في مالها، ما يلي:
القياس على بطلان أخذ حق المرأة المالي من المهر، كما في قوله تعالى: ﵟوَكَيۡفَ تَأۡخُذُونَهُۥ وَقَدۡ أَفۡضَىٰ بَعۡضُكُمۡ إِلَىٰ بَعۡضٖ وَأَخَذۡنَ مِنكُم مِّيثَٰقًا غَلِيظٗاﵞ [النساء: 21] ، فإن كان لا يجوز للرجل أن يأخذ مهر المرأة الذي دفعه إليها، لكنه انتقل من ملكه إلى ملكها، فيكون من باب أولى ألا يأخذ مالها الذي اكتسبته بعيدا عنه.
كما يشهد لذلك قوله تعالى: ﵟوَءَاتُواْ ٱلنِّسَآءَ صَدُقَٰتِهِنَّ نِحۡلَةٗۚ فَإِن طِبۡنَ لَكُمۡ عَن شَيۡءٖ مِّنۡهُ نَفۡسٗا فَكُلُوهُ هَنِيٓـٔٗا مَّرِيٓـٔٗاﵞ ، فدلت الآية على أنه لا يجوز للزوج أن يأخذ من مال زوجته شيئا إلا بطيب خاطر منها.
ومما يستدل به ما أخرجه البخاري ومسلم عن كريب مولى ابن عباس – رضي الله عنهما- أن ميمونة بنت الحارث – رضي الله عنها- أخبرته أنها أعتقت وليدة ولم تستأذن النبي ﷺ.
فدل على استقلال المرأة في ذمتها المالية.
تصدق زينب امرأة ابن مسعود عليه
ومما يدل على استقلال المرأة في ذمتها المالية، ما أفتى به النبي ﷺ لزينب زوجة الصحابي ابن مسعود بالزكاة عليه، ولو كان مال الزوجة لزوجها لما سألته عن ذلك ، ولما أجابها بالجواز.
فقد أخرج البخاري ومسلم من حديث زينب زوجة ابن مسعود – رضي الله عنه- وفيه:” فخرَج علينا بلالٌ فقلنا له: ائتِ رسولَ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم فأخْبِرْه أنَّ امرأتينِ بالبابِ يسألانِك: أتُجْزِئُ الصدقةُ عنهما على أزواجِهما وعلى أيتامٍ في حُجُورهما؟ ولا تُخْبِرْ مَن نحن، فدخَل بلالٌ فسألَه فقال: مَن هما؟ فقال: امرأةٌ مِن الأنصارِ وزينبُ، فقال: أيُّ الزَّيانبِ؟ فقال: امرأةُ عبدِ اللهِ، فقال: أجْرانِ: أجْرُ القَرابةِ، وأجْرُ الصَّدقة.
حكم عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
وكذلك ما حكم به عمر بن الخطاب – رضي الله عنه- في قصته مع عامر بن الحارث وزوجه حبيبة بنت زريق، فقد كان عامر قصارا، وزوجته ترقم الأثواب، حتى اكتسبا مالا كثيرا، فمات عامر، وترك الأموال، فأخذ ورثته مفاتح المخازن والأجنة، واقتسموا المال، ثم قامت عليهم زوجته حبيبة، وادعت عمل يدها وسعايتها، فترافعت مع الورثة لعمر، فقضى بينهما بشركة المال نصفين، فأخذت حبيبة النصف بالشركة، والربع بالميراث. (حق الزوجة في الكد والسعاية للميلود كعواس ص: 28،27).
صدقة المرأة بغير إذن زوجها:
ومما يستدل به ما ذهب إليه كثير من الفقهاء من أنه يجوز للمرأة أن تتصدق من مالها بغير إذن زوجها، وأن من رأى أنها تستأذن الزوج، هو من باب حسن عشرة الرجل.
قال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري: «أن للمرأة التي لها زوج أن تتصدق بغير إذنه إذ الصدقة نوع من الهبة العامة» «منحة الباري بشرح صحيح البخاري» (5/ 373)
فتوى ابن عرضون المالكي: ( فتوى الكد والسعاية)
ومما يدل على ذلك فتاوى بعض الفقهاء في مثل هذه الحادثة، خاصة بعض فقهاء المالكية بالمغرب العربي، وعلى رأسهم الفقيه المالكي ابن عرضون، ونص الفتوى ما يلي:
سُئل أبو عبد الله سيدي محمد بن الحسن بن عرضون عمن تخدم من نساء البوادي خدمة الرجال من الحصاد والدراس وغير ذلك، فهل لهن حق في الزرع بعد وفاة الزوج لأجل خدمتهن، أو ليس لهن إلا الميراث؟
فأجاب: الذي أجاب به الشيخ القوري مفتي الحضرة الفاسية شيخ الإمام ابن غازي قال: إن الزرع يقسم على رؤوس من نتج عن خدمتهم، زاد عليه مفتي البلاد الغمارية جدنا سيدي أبو القاسم بن خجو: على قدر خدمتهم وبحسبها من اتفاقهم أو تفاوتهم، وزدت أنا –لله عبد – بعد مراعاة الأرض والبقر والآلة، فإن كان متساوين فيها أيضا فلا كلام، وإن كانت لواحد حسب له ذلك، والله تعالى أعلم. انظر: النوازل للشيخ عيسى بن علي الحسني العلمي (2/102،101)
الدليل العقلي
أن الزواج ليس من لوازمه تسلط الرجل في حق امرأته، لأن الزواج لا يعني الشراكة في كل شيء، فهو عقد اجتماعي يجتمع فيه الرجل والمرأة على تأسيس بيت على تقوى من الله ورضوان، لكن تبقى خصوصية الرجل وكذلك خصوصية المرأة، فليس كل مال الرجل يجب لأهله، أو أن ينفق كل ماله على أهله حتى لا يبقى منه شيء، بل ينفق على أهله بما يحتاجون، وأما المرأة، فلها ذمة مالية خاصة، إن أرادت أن تنفق من مالها بطيب خاطرها على زوجها وأولادها، لكن تبقى مستقلة في مالها؛ تتصرف فيه على الوجه المشروع الذي تراه.
على أن حق المرأة في مال زوجها ما كان في حال الزوجية ومن كسبها، وليس كل مال يكتسبه الرجل تكون المرأة شريكا لزوجها فيه وإن لم تعمل، فالقاعدة أنه لكل إنسان ما اكتسب من المال بكده وسعيه، كل حسب عمله.
