في 19 يناير 2026، ودّع المشهد الثقافي والإعلامي القطري والخليجي أحد أبرز رموزه: الدكتور أحمد جعفر عبدالملك الحمادي، الذي رحل بعد مسيرة إبداعية استمرت لأكثر من خمسة عقود، جمع فيها بين المايكروفون، القلم، وكرسيّ الأستاذية. لم يكن عبدالملك مجرد إعلامي أو روائي أو أكاديمي، بل كان ظاهرة تكاملية تجسّدت فيها روح النهضة القطرية الحديثة: فكرٌ متجدّد، لغةٌ سليمة، التزامٌ بالمهنية، وانفتاحٌ على العالم دون اقتلاع من الجذور.

رحلة بين المايكروفون والقلم

يُعد الدكتور أحمد جعفر عبدالملك الحمادي قامةً فكريةً وإعلاميةً استثنائية في تاريخ دولة قطر والمنطقة الخليجية. لم يكن مجرد إعلامي عابر، بل كان شاهداً ومشاركاً في صياغة الوعي الجمعي القطري على مدار أكثر من خمسة عقود. جمع في شخصيته بين صرامة الأكاديمي، وحس الإعلامي الميداني، وخيال الروائي المبدع، مما جعل مسيرته نموذجاً فريداً للمثقف الشامل الذي لم ينفصل يوماً عن قضايا مجتمعه وتحولاته الكبرى. إن الحديث عن أحمد عبدالملك هو حديث عن ذاكرة الإعلام القطري منذ بداياته الأولى، وعن تطور الرواية القطرية من المحاولات الجنينية إلى العالمية.

حياة صقلتها التحديات وبساطة الدوحة القديمة

ولد أحمد عبدالملك في مدينة الدوحة في الأول من يناير عام 1951، في أسرة تعود جذورها إلى مدينة المحرق بالبحرين قبل انتقالها واستقرارها في قطر. نشأ في بيئة اتسمت بالبساطة والظروف المعيشية الصعبة التي كانت سائدة في تلك الحقبة، وهي الظروف التي ساهمت في بناء شخصيته العصامية. كانت الدوحة في الخمسينيات والستينيات مدينة في طور التكوين، وكان أحمد الشاب يراقب هذا التحول بعين فاحصة.

دفعه الشعور بالمسؤولية للعمل في سن مبكرة، حيث كانت أولى محطاته المهنية في البنك البريطاني بالدوحة. هذا العمل لم يكن مجرد وسيلة للرزق، بل كان مدرسة أولى منحه انضباطاً مبكراً واحتكاكاً مباشراً بالحياة العملية والتعامل مع مختلف الجنسيات والثقافات التي بدأت تتوافد على قطر مع بدايات الطفرة النفطية.

كتاب "الرواية القطرية: قراءات في الاتجاهات" للدكتور أحمد عبد الملك، 2016. يغطي الكتاب الأدب القطري الحديث ويستعرض تأثيراته واتجاهاته. تصميم الغلاف يعكس عناصر فنية معاصرة. نشر كتارا.

رغم انشغاله بالعمل، لم يغب الشغف الفني والأدبي عن وجدانه. كان أحمد الشاب مسكوناً بحب الفن، فانخرط في “فرقة الأضواء الموسيقية”، التي كانت في ذلك الوقت محضناً للمواهب القطرية الشابة. كانت هذه الفرقة بوابةً لاكتشاف مواهبه الإبداعية، حيث بدأ من خلالها كتابة المسلسلات الإذاعية منذ عام 1969. هذه البداية المبكرة في الكتابة الدرامية هي التي صقلت قدرته على الحوار ورسم الشخصيات، وهو ما ظهر جلياً لاحقاً في أعماله الروائية والقصصية.

المسار التعليمي: شغف المعرفة العابر للحدود

آمن الدكتور أحمد عبدالملك بأن الموهبة وحدها لا تكفي، فحرص على صقلها بالتحصيل الأكاديمي الرفيع، متنقلاً بين عواصم عربية وعالمية. بدأ رحلته الجامعية بالانتساب إلى جامعة بيروت العربية في لبنان، حيث حصل على ليسانس الآداب في اللغة العربية عام 1976. كانت بيروت في السبعينيات مركزاً للإشعاع الثقافي العربي، وهناك تشرب أحمد عبدالملك روح التجديد الأدبي والنقدي.

