تشير الدراسات إلى أن معدلات الخصوبة في دول مجلس التعاون شهدت تراجعًا واضحًا خلال العقود الماضية، وإن كان ذلك التراجع بدرجات مختلفة من دولة إلى أخرى، وتشير دراسة منشورة في Saudi Medical Journal عام 2024، تناولت اتجاهات تلك المعدلات في دول مجلس التعاون بين عامي 1980 و2021، إلى انخفاضها في الدول الست، مع ارتباط هذه التحولات بعوامل مثل التحضر، والتعليم، والتنمية البشرية، والناتج المحلي، ومشاركة المرأة في سوق العمل، إلى جانب عوامل أخرى تحتاج إلى مزيد من البحث.

فحين نتحدث عن تراجع معدلات الإنجاب في دول الخليج، غالبًا ما نسأل: كم طفلًا تنجب المرأة اليوم؟ وكيف تغير هذا الرقم مقارنة بما كان عليه قبل عقود؟ وهل اقتربت معدلات الخصوبة، وهي النسبة بين عدد المواليد الأحياء في السنة إلى إجمالي عدد الإناث في سن الحمل (من 15 إلى 49 عاما)، من مستويات تهدد النمو الطبيعي للسكان؟ لكن الرقم، مهما كان مهمًا، ليس بداية القصة، فمعدل الخصوبة الذي نراه اليوم هو في الحقيقة نتيجة لسلسلة طويلة من القرارات والظروف تبدأ قبل أن يولد الطفل الأول، وربما قبل أن يتزوج الأب والأم أصلًا، فما الذي حدث للأسرة الخليجية؟ هل تغير سن الزواج؟ أم أصبح تأسيس الأسرة أكثر كلفة؟ وكيف ينظر الجيل الجديد للزواج؟ ومتى يأتي الطفل الأول بعد الزواج؟ وما المسافة بين الطفل الأول والثاني؟

ولأن تكوين الأسرة والإنجاب في المجتمع الخليجي يبدآن من الزواج، فإن فهم مسار الخصوبة يقتضي أن نعود خطوة إلى الوراء، إلى قرار الزواج وتوقيته، هل ما زال الشباب والشابات يتزوجون في الأعمار نفسها التي كان الزواج يتم فيها سابقًا؟ وإذا كان الزواج قد تأخر، فلماذا؟ وهنا من المهم التمييز بين من لا يريد الزواج، ومن يريد الزواج لكنه يؤجله لأسباب كالدراسة، العمل، السكن، التكاليف، الخوف من المسؤولية، أو تغير معايير اختيار شريك الحياة، فإذا تأخر سن الزواج، تأخر الإنجاب، وإذا جاء الطفل الأول في سن متأخرة، يصبح الوقت المتاح لإنجاب الطفل الثاني والثالث أقل، ومن هنا، قد يكون جزء من تراجع الخصوبة مرتبطًا بالوقت الذي بدأت فيه الأسرة.

ولهذا، فإن دراسة الخصوبة تحتاج إلى النظر في أكثر من معدل، نحتاج إلى معرفة سن الزواج، وسن الإنجاب الأول، والفاصل بين الولادات، والعمر عند إنجاب الطفل الأخير، وعدد الأطفال عند اكتمال الأسرة، فقد تكون الأسرة راغبة في ثلاثة أو أربعة أطفال، لكنها تبدأ متأخرة، أو تتباعد الولادات لديها، أو تصل إلى مرحلة يصبح فيها إنجاب طفل آخر أكثر صعوبة، وفي هذه الحالة، لا يكون انخفاض عدد الأطفال نتيجة قرار صريح بالاكتفاء، وإنما نتيجة مسار زمني كامل.

والسؤال الأهم الذي ينبغي أن تطرحه أي دراسة جادة هو: كم عدد الأطفال الذين تريدهم الأسرة؟ وكم عدد الأطفال الذين تنجبهم فعلًا؟ الفارق بين الرقمين قد يكون مفتاحًا لفهم المشكلة، فالأسرة التي تقول إنها تريد أربعة أطفال وتنتهي بطفلين تختلف جذريًا عن أسرة كانت تريد طفلين منذ البداية، في الحالة الأولى، قد يكون لدينا عجز عن تحقيق الرغبة في الإنجاب، وفي الحالة الثانية لدينا تغير في القناعات، وهكذا يتكون فهم أعمق للظاهرة.

في تقرير صندوق الأمم المتحدة للسكان لعام 2025 إشارة إلى أن كثيرًا من الناس حول العالم لا يستطيعون تحقيق العدد الذي يرغبون فيه من الأطفال بسبب عوامل متعددة، من بينها الضغوط المالية، وارتفاع تكاليف السكن وتربية الأطفال، وصعوبة التوفيق بين العمل والأسرة، وعدم اليقين بشأن المستقبل، وحتى صعوبة العثور على شريك مناسب.

فهل الأسرة الخليجية تنجب العدد الذي تريده، أم العدد الذي تسمح لها ظروفها بإنجابه؟ المشكلة تكلفة الزواج أم تكلفة الأسرة؟ عندما نتحدث عن مؤشرات الإنجاب، كثيرًا ما نتحدث عن ارتفاع تكاليف الزواج، لكن ربما نحتاج إلى أن نوسع السؤال، فالمشكلة ليست فقط في تكلفة إقامة حفل الزواج أو تجهيز المنزل، وإنما في تكلفة الحياة الأسرية التي تبدأ بعد ذلك، كالتعليم، والصحة، والسكن، والرعاية، والاحتياجات اليومية، والوقت الذي يحتاجه الأب والأم وحتى تكلفة المربية في بعض الأسر، فربما أصبحت الأسرة الحديثة تنظر إلى الطفل بطريقة مختلفة باعتباره مسؤولية تحتاج إلى وقت واستثمار ورعاية وتعليم وفرص، ومن هنا يظهر سؤال آخر: أنريد عددًا أقل من الأطفال، أم أننا أصبحنا نريد أن نقدم لكل طفل مستوى أعلى من الحياة؟.

على صعيد آخر، ماذا حدث للأسرة عندما دخلت المرأة سوق العمل؟ هل روعيت كأم؟ ومن يرعى الأطفال؟ وكيف توزع المسؤوليات داخل المنزل؟ وما الدور الذي يقوم به الأب؟ فالمرأة التي تعمل ليست بالضرورة امرأة لا تريد الأطفال، لكنها قد تكون امرأة تحاول أن تجمع بين العمل والأسرة في نموذج لم تتغير فيه كل عناصر الحياة بما يتلاءم مع مسؤولياتها كأم، فمن السهل أن نقول إن زيادة مشاركة المرأة في سوق العمل أدت إلى انخفاض الإنجاب، لكن هذا التفسير، رغم وجود ما يدعمه، قد يكون أكثر تبسيطًا مما ينبغي، ولهذا من الأولى أن يتناول عمل المرأة كمتغير داخل نموذج أوسع، لا تفسير جاهز للمشكلة.

وربما نحتاج أيضًا إلى أن نسأل عن الرجل، كيف تغيرت صورة الأبوة؟ كم من الوقت يقضيه الأب مع أطفاله؟ وكيف ينظر إلى مسؤولياته الأسرية؟ وكيف ينظر إلى عمل زوجته؟ وما الذي يتوقعه من الزواج، والذي تتوقعه الزوجة منه؟ فالإنجاب ليس قرار المرأة وحدها، والأسرة ليست مشروعًا تتحمل المرأة وحدها تكلفته الزمنية والاجتماعية، وإذا كانت أدوار الرجل والمرأة داخل الأسرة قد تغيرت، فمن الطبيعي أن تكون لهذا التغير انعكاسات على قرار الإنجاب، وعلى عدد الأطفال، وعلى المسافة الزمنية بينهم.

ثم هناك عامل آخر لا يمكن تجاهله: الطلاق، ولا يكفي أن نعرف عدد حالات الطلاق، الأهم أن نعرف متى يحدث؟ هل قبل إنجاب الأطفال؟ أم بعد الطفل الأول أو الثاني؟ وكم عدد الأطفال لدى الزوجين عند وقوع الطلاق؟ وهل يتزوج الطرفان مرة أخرى؟ ومتى؟ وهل يستمر الإنجاب بعد الزواج الثاني؟ فالطلاق ليس فقط حدثًا اجتماعيًا أو قانونيًا، بل يمكن أن يكون أيضًا نقطة توقف في مسار الإنجاب، وقد أظهرت دراسات تناولت السنوات الخمس الأولى من الزواج في العالم العربي أن اختلاف التوقعات بشأن الأدوار والمسؤوليات وتربية الأطفال والتوازن بين العمل والحياة يمكن أن يكون له تأثير في استقرار العلاقة، ولهذا، ربما لا يمكن دراسة الخصوبة بمعزل كامل عن جودة العلاقة الزوجية واستقرارها.

وفي المقابل، هناك شيء لا تستطيع الإحصائيات وحدها أن تخبرنا به: ماذا يعني الزواج والأسرة والإنجاب لهذا الجيل؟ هل تغيرت توقعات الشباب من الحياة الزوجية؟ أم أصبحوا أقل استعدادًا للتضحية؟ هل أصبح مفهوم جودة الحياة أكثر أهمية؟ وهل تغيرت قدرة الأسرة على تحمل الخلافات والضغوط؟ هذه أسئلة لا تجيب عنها جداول المواليد والزيجات والطلاق، بل تحتاج إلى استطلاعات رأي، ومقابلات، ودراسات نوعية تستمع إلى الناس أنفسهم، فليست كل أسرة توقفت عند طفل أو طفلين لأنها اختارت ذلك، هناك من يتأخر لديه الإنجاب، وهناك مشكلات صحية، وهناك صعوبة في الحمل، وهناك فارق زمني طويل بين الولادات، وهناك من يصل إلى عمر تصبح فيه فرص الإنجاب أقل، وهنا يجب أن نفرق بين: من لا يريد، ومن يريد ولا يستطيع، ومن يريد لكن ظروفه لا تسمح، فإذا اختزلنا هذه الفئات كلها في مؤشر واحد، لن نصل لتفسير دقيق للظاهرة.

هناك أيضًا سؤال عن الأسرة الممتدة، في الماضي، كانت الأسرة الكبيرة في كثير من المجتمعات الخليجية توفر شبكة دعم طبيعية: الجدة، والجد، والأعمام، والعمات، والأقارب، وكان وجود الأطفال جزءًا من حياة اجتماعية أوسع، أما اليوم، فقد أصبحت الأسرة النواة أكثر حضورًا، وأصبح الأب والأم في كثير من الحالات يتحملان الجزء الأكبر من مسؤولية رعاية الأطفال بأنفسهما، وما أثر الانتقال من الأسرة الممتدة إلى الأسرة النواة في قرار الإنجاب؟

السكن أيضًا ليس مجرد مسألة اقتصادية، إنه جزء من قرار تكوين الأسرة، هل يستطيع الزوجان الحصول على سكن مستقل؟ وهل يستطيعان الانتقال إلى مسكن أكبر مع زيادة عدد الأطفال؟ ربما يكون قرار الطفل الثالث مرتبطًا، في بعض الحالات، بمساحة المنزل أكثر مما نتصور، ولهذا ينبغي ألا يُنظر إلى السكن باعتباره ملفًا منفصلًا عن ملف الخصوبة.

لقد أصبح انخفاض معدل الخصوبة في الخليج تحدياً لا يمكن مواجهته إلا بفهم عميق وإحاطة شاملة للعوامل المؤثرة فيه، علينا أن نبحث عن إجابات دقيقة لكل التساؤلات، وعن الأسباب التي أوصلتنا إلى هذه المحطة الحرجة، هل الناس لم يعودوا يريدون العدد نفسه؟ أم لأنهم يريدون أطفالًا أكثر لكنهم لا يستطيعون تحقيق رغبتهم؟ أم السبب في تأخر سن الزواج نفسه؟ أو في النظرة إليه؟ أم في تكلفته؟ أم في السكن؟ أم في سوق العمل؟ أم في صعوبة التوفيق بين العمل والأسرة؟ أم في تغير توقعات الزوجين؟ أم في الطلاق؟ أم في الصحة؟ أم في كل هذه العوامل مجتمعة؟  فالسياسة الجيدة تبدأ من التشخيص الصحيح، لذا ينبغي ألا تبدأ الدراسة من معدل الخصوبة وحده، وإنما من كل الملفات المترابطة به، والأهم من دراسة كل ملف منفردًا هو دراسة العلاقة بينها.

وهكذا نكتشف أن انخفاض الخصوبة قد لا يكون مشكلة مستقلة أصلًا، وإنما النتيجة الأخيرة لسلسلة طويلة من التحولات، ولهذا، قبل أن نسأل: أين ذهب الطفل الثالث؟ علينا أن نسأل: ماذا حدث للأسرة قبل أن يصل دوره؟