الدين والإنسان في نطاق نظرية المقاصد لدينا أشبه بالقواعد فوق الدستورية لدى أهل القانون. وهما، وإن كان يمكن اعتبارهما قاعدتين محددتين، إلا أن ما يقع تحتهما من مقاصد عامة أو ضرورية أو كلية، لا يمكن أن يكون محصورًا بأى شكل من الأشكال، وذلك لارتباطهما بطبيعة الإنسان والدين، فالإنسان ليس كائنًا ثابتًا في موضعه متجمد العقل والبيئة بل وجوده حركي متتابع، ونشاطه متواصل ومتجدد ومتغير، والدين أيضا وإن تضمن أصولًا قطعية ثابتة لا تتحول ولا تتبدل ولا يجوز العبث بها أو تأويلها عن غير مفهومها ودلالتها القطعية، (مثل أركان الإسلام الخمسة وما يلحق بها من فرائض) إلا أن الظروف المحيطة بممارستها قد يلحقها تغير أو تحيط بها نوازل قد تقتضي إعادة النظر في الأحكام الفرعية في ضوء نظرة مقاصدية للمحافظة على الدين.
التغير هنا لا يكون محله العقيدة، ولا على الفروض القطعية والعبادات المحددة والمنضبطة بنصوصها الشرعية، وإنما يتغير الأمر بظروف خارجية تتعلق بممارسة العبادات وأداء الفرائض والسنن، كما سيوجد في الشق الأخلاقي والمعاملاتي من الدين تغير في كثير من الأمور بسبب البيئة الزمانية والمكانية المتجددة، مما يؤدي إلى تغيرالأحكام الجزئية والفرعية أيضًا، وتتعدد معه المقاصد أكثر وتتكشف بشكل أوضح.
ومثال ذلك ما يستجد بالتأكيد بحسب كل عصر وكل بيئة، ومع التقدم الواسع لنوازل الحياة ومستحدثات الواقع، كل ذلك يحتاج إلى فقه يسايره من خلال مقاصد تصب في تحقيق المقاصد العليا ونعنى بها الكليتين الأساسيتين: الدين والإنسان. وهنا تنبثق مقاصد عامة غير محصورة وقابلة للإضافة لتحقيق غاية الوجود، والمتمثلة في العبادة من خلال الحفاظ على الدين والإنسان. بمعنى أنه إذا كان العلماء قد درجوا على حصر المقاصد في خمسة مقاصد أصلية، وانشغلوا في ترتيبها أيها يأتي في المقدمة والآخر تاليًا له، فإن الواقع يفرض ملاحظة أمرين على هذا التقسيم :
الأول: التشابك والتداخل بين المقاصد
إذا نظرنا إلى الغرض من كل مقصد مما اصطلح عليه أهل العلم سنجد هذه المقاصد كما تؤدي إلى تحقيق غرضها الأساسي والحفاظ عليه، فإنها تصب كذلك في خدمة وتحقيق غيرها من أغراض وغايات المقاصد الأخرى، ويعزى ذلك من الطبيعة الذاتية للعقيدة الإسلامية باعتبارها عقيدة روح ومادة، وعقيدة دين ومعاملة، وعقيدة دنيا وآخرة، عقيدة ذات طبيعة ثنائية تكفل لها الكمال والشمولية ولا تفرط في ضرورة لا يستطيع الإنسان العيش بدونها.
تداخل المقاصد من حيث غايتها وأغراضها يتضح جليًا إذا نظرنا إلى أغراض كل مقصد، فحفظ الدين يؤدي بالضرورة إلى حفظ النفس لأن النفس محمية بنصوص الدين والعكس صحيح، إذ أن حفظ النفس يؤدي إلى حفظ الدين، فالنفس تتحرك وتتفاعل لتطبيق الدين وتفعيله واقعا في المجتمع، وحفظ النسل وحفظ المال كما يؤديان إلى حفظ الدين يؤديان أيضا إلى حفظ النفس، وصيانة المال تكفل استخدامه في الدين والمحافظة على سلامة النفس بشقيها المعنوي والجسدي، والحفاظ على النسل يمثل حفاظا على الدين الداعي إلى العفة والتناسل الحلال وتحريم الزنا، وصيانة الأخلاق وتربية الأبناء. والدين أيضا يدعو لسلامة الإنسان ويحرم الاعتداء عليه، ويحث على حفظ المال والعرض والعقل.
هذا التداخل في النهاية يؤكد أن كل المقاصد – كلية أو جزئية ضرورية أو حجية أو تحسينية – تصب في هدف واحد، يتمثل في الحفاظ على الدين والإنسان وتكفل التحقيق المشترك والمترابط بينهما.
الثاني : عدم إمكانية حصر المقاصد الشرعية
لا يمكن حصر المقاصد، سواء أكانت كلية أو جزئية، حصرًا نهائيا إذ أن مآلها إلى التغيير والتجديد، وقابلة للإضافة دون الحذف. ومن أهل العلم والفقه من أضاف مقصد “حرية الإنسان” ومن أضاف مقصد “حقوق الإنسان” ومن أضاف مقصد العدل، ومقصد الحفاظ على البيئة وسلامتها، في أمر لا يمكن تصور الخلاف حوله، إذ إن تغير الواقع وديمومية حركة الإنسان ووجوده الفاعل قائم على التطور والتفاعل مع العالم المحيط به، مما يخلق علاقات وتشابكات وإشكاليات تحتاج إلى الكشف عن مقاصد بغرض ضبط مشروعيتها وسلامتها، سواء من حيث الغاية التي تحققها هذه العلاقات، وكذلك الوسائل التي ينتهجها الإنسان عبر هذه العلاقات للوصول إلى الغاية، فالمقاصد ستلعب دورًا في الهدف والوسيلة أي في السلوك والنتيجة.
وعلى هذا الأساس، فإن المقاصد تنطلق لتزن بميزان الشرعية سلوك الإنسان القابل للتطور والتغير، فطالما وجد الإنسان على البسيطة وما بقيت الحياة قائمة، فإن الإنسان تتجدد أنماط سلوكه وأشكال تعاملاته تاثرًا بما يحدث حواليه من تغيرات، بل يمكن القول إنه حتى المقاصد الخمسة غير ثابتة في حدودها وأطوارها وبنائها الداخلي إلى جانب قابليتها للإضافة عليها.
وتتأثر هذه المقاصد بالتغير الحاصل في بيئة ممارسة العبادات، نتيجة للظروف المحيطة وتطور الحياة البشرية، فلابد من توسيع هذه المقاصد الخمسة من خلال ما يعرف بالمقاصد الحاجية والتحسنية أو ما يمكن أن نسميه هنا “المقاصد التكميلية” وهو لفظ جامع يشمل الحاجية والتحسينية لأنهما في النهاية مكملات للمقصد الأساسي.
فإذا كان النهي عن الزنا بقصد الحفاظ على النسل، لزم مثلًا النهي عن مشاهدة الأفلام التي بها مناظر قبيحة تثير الغريزة، والنهي هنا جاء من باب تحسين المقصد الأساسي وهو حفظ النسل، والنهي عن عرض ملابس النساء المثيرة في المحلات العامة وغيرها مما يثير الغرائز والفتن من صور مستحدثة.
وإذا كنا نتحدث عن مقصد حفظ الدين بإيجاب أركان الإسلام ومنها الزكاة، فقد يوجد المسلم في بلد ليس فيها أقوات مما نص عليه الحديث فجرى العمل – أو حتى من باب الأنفع والأولى – على جواز إخراج المال عوضًا عنها.
وهكذا فإن المقاصد التحسنيية أو الفرعية أو الجزئية ستلعب دورًا فاعلًا في مد نظرية المقاصد بالمرونة اللازمة للحفاظ عليها، وقدرتها على استخراج العديد من الأحكام الشرعية بالنسبة للمستجدات كإباحة الحمل خارج الرحم ـ أطفال الأنابيب ـ حفاظًا على النسل بالإنجاب مثلًا أو بالنسبة للمتغيرات كإخراج زكاة الفطر مالًا بدلًا من الأقوات أو وجوب التعليم للحفاظ على العقل والنهي عن ترك المدارس للصغار، فتلك مقاصد فرعية من شأنها أن تصب في المقصد الضروري في ضوء أن العلم أصبح شيئا أساسيًا في حياة المسلمين وأمة الإسلام، وتزايدت أهميته إلى درجة لا يمكن إنكارها ولا يمكن إلا اعتبار العلم والتعليم واجبين على الآباء نحو الأبناء.