لم يتوقف طموحه عند هذا الحد، بل اتجه نحو الولايات المتحدة الأمريكية، وتحديداً جامعة ولاية نيويورك (بافلو)، حيث نال درجة الماجستير في الإعلام التربوي عام 1983. كانت هذه المرحلة حاسمة في حياته، حيث اطلع على أحدث تقنيات الإعلام والاتصال في العالم، وفهم كيف يمكن للإعلام أن يكون أداة تعليمية وتنموية فعالة.

توج مسيرته التعليمية بالحصول على درجة الدكتوراه في الصحافة من جامعة ويلز في المملكة المتحدة عام 1989. هذا التنوع في البيئات التعليمية — بين بيروت المنفتحة ثقافياً، ونيويورك المتقدمة تقنياً، وبريطانيا العريقة أكاديمياً — منح الدكتور عبدالملك رؤيةً نقديةً واسعة. مكنته هذه الخلفية من الجمع بين أصالة اللغة العربية وقواعدها المتينة، وبين أحدث نظريات الإعلام والاتصال العالمية، مما جعله مرجعاً أكاديمياً موثوقاً في مجاله.

المسيرة الإعلامية: من المايكروفون إلى سدة التحرير والعمل الدبلوماسي

بدأ العمل الرسمي للدكتور أحمد عبدالملك كمذيع في تلفزيون قطر عام 1972، في وقت كان فيه التلفزيون وسيلة الإعلام الأكثر تأثيراً وجدة في المجتمع. بفضل صوته الرخيم، ولغته العربية السليمة، وحضوره الطاغي، سرعان ما أصبح صوتاً مألوفاً ووجهاً موثوقاً لدى الجمهور القطري. تدرج في المناصب الإعلامية بفضل كفاءته وتفانيه، فشغل منصب رئيس وحدة النصوص والترجمة، ثم رئيساً لقسم الأخبار عام 1976، وهو منصب حساس تطلب دقة عالية وحساً سياسياً مرهفاً.

لم يقتصر عطاؤه على العمل المرئي والمسموع، بل كان من رواد الصحافة المكتوبة في قطر. بدأ الكتابة في مجلة “العروبة” عام 1970، وهي أولى المطبوعات القطرية التي أسسها المرحوم عبدالله بن حسين نعمة. ساهم بمقالاته الرصينة في كبريات الصحف القطرية والخليجية مثل “العرب”، “الراية”، “الشرق”، و”الوطن”. بلغ ذروة مسيرته الصحفية بتوليه رئاسة تحرير جريدة “الشرق” القطرية عام 2000، حيث قاد الجريدة في مرحلة انتقالية هامة، مساهماً في تطوير خطها التحريري وتعزيز حضورها كمنبر للرأي والتحليل.

على الصعيد الإقليمي والدبلوماسي، شغل الدكتور عبدالملك منصب مدير الشؤون الإعلامية بالأمانة العامة لمجلس التعاون لدول الخليج العربية بين عامي 1993 و1999. خلال هذه الفترة، كان شاهداً على أدق تفاصيل العمل الخليجي المشترك، وحضر كافة القمم الخليجية منذ عام 1981، مما جعله خبيراً في الشأن السياسي والإعلامي الخليجي. كما عمل مستشاراً في المجلس الوطني للثقافة والفنون والتراث، مساهماً في رسم السياسات الثقافية للدولة.

العطاء الأكاديمي: بناء الإنسان ونقل الخبرة للأجيال القادمة

انتقل الدكتور عبدالملك إلى الحقل الأكاديمي حاملاً معه إرثاً غنياً من الخبرة الميدانية التي لا تدرس في الكتب وحدها. عمل أستاذاً مشاركاً لمواد الإعلام في جامعة قطر منذ عام 1983 وحتى 2004، وهي الفترة التي شهدت تخريج أجيال من الإعلاميين القطريين الذين تتلمذوا على يديه. كما ساهم في التدريس بكلية المجتمع عام 2014، مؤكداً على استمرارية عطائه التعليمي.

رجل مسن يرتدي الثوب العربي التقليدي والغترة، يتحدث بجدية في حدث رسمي. تعكس تعابير وجهه الحكمة والخبرة.

