لم يكن وصول عثمان بن عفان رضي الله عنه إلى خلافة المسلمين حدثًا منفصلًا عن سيرته السابقة؛ فقد كان يوم اختاره أهل الشورى واحدًا من أقدم رجال الإسلام صحبةً لرسول الله ﷺ، وصهره على ابنتيه، وصاحب هجرتين، ورجلًا أنفق من ماله في مواطن بقي ذكرها في السنة، ثم عاش بعد وفاة النبي ﷺ قريبًا من الصديق وعمر، حتى جعله عمر في الستة الذين حصر فيهم الشورى من بعده؛ ومن هنا فإن فهم خلافة عثمان يبدأ قبل توليه الحكم بسنوات طويلة، من موقعه في الجيل الأول الذي قام عليه بناء الدولة الإسلامية.
من السابقين الأولين
هو عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، فيلتقي نسبه مع رسول الله ﷺ في عبد مناف، وكان من بني أمية، أحد البيوت الكبيرة في قريش، وعرف بالتجارة والمال، وكان من السابقين إلى الإسلام، أسلم بدعوة أبي بكر الصديق رضي الله عنه له، وتزوج رقية بنت رسول الله ﷺ، فلما اشتد أذى قريش للمسلمين خرج بها مهاجرًا إلى الحبشة، وكانا في طليعة من خرج إليها فرارًا بالدين، ثم عاد وهاجر إلى المدينة، وبعد وفاة رقية زوجه النبي ﷺ أختها أم كلثوم، واشتهر لذلك بلقب “ذي النورين”.
وقد عرفت شخصية عثمان بخلق التصق باسمه حتى صار من أشهر صفاته وهو الحياء؛ ففي صحيح مسلم أن النبي ﷺ لما دخل عليه عثمان جلس وسوى ثيابه، ولما سألته عائشة رضي الله عنها عن ذلك قال: (ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة). ولم يكن هذا الحياء ضعفًا أو انطواءً؛ فقد عاش عثمان في قلب أحداث الدعوة والدولة، وجمع بين رقة الطبع، والقدرة على التجارة، وبذل المال، وتحمل مسؤوليات الجماعة.
مواقف في صحبة رسول الله
شهد عثمان مع رسول الله ﷺ عامة مشاهده، أما غيابه عن بدر فكان بأمر النبي ﷺ؛ إذ كانت زوجته رقية مريضة، فأمره بالبقاء معها، وقال له: (إن لك أجر رجل ممن شهد بدرًا وسهمَه)، ولذلك عدّه العلماء في البدريين حكمًا وأجرًا وإن لم يحضر القتال. وظهر موقع عثمان في قريش يوم الحديبية؛ إذ اختاره رسول الله ﷺ ليذهب إلى مكة ويبلغ قريشًا أن المسلمين لم يأتوا لقتال وإنما جاؤوا معتمرين، ولما تأخر وشاع بين المسلمين أنه قتل، دعا النبيُّ ﷺ أصحابَه إلى بيعة الرضوان، ثم جعل يده عن عثمان، وقال: (هذه يد عثمان)، فضرب بها على يده. وفي اختيار عثمان لهذه المهمة دلالة على مكانته وصلاته بقريش؛ حتى قال ابن عمر في الحديث الصحيح: “لو كان أحد أعز ببطن مكة من عثمان لبعثه مكانه”.
وقد كان المال بابًا آخر من أبواب أثر عثمان في بناء الجماعة المسلمة؛ فقد ثبت في صحيح البخاري أن عثمان ذكّر الصحابة أيام حصاره بأن رسول الله ﷺ جعل الجنة لمن حفر بئر رومة فحفرها، ولمن جهز جيش العسرة فجهزه، فصدقه الصحابة فيما قال؛ وهنا تبدو سمة سترافق عثمان حتى الخلافة: فقد كان رجلًا واسع المال، لكنه جعل جانبًا معتبرًا من ثروته في خدمة المجتمع والدولة والدعوة.
من الصحبة إلى الشورى
وبعد وفاة رسول الله ﷺ بقي عثمان في قلب الجماعة المسلمة، وكان من كبار أهل الرأي والمشورة في خلافة أبي بكر ثم عمر رضي الله عنهما، ولم يكن غريبًا لذلك أن يضعه عمر عند موته ضمن ستة قال عنهم: إن رسول الله ﷺ توفي وهو عنهم راض، وهم: علي، وعثمان، وطلحة، والزبير، وسعد، وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهم. وهنا بدأت واحدة من أهم تجارب الشورى في التاريخ الإسلامي؛ فقد ترك عمر اختيار الخليفة إلى هؤلاء الستة، ثم تنازل عبد الرحمن بن عوف عن حقه في الخلافة ليتولى النظر في اختيار أحدهم، وانتهى الأمر إلى المنافسة بين عثمان وعلي رضي الله عنهما، وأخذ عبد الرحمن عليهما العهد أن يعدل من تولى، وأن يسمع الآخر ويطيع، وتدل رواية البخاري على أن عبد الرحمن بن عوف أمضى ليالي الشورى في استطلاع الرأي؛ فقد ذكر المسور بن مخرمة أن الناس كانوا يأتونه ويشاورونه، كما شاور سعدًا والزبير وعليًا وعثمان، ثم قال لعلي: “إني قد نظرت في أمر الناس فلم أرهم يعدلون بعثمان”، فبايعَ عثمان، وبايعه بعد ذلك المهاجرون والأنصار وأمراء الأجناد والمسلمون.
لقد كان اختيار عثمان خليفة للمسلمين أواخر سنة ثلاث وعشرين للهجرة بعد مقتل عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وكان قد تجاوز الستين من عمره، قضى أكثر من ثلاثين سنة منها في الإسلام، منذ أيام الاستضعاف في مكة، إلى دولة امتدت في عهد عمر من مصر والشام غربًا إلى بلاد فارس شرقًا، وهذه الخلفية مهمة لفهم عهد عثمان؛ فهو لم يصل إلى الحكم بصفته ممثلًا لبيت بني أمية، كما قد ترجف بعض القراءات المتأخرة لتاريخه! وإنما وصل إليه من داخل الحلقة الأقدم في الإسلام، وبعد أن وضعه عمر نفسه في أصحاب الشورى، ثم انتهت عملية الاختيار إلى بيعته بين كبار الصحابة والمسلمين.
لكن الدولة التي تسلمها عثمان لم تعد دولة السنوات الأولى؛ فقد اتسعت الأرض، وكثرت الأموال، ونشأت أجيال لم تعرف صحبة النبي ﷺ، وازدادت قوة الأمصار والقبائل، وظهرت تحديات لم يعرفها أبو بكر ولا واجهها عمر في صورتها الجديدة، وكان على عثمان أن يحكم هذه الدولة الواسعة بطبيعته ومنهجه، وأن يحافظ في الوقت نفسه على إرث صاحبيه من قبله.
الخاتمة
من هنا تبدأ قصة عثمان الخليفة؛ وهي قصة لا يمكن فهم ما وقع في نهايتها من فتنة وحصار واستشهاد، قبل فهم السنوات التي سبقتها: كيف حكم، وكيف اختار ولاته، وكيف أدار المال والفتوحات، وما الذي تغير في المجتمع والدولة خلال اثني عشر عامًا من خلافته.