إذن، نظرية المقاصد نظرية مرنة منفتحة، لها القدرة على استيعاب الواقع الذي يعيشة المسلم وإخراج حكم شرعي سليم في إطار البيئة التي يعيش فيها.
المقصد الشرعي الغائب
وإلى جانب ذلك نجد أن هذا التغير والتطور قد خلق مقاصد عامة أو ضرورية غير المقاصد الخمسة نتيجة لمستجدات الحياة وتغير البيئة الزمانية والمكانية، وهي مقاصد مستقلة ولا يتصور وضعها تحت أي من المقاصد الخمسة التي أكثر العلماء في تناولها.
فعلى سبيل المثال لا الحصر، أصبح للأمة الإسلامية وجود وحدود واضحة المعالم وكيان ديني وثقافي وإن تمثلت في دول أو أوطان مصغرة، فلماذا لا نعتبر الحفاظ على الوطن مقصدًا شرعيًا في ظل زيادة الأخطار المحدقة بالأمة الإسلامية؟ قد يقال إن هذه شعوبية ممقوته أو منهي عنها، بيد أن الحفاظ على الوطن في مواجهة المعتدين المشركين غدا أمرًا مسلمًا به، وقد جاء الإسلام صريحًا في قوله عز وجل: { وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱقۡتَتَلُواْ فَأَصۡلِحُواْ بَيۡنَهُمَاۖ فَإِنۢ بَغَتۡ إِحۡدَىٰهُمَاعَلَى ٱلۡأُخۡرَىٰ فَقَٰتِلُواْٱلَّتِي تَبۡغِي حَتَّىٰ تَفِيٓءَ إِلَىٰٓ أَمۡرِ ٱللَّهِۚ فَإِن فَآءَتۡ فَأَصۡلِحُواْ بَيۡنَهُمَا بِٱلۡعَدۡلِ وَأَقۡسِطُوٓاْۖ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِينَ } ( الحجرات :9 ) فإن كان من الجائز قتال المؤمنين إذا بغوا حتى يعودوا إلى أمر الله فمن باب أولى جواز قتال الكافر أو الأعداء من غير ملة الإسلام. وقد يؤدي الخطر إذا أصبح داهمًا وجسيمًا إلى اعتبار الأمر من فرض كفاية إلى فرض عين في بعض المذاهب.
ولا يقال ان الأمر يتعلق بالحفاظ على الدين مثلًا، اذ إن أغراض الغزو قد لا تتعلق بفرض العقيدة، فالغازي أو المستعمر المحتل قد لايمس الدين لكنه سيسلب الوطن قيمته ومقدراته وثرواته، فقد جاء في الحديث الذي رواه أبو هريرة – رضي الله عنه – أنه قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله، أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: “فلا تعطه مالك” قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: “قاتله” قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: “فأنت شهيد” قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: “هو في النار [صحيح مسلم حديث رقم 140].
مقصد سلامة الإنسان وأبعاده المعاصرة
وإذا كان حفظ العقل يقتضي الحفاظ على الجانب العقلي والحفاظ على النفس مصروف للحفاظ على الجسد، فإننا في ظل ظروف الحياة والعلاقة الشائكة بين الفرد وما ظهر من أنظمة سياسية أو أشكال للحكم، مع تدفق المدخلات تقنية كالقنوات والوسائط الإعلامية بأنواعه المسموعة والمرئية، يثور التساؤل: لِمَ لا نعتبر حقوق الإنسان في التعبير والعمل السياسي والحقوق الاجتماعية والصحة والعلاج وغيرها من مقاصد الشرع التي تفرض على الدولة الإسلامية ضرورة كفالتها؟ لأنها أمور لا تقوم الحياة إلا بها، فضلا عن مساهمتها في نشر الدين وتيسر إقامته؛ فبعد أن كان النظر إلى المقاصد ينطلق من زاوية الفرد وعلاقته بالخالق عز وجل أو بغيره من البشر، نشأت اليوم علاقة بين الفرد والدولة تقتضي تنظيمًا شرعيا؟
وقد يقول البعض إن الأمر لا يخرج عن مقاصد الشريعة الأساسية مثل مقصد حفظ العقل فندخل تحته حق الإنسان في التعليم والفكر والإبداع، وحق الإنسان في الصحة ندخله تحت الحفاظ على النفس ويمكن الرد على ذلك بأن هذا التداخل ليس فقط بين ما نعتبره مقاصد مستحدثة وإنما هو أيضا موجود بين المقاصد الشرعية الأساسية، فقد سبق أن قلنا إن الدين حض على احترام العقل وصيانته فلماذا اعتبرنا العقل مقصدًا بذاته. والدين كذلك يدعو لسلامة الإنسان ويحرم الاعتداء عليه، ولو سايرنا هذا الرأي لاعتبرنا أن المقصد الوحيد هو الحفاظ على الدين.