تميز أسلوبه التدريسي بالربط الوثيق بين النظرية والتطبيق. لم يكن يكتفي بشرح النظريات الإعلامية، بل كان ينقل لطلابه تجاربه في استوديوهات الأخبار وغرف التحرير. كان يشدد دائماً على “أخلاقيات المهنة”، وعلى أهمية اللغة العربية السليمة كأداة لا غنى عنها للإعلامي العربي. سعى من خلال ورش العمل والدورات التدريبية لتطوير مهارات المذيعين والمذيعات الجدد، مؤمناً بأن الإعلامي الناجح هو “المثقف” الذي يمتلك خلفية معرفية واسعة، وليس مجرد “مؤدٍ” يقرأ ما يكتب له.

الإنتاج الأدبي والمؤلفات: إبداع متعدد الأوجه

يُعد الدكتور أحمد عبدالملك من أغزر الكتاب القطريين إنتاجاً، حيث تجاوزت مؤلفاته الثلاثين كتاباً شملت الرواية، القصة القصيرة، النثر الفني، والدراسات الإعلامية والسياسية.

أولاً: في الرواية والقصة (تيار التجديد)

مثل الدكتور عبدالملك تيار التجديد في الأدب القطري، حيث انتقل بالرواية من السرد التقليدي إلى آفاق تجريبية وفلسفية أرحب. تميزت أعماله بملامسة التحولات الاجتماعية والثقافية العميقة في المجتمع القطري والخليجي. من أبرز أعماله الروائية:

  • أحضان المنافي (2005): التي استكشف فيها قضايا الاغتراب النفسي والمكاني.
  • ميهود والجنية: الرواية التي نال عنها جائزة كتارا للرواية العربية، وتعد من أهم الأعمال التي وظفت الموروث الشعبي والأسطورة في قالب روائي معاصر.
  • الموتى يرفضون القبور (2016): عمل فلسفي يتأمل في جدلية الحياة والموت والذاكرة.
  • غصن أعوج (2017): رواية اجتماعية نقدية بامتياز.
  • فازع شهيد الإصلاح في الخليج، 2009
  • شو، 2016
  • أحضان المنافي، 2005
  • القنبلة، 2006
  • الأقنعة، 2011

وفي القصة القصيرة، أصدر مجموعات متميزة مثل “الغرفة 405″ و”أوراق نسائية” و”نوافذ على شرفة الروح”، حيث برع في فن “القصة القصيرة جداً” والتقاط اللحظات الإنسانية المكثفة.

ثانياً: في الدراسات الإعلامية والأكاديمية

قدم للمكتبة الإعلامية مراجع أساسية لا غنى عنها، منها:

  • المذيع التلفزيوني: مبادئ ومواصفات (1983): الذي يعد دليلاً لكل مبتدئ في هذا المجال.
  • الجانب الآخر لنشرة الأخبار التلفزيونية (1986): دراسة في كواليس العمل الإخباري.
  • الرواية القطرية: قراءة في الاتجاهات (2016): وهو دراسة نقدية توثيقية هامة ترصد تطور هذا الفن في قطر.
  • دخان.. مذكرات دبلوماسي سابق (2022): كتاب يمزج بين السيرة الذاتية والتوثيق السياسي لمرحلة هامة من تاريخ قطر والخليج.
  • الجانب الآخر لنشرة الأخبار التلفزيونية، 1986
  • فضائيات، 2000
  • قضايا إعلامية، 1999
  • دراسات في الإعلام والثقافة والتربية، 2002
  • كيف تكون مذيعاً ناجحاً، 2004
  • بلا دبلوماسية، مقالات، 2006
  • الدرب المأمون لحديث المايكروفون، 2008
  • الرواية القطرية، قراءة في الاتجاهات، 2016
  • دخان.. مذكرات دبلوماسي سابق، 2022
غلاف كتاب "مهيوب والجنية" لأحمد عبد الملك، يظهر رسماً فنياً لامرأة ترتدي الحجاب. التصميم يجمع بين الألوان الداكنة والعناصر الفنية، مما يعكس جوهر الرواية.

ثالثا: في الفكر والأدب بين الحداثة والهوية

لم يكن عبدالملك أديباً منعزلاً، بل مفكراً يتفاعل مع قضايا عصره. ففي كتبه مثل:

  • بلا دبلوماسية (مقالات، 2006)،
  • مجلس التعاون في عيون أبنائه (2015)،
  • الرواية القطرية: قراءة في الاتجاهات (2016)
  • رسائل إلى امرأة تحترق، نثر فني، 1982
  • مهاجر إلى عينيك، نثر فني، 1992
  • شيء من الهمس، نثر فني، 1993
  • الغرفة 405، قصص قصيرة، 1997
  • أوراق نسائية، قصص قصيرة، الجزئين، 2001-2002
  • امرأة الفصول السريعة، نثر فني، 2002
  • المعري يعود بصيراً، مسرحية، 2005
  • مدينة القبور، نثر فني، 2007
  • لطائف الكلام، نصوص، 2010
  • وشوشات الروح، قصص قصيرة، 2012
  • نوافذ على شرفة الروح، قصص قصيرة، 2014

كما نجد رؤية نقدية واعية لقضايا الخليج: التحديات السياسية، التحوّلات الاجتماعية، وصراع الهوية.
وقد دافع عن الحداثة دون قطيعة، والتجديد دون تغريب، مؤمناً أن الأدب والإعلام يجب أن يكونا مرآةً واعية، لا مجرد سرد أو ترفيه.

أفكاره ورؤيته: المثقف العضوي والالتزام بالهوية

كان الدكتور أحمد عبدالملك يجسد مفهوم “المثقف العضوي” الذي ينخرط في قضايا مجتمعه. تميزت رؤيته الفكرية بعدة ركائز:

اللغة العربية كحصن للهوية:

كان يرى في اللغة العربية أكثر من مجرد وسيلة تواصل؛ إنها وعاء الهوية والوجود. حارب بشراسة ضد “تغريب” اللغة في الإعلام والتعليم، وكان يرى أن إتقان اللغة هو أولى خطوات التميز الإعلامي.

التجديد الأدبي المسؤول:

آمن بأن الأدب يجب أن يكون مرآة للواقع، لكنه لم يكتفِ بالرصد، بل كان يطرح تساؤلات فلسفية حول الهوية، الحداثة، والتقاليد.

الإعلام كرسالة تنويرية:

بالنسبة له، الإعلام ليس مجرد نقل للمعلومات، بل هو أداة لبناء الوعي وتثقيف المجتمع. كان يرفض السطحية والابتذال في المحتوى الإعلامي.

الاستثمار في الإنسان:

من خلال عمله في مجلس التعاون، كان يكرر دائماً أن القوة الحقيقية لدول الخليج تكمن في عقول أبنائها وتعليمهم، وليس في الثروات المادية وحدها. كان يدعو دائماً إلى “دمقرطة المعرفة” وجعلها متاحة للجميع.

الجوائز والتكريمات: اعتراف بالريادة

تقديراً لعطائه الطويل، حصل الدكتور أحمد عبدالملك على العديد من الجوائز وشهادات التقدير من دول مجلس التعاون ومنظمات عربية ودولية. وتظل “جائزة كتارا للرواية العربية” هي التتويج الأبرز لمسيرته الأدبية، حيث أكدت على مكانته كروائي عربي يمتلك أدواته ببراعة. كما كرمه اتحاد إذاعات الدول العربية ومعهد الصحافة البريطاني كعضو فاعل ومؤثر.

أحمد عبدالملك .. ذاكرة حية وإرث لا يغيب

رحل الدكتور أحمد عبدالملك في التاسع عشر من يناير عام 2026، وهو التاريخ الذي سجل نهاية رحلة جسدية وبداية خلود فكري. ترك وراءه إرثاً معرفياً وإبداعياً ضخماً يتجاوز الثلاثين كتاباً، وآلاف المقالات، وساعات لا تحصى من البرامج التلفزيونية والإذاعية.

لم يكن أحمد عبدالملك مجرد اسم في قائمة الإعلاميين أو الأدباء، بل كان “مؤسسة ثقافية” تمشي على قدمين. سيبقى في ذاكرة قطر والخليج نموذجاً للإخلاص للكلمة، وللمثقف الذي لم يتنازل يوماً عن مبادئه المهنية والأخلاقية. إن مسيرته من “المايكروفون” إلى “الرواية” ومن “غرفة الأخبار” إلى “قاعة المحاضرات” ستبقى ملهمة لكل شاب قطري وعربي يطمح لترك أثر حقيقي في هذا العالم. رحل الدكتور أحمد عبدالملك، لكن كلماته ستبقى “نوافذ على شرفة الروح” تضيء دروب الباحثين عن الحقيقة والجمال.