هل تقضي يومك بأكمله في التنقل بين المهام والمكالمات والاجتماعات، ثم تكتشف في نهايته أنك لم تنجز شيئا ذا قيمة حقيقية؟ وهل تشعر أحيانا بالتشتت بين طموحك المهني، وواجباتك الأسرية، واحتياجاتك الروحية؟
يقدم المؤلف محمد فارس في كتابه “المسلم المنتج: حيث يلتقي الإيمان بالإنتاجية” (The Productive Muslim: Where Faith Meets Productivity) تصورا لكيفية الموازنة بين الحياة الروحية والفاعلية العملية. ويبني المؤلف مفهوما للإنتاجية يربط قيمة العمل بالغاية التي يتجه إليها الإنسان، والقيم التي تضبط سلوكه، والأثر الذي يتركه.
صدر الكتاب في طبعته الأولى باللغة الإنجليزية في يناير 2016 عن Awakening Publications بالمملكة المتحدة، ويحمل الرقم الدولي المعياري (ISBN-13: 978-1-905837-38-0) ويتوزع على تسعة فصول تبدأ بتعريف الإنتاجية وعلاقتها بالإسلام، ثم تنتقل إلى أبعادها الروحية والجسدية والاجتماعية، وتناقش إدارة التركيز والوقت، والأهداف والعادات وشهر رمضان، لتنتهي بفكرة استمرار أثر الإنسان بعد موته.
ومؤلف الكتاب محمد فارس كاتب ومدرب تنفيذي ومتحدث متخصص في الربط بين الروحانية والإنتاجية، ومؤسس مشروع ProductiveMuslim الذي بدأه عام 2007 قبل أن يتطور تدريجيا إلى مشروع معرفي وتدريبي. وأوضح في مقدمة الكتاب أنه سعى إلى الجمع بين القرآن والسنة والسيرة النبوية والدروس المستفادة من التجربة الحضارية الإسلامية بالإضافة إلى أدوات الإنتاجية المعاصرة.
إعادة تعريف الإنتاجية
انطلق المؤلف من معادلة هي: الإنتاجية = التركيز × الطاقة × الوقت، وتتجه نحو هدف نافع. لأن امتلاك الوقت لا يكفي إذا غابت الطاقة، والطاقة لا تنتج شيئا ذا قيمة من دون تركيز، كما تفقد هذه العناصر مجتمعة معناها إذا وجهت إلى غاية غير نافعة.
ولهذا يرفض المؤلف مساواة الإنتاجية بكثرة الانشغال وتراكم الأعمال اليومية فقد يكون اليوم الممتلئ بالاجتماعات والرسائل والمكالمات أقل إنتاجا من ساعات قليلة تتركز على عمل ذي قيمة، كما يؤكد أن الإنتاجية ليست حالة من النشاط المتواصل أو اندفاعا مؤقتا نحو العمل، وإنما تتشكل من قرارات صغيرة وعادات تتكرر حتى تصبح نمط حياة.
ويضيف المؤلف إلى هذه المعادلة بعدا إضافيا من الثقافة الإسلامية يتمثل في توجيه الوقت والطاقة والتركيز إلى تعظيم الخير والثواب في الآخرة. وينتقد النموذج الحديث للإنتاجية الذي يختزل الإنسان في قدرته على تحقيق النتائج المادية والاقتصادية، ويرى أن اللهاث وراء الكفاءة قد يفقده ثلاثة أبعاد أساسية: الغاية والقيم والروح.
وفي المقابل يقترح الأستاذ فارس نموذجا تقوده الغاية، وتحكمه منظومة أخلاقية، وتتغذى فاعليته من الحياة الروحية، لأن المسلم وفق هذا التصور، عبد لله ومستخلف ومسؤول عن أماناته وأدواره. ويمكن أن تصبح المهنة والأسرة والتعليم وخدمة المجتمع جزءا من العبادة حين تصح النية وتكون لله، وتحكم هذه الأعمال قيم الصدق والأمانة والعدل والرحمة والإحسان.
تصحيح 5 مفاهيم
يتوقف الكتاب عند خمسة تصورات يرى أن سوء فهمها قد يضعف روح المبادرة لدى بعض المسلمين وهي :
- فهم الزهد باعتباره إهمالا للدنيا والانسحاب من شؤونها.
- تحويل الدعاء إلى بديل عن العمل.
- فهم معنى الصبر بشكل سلبي وعدم القيام بأي مبادرة
- حصر مفهوم الصلاح في أداء الشعائر فقط
- استخدام الإيمان بالقدر لتبرير الاستسلام والخمول.
ويؤكد الأستاذ فارس أن الدنيا ميدان للعمل والبناء، وأن الدعاء يقترن بالأخذ بالأسباب، وأن الصبر يعني المثابرة ومواصلة العمل، وأن الصلاح يشمل كل فعل نافع، فيما يمنح الإيمان بالقدر الإنسان الطمأنينة أثناء سعيه ولا يعفيه من المسؤولية.
الإنتاجية الروحية
تشكل الإنتاجية الروحية محورا أساسيا في الكتاب من خلال ربط المؤلف بينها وبين مفهوم البركة؛ تلك التي لا تقاس فيها قيمة الموارد بحجمها المجرد، وإنما بما ينتج عنها من نفع وأثر؛ فقد يملك الإنسان وقتا محدودا وينجز فيه الكثير بينما يمتلك آخر إمكانات واسعة ولا يحسن الانتفاع بها.
ويقسم المؤلف الإنتاجية الروحية إلى طاقة وتركيز ووقت، فمن مصادر الطاقة الروحية: التقوى، والتوكل المقترن بالأخذ بالأسباب، والشكر، والصبر، والإحسان. ويربطها بممارسات يومية تشمل الصلاة والوضوء والذكر والصدقة والاستغفار واتباع السنة.