لكن الحقيقة أن المقاصد – باعتبارها مستندا لاستنباط الأحكام الشرعية – ترتبط بالغايات والعلل، وتتأثر بحال الإنسان وبيئته وأفعاله، وينظر لأهمية كل مقصد منها في ذاته بمعزل عن غيره وإن أسهم في تحقيق وصيانة بقية المقاصد. ولا شك أن فكرة الدولة والوطن باتت تحتل مكانة محورية في حياة المسلمين؛ إذ تستعصي بعض الواجبات الدينية على قدرة الفرد بمفرده كصيانة المساجد وطبع المصاحف وإدارة منظومة التعليم الديني، كل هذه الأمور التي تتطلب جهداً ومشقةً يفوقان قدرة الأفراد، تستلزم إيجاد كيان سياسي يتجسد في الدولة، يغدو في غيابه تطبيق النظام ورعاية الأخلاق وضبط السلوك ضرباً من المستحيل. لذا، يعد الحفاظ على الدولة مقصداً شرعياً؛ فكل ما يحفظ الدولة ويصونها يصبح أمراً مشروعاً، وكل ما يؤدي للإضرار بها يكون محرماً أو مكروهاً بحسب مآلاته وما يراه العلماء في هذا الشأن.
والأمر كذلك بالنسبة إلى حقوق الإنسان، إذ أصبحت من الأهمية واللزوم العقلي والشرعي الذي يقتضي صيانتها بعد تعرض الفرد لانتهاكات تجعله قد يقبل أحيانا الاعتداء الجسدي ولا يقبل المساس بالحرية والكرامة والتهديد والوعيد بانتهاك الأعراض أو الشرف أو تلويث السمعة وبناء على ذلك، نرى أن مستجدات العصر أوجبت إيجاد مقصد شرعي عصري يتمثل في الحفاظ على الوطن، يقابله مقصد شرعي آخر متمثل في الحفاظ على حقوق الإنسان بمفهومها العصري.
ولا شك أن هذا القول يعيدنا إلى مقصد تحقيق العبادة بعمارة الأرض دينًا ودنيا؛ إذ لا يُتصور تحقيق عمارة الأرض ولا غاية الخلافة اليوم بدون دولة مسلمة قوية ومصانة، وبدون حقوق مكفولة للفرد في مواجهة الدولة والعالم المحيط به. ونحن لا ننكر أنه إلى جانب أهمية وجود مقاصد ضرورية جديدة، فإنه يمكن توسيع مفهوم المقاصد الضرورية كالعقل ليشمل حق البحث العلمي والحق في التعليم.
وهكذا يؤكد ما نذهب اليه من أن تطوير المصطلح قضية موضوعية أكثر منها قضية شكلية لفظية، فليس التطوير مجرد تطوير في المعنى بقدر ماهو توسيع في المضمون، ليستوعب المتغير والمستجد فسلامة الإنسان لم تعد مجرد سلامة جسدية ونفسية بل سلامة البيئة المحيطة به والعقل لم يعد مجرد الإدراك فقط، بل ضرورة أن ينصرف إلى الحق في التعليم بكل صوره، والحق في المعرفة وتكوين الوعي. وحق الإنسان في الحرية لم يعد قاصرا على عدم تقييد حريته بحبسه في مكان ضيق، بل أضحى يشمل حرية التنقل، وحرية الإبداع، وحرية التعبير، ويتسع إلى غيرها من الحريات العامة.
مقصد الاستخلاف وعمارة الأرض
والخلاصة أن الإنسان وُجد ليعبد الله، المتمثلة في الغاية الأسمى من كل شيء ومقصد المقاصد، ولا تتحقق هذه الغاية إلا بدين يمارسه الإنسان. ومن ثم يمثل الدين والإنسان كليتين عامتين يندرج تحتهما العديد من المقاصد العامة التي تحتاج لتحققها وكفايتها مقاصد تكميلية، تتمثل في مقاصد فرعية أو جزئية أو حاجية أو تحسينية، لتكفل أوسع تطبيق للمقصد العام والأساسي الذي تندرج تحته.
إذن، فإن كل ما يؤدي إلى حفظ الإنسان يندرج في سلك الضروريات، وكل ما يؤدي لحفظ الدين يمثل ضرورة أيضًا، ولا يمكن حصر الضروريات في الكليات الخمس التي تكلم عنها الأقدمون. فكما سلف البيان، يمثل حفظ العقل والمال والنفس حفظًا للإنسان، ومع تشعب الحياة غدا من مقتضيات الحفاظ عليه صيانة حريته وحقوقه في التعليم والحركة والكرامة الإنسانية، لتظهر شيئًا فشيئًا الحقوق السياسية والاجتماعية. لذلك يتعين دائمًا النظر إلى الكليتين: الأساس الإنساني في إطار الدين أو العبادة، والعبادة بوصفها مهمة محددة للإنسان وغرضًا أسمى لوجوده؛ فما يحفظ الإنسان وما يستجد في هذا النسق يغدو ضرورة شرعية، وما يُحسّنه يصبح مقصدًا تحسينيًا، وما يسد حاجاته يندرج تحت الحاجي، شريطة ألّا يكون ذلك على الإطلاق، بل مؤطرًا بالإطار الديني والشرعي.
فالحياة على البسيطة لا تقوم بغير الإنسان، ولا تستقيم ولا معنى لها بغير الدين؛ فالإنسان يمثل طرفًا في معادلة الوجود التي حددتها الآيات القرآنية، قوله تعالى { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون * ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون} (الذاريات : 56 – 57)
فالإنسان كائن متحرك ومتطور في بيئته ومحيطه، وإذا كان كيانه المادي من حيث الجسد ثابتًا، فإن الكيان المعنوي للإنسان متجدد ومتطور بتشابك العلاقة بين الفرد والمجتمع والدولة. ومن هنا ظهرت العديد من الحقوق والحريات السياسية والاجتماعية والثقافية وغيرها، لتسهم بدورها في الحفاظ عليه وتحقيق إنسانيته وكفالة قيامه برسالته في عبادة الخالق، وترتقي لأن تكون مقصدًا شرعيًا وضروريًا.
وفي المقابل، يجب أن نلاحظ أنه نتيجة لهذا التطور الهائل المحيط بالبيئة المادية للإنسان، ظهرت مخرجات للتقدم العلمي والتقني من شأنها أن تؤثر على سلامة الإنسان الجسدية؛ مثل حقه في بيئة نظيفة وعدم تعرضه للملوثات، وحقه في العلاج والرعاية الصحية التي لم تعد في مكنته الشخصية بغير تضافر الدولة، ويمكن أن تمثل مقاصد شرعية تصب في الحفاظ على سلامته الجسدية.
ويتمثل الدين بهذا المفهوم في الأسس والمبادئ العليا المتعلقة بالتوحيد والتكاليف والأوامر والنواهي الشرعية؛ أي العبادة أو العلاقة بين الإنسان وخالقه وأداء الفرائض واجتناب النواهي، إلى جانب شموله الأخلاق والمعاملات وفقًا للقيم الأخلاقية التي استنها الدين. وهنا يكمن أساس ومحور نظرية المقاصد بالنسبة للإنسان؛ لتغدو بالنسبة له نظرية مطلقة وكلية وشاملة لحفظ إنسانية الإنسان بكيانه المادي والمعنوي، الجسدي والروحي، وحفظ وجوده وكرامته. أما في النطاق الموضوعي، فهي نظرية تحفظ الدين وتحقق غرضه وتساهم في بناء أحكامه، والدين حين يمارسه الإنسان يصبح عبادة، تعكس المقصد الأعلى والغاية الأسمى من وجود الإنسان.
