في كلّ مرّةٍ يُثار الحديث حول الذكاء الاصطناعي، يَرِد السؤال بصيغةٍ واحدة تقريبًا: هل سيُغيّرنا؟ هل يُهدّد وظائفنا؟ هل سيُعيد تشكيل عقولنا وأذواقنا وعلاقاتنا؟ والملاحظ في هذه الأسئلة جميعًا، أنّها تنطلق من فرضيّةٍ ضمنية واحدة: أنّ ثَمَّ تهديدًا قادمًا من الخارج، وأنّنا في وضع المتلقّي الذي ينتظر الضربة. وفي تقديري أنّ هذه الفرضية هي بالضبط ما ينبغي مراجعته.

قبل أكثر من نصف قرن، طرح المفكّر الجزائري مالك بن نبي مفهومًا لا يزال يحتفظ بحدّته التشخيصية: “القابلية للاستعمار”. قال بأنّ الاستعمار لم يفرض نفسه على شعوبٍ كانت في عافيتها، بل وَجَدها مهيّأةً داخليًا لاستقباله، فدخل من بابٍ فتحتْه هي على نفسِها. الهشاشة قبل الضربة. التآكل الداخلي قبل الغزو الخارجي. ولعلّنا اليوم أمام نسخةٍ جديدة من المعادلة ذاتها، بثوبٍ تقنيّ: “قابليّةٌ للأتمتة”. فالذكاء الاصطناعي لم يأتِ ليجعلنا آليّين؛ بل وَجَدنا قد صرنا آليّين، فالتقطنا بسهولة.

تأمّل في يومٍ عاديّ

تأمّل في يومٍ عاديّ من حياتنا. الموظّف يقيس يومه بمؤشّرات أداءٍ رقمية لا تعكس جوهر ما يفعل. والمدير يتّخذ قراراته من تقاريرَ مكتوبة، لا من قراءة وجوه الناس وأحوالهم. والمعلّم يتعامل مع طلّابه أرقامًا في كشف الدرجات، والطالب يدرس من أجل الاختبار لا من أجل المعرفة. وفي العمل الخيري -وهو ميدانٌ أعرفه عن قُرب- صار الأثر يُقاس بعدد المستفيدين، لا بعمق التحوّل في حياتهم. وحتى الخطاب الثقافي والديني، في كثيرٍ من تجلّياته المعاصرة، تحوّل إلى إجاباتٍ معلّبة، تُستخرج من قواعد بياناتٍ لا من سياقات إنسانٍ من لحمٍ ودم.

ثمّ نسأل بعد كلّ ذلك: ما الذي يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يفعله أفضل منّا؟ والجواب البسيط: كلّ هذا. لأنّنا حوّلنا أعمالنا إلى ما تُتقنه الآلة جيّدًا، فلا عجب أن تنتزعها منّا.

المبنى والمعنى

وفي تقديري أنّ جذر هذا الخلل أعمق ممّا نتصوّر: لقد انصرف اهتمامنا الحثيث إلى المبنى، وتراجعنا عن سقي المعنى. صرنا نُتقن تشييد الهياكل التنظيمية، ورسم المخطّطات، وصياغة المؤشّرات، وتجميل الواجهات، وننسى أن نسأل عمّا يجري في الداخل، وما المعنى الذي ينبت في القلب بعد كل هذا الجهد. والمعنى -كالنبتة- إن لم يُسقَ ذَبُل، وإن ذبل أُهمِل، وإن أُهمل تركنا المكان لمن يُحسن صنع المبنى دون حاجةٍ إلى المعنى. وهذه، بالضبط، طبيعة الآلة.

لذلك، حين تتفوّق الخوارزمية في فرز المتقدّمين لوظيفة، فهي لا تُعلن عن عبقريّتها بقدر ما تكشف أنّنا حوّلنا التوظيف إلى مبنًى بلا معنى.

السؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا، إذن، ليس: كيف ننافس الذكاء الاصطناعي؟ بل: كيف نستعيد ما تنازلنا عنه قبل أن يصل؟ كيف نُعيد للمعلّم سُلطةَ الحضور، لا سلطةَ المنهج؟ وللمدير قدرةَ قراءة الإنسان، لا قراءة التقرير؟ وللأب صبرَ الإصغاء، لا متابعةَ تطبيقٍ يقيس خطوات الابن وساعات نومه؟ وللمؤسّسة شَجاعةَ أن تقول إنّ بعض الأشياء المهمّة لا تُقاس، وأنّ بعض ما يُقاس ليس مهمًّا؟

ليست هذه دعوةً إلى رفض التكنولوجيا؛ فهي مكسبٌ حقيقيّ ينبغي استثماره بذكاء. لكنّها دعوة إلى ما كان يُلِحّ عليه مالك بن نبي حين تحدّث عن الإقلاع الحضاري: أن نبدأ من الداخل لا من الخارج، وأن نُعالج “القابلية” قبل أن نُعالج أعراضها. أن نعود إلى سقي المعنى، لا أن نكتفي بصقل المبنى.

فإن لم نفعل، فلن يُهزَم الإنسانُ أمام الذكاء الاصطناعي يومًا؛ بل سيكتشف -ببساطة- أنّه هزَم نفسه قبل أن يصل.