أما التركيز الروحي فيرتبط بوضوح النية، وتحري الحلال، والخشوع في الصلاة، والدعاء، وقراءة القرآن وحفظه، والاستخارة، وفي إدارة الوقت الروحي، يشدد المؤلف على إدراك قيمة العمر وتنظيم اليوم حول مواقيت الصلاة، عوضًا عن اختزالها في عَرَضٍ يُدرج في فضول أوقات الجدول؛ وبهذا تتحول العبادة إلى مصدر للانضباط والمعنى وإعادة ترتيب الأولويات.
الإنتاجية الجسدية
ينتقل الكتاب إلى الإنتاجية الجسدية، ويناقش أهمية النوم والتغذية والرياضة لجسم الإنسان، ويعرض ممارسات تتصل بجودة النوم والاستعداد له، والقيلولة، وتقليل المنبهات والتعرض للشاشات ليلا، والاستيقاظ للفجر، إلى جانب الاعتدال في الطعام، وشرب الماء، والحركة المنتظمة. ويلفت المؤلف الانتباه إلى أنه لا يقدم هذه التوصيات من موقع المتخصص الطبي، وإنما يستند إلى قراءاته وتجربته الشخصية وما استفاد منه من آراء مختصين، وهي إشارة مهمة في التعامل مع هذا الجانب من الكتاب.
إدارة التركيز والوقت
يبني المؤلف رؤيته في إدارة التركيز على ركنين أساسيين: الانفصال والتخفف، حيث لا يمكن للإنسان أن ينتج في ظل انهمار الإشعارات عليه إلا إذا خصص أوقاتا يتحرر فيها من سطوة الهاتف والبريد وشبكات التواصل الافتراضي، وبذلك يسترد صفاء ذهنه ويعيد ترتيب بيئة عمله بعيدا عن المشتتات. ومن الأدوات التي يقترحها تفريغ الأفكار والمهام على الورق، واستخدام نظام معتمد للمواعيد والملاحظات، واختيار أهم ثلاث مهام يومية، وتخصيص جلسات عمل تخلو قدر الإمكان من المقاطعات.
ومن وجهة نظر المؤلف، إدارة الوقت هي إدارة الذات داخل الوقت المتاح، لذلك يدعو إلى قياس طريقة استخدام اليوم، وإلغاء الملهيات المتسببة في عدم تحقيق إنجاز الأعمال، وربط المهام الصعبة بمستويات الطاقة المرتفعة، والتخطيط اليومي والأسبوعي، واستثمار الساعات المبكرة، مع وضع الصلاة والأسرة والنوم والرياضة في صلب الجدول، وناقش قضية التسويف، واقترح تقنية “بومودورو” لتقسيم المهام إلى فترات عمل قصيرة ومركزة.
الإنتاجية الاجتماعية
إن الإنسان المنتج يستخدم علمه ووقته ومهارته لخدمة الآخرين، بدءا من الأسرة والأقارب والجيران، وصولا إلى المجتمع والإنسانية جمعاء، ولذلك اكتمل تصور الإنتاجية لدى الاستاذ فارس بتضمين البعد الاجتماعي. وأوضح مفهومالطاقة الاجتماعية التي تنشأ من العلاقات الإيجابية والعمل الجماعي، كم تطرق لدور المسجد والجيرة وصلة الرحم في بناء شبكة إنسانية داعمة. كذلك شرح معنى دائرة التأثير ودائرة الاهتمام داعيا الفرد إلى البدء من المساحة التي يستطيع التأثير فيها فعليا، بدلا من استنزاف نفسه أمام مشكلات لا يملك القدرة المباشرة على تغييرها.
واقترح مسارا عمليا يقوم على اكتشاف مجال الاهتمام، وتطوير المهارة فيه، ثم مشاركتها بالتعليم أو التطوع أو المبادرة. وفي الوقت ذاته حذر من خدمة المجتمع على حساب الأسرة والمسؤوليات الأساسية، وقدم إطارا للموازنة بين أدوار الإنسان المختلفة.
بناء الرؤية وتشكيل العادات
انتقل الكتاب بعد ذلك من الأدوات اليومية إلى تأسيس مشروع للحياة. واقترح المؤلف هرما يبدأ من الغاية، ثم الرؤية، ثم الأدوار، ثم القيم، ثم الأهداف. وأكد المؤلف أن الهدف يجب أن يكون متصلا بجميع مناحي حياة الإنسان ومتسقا مع قيمه وأدواره ورؤيته وغاية وجوده.ودعا القارئ إلى وضع أهداف تمتد من ستة أشهر إلى عشرين عاما، ثم اختبارها بسؤال مباشر: ما أثر هذا الهدف في آخرتي؟ وبعد ذلك تتحول الأهداف البعيدة إلى مهام أسبوعية ويومية تربط العمل الصغير بالصورة الكبرى للحياة.
وخصص المؤلف فصلا للعادات وربطها بالمحفزات، ومن فكرة تحدي الثلاثين يوما واستبدال العادات غير النافعة بأخرى إيجابية. ويرى أن العبادات الإسلامية نفسها تتضمن بنية تساعد على الاستمرار والتكرار.
وذكر المؤلف المسلمين بسبع عبادات يومية تشمل المحافظة على السنن الرواتب، والأذكار بعد الصلاة، وأذكار الصباح والمساء، وقيام الليل، وصلاة الضحى، وأذكار النوم، وتخصيص وقت يومي لقراءة القرآن.
التطبيق العملي واستدامة الأثر
يمثل شهر رمضان في نظر المؤلف محكا واقعيا لتطبيق هذه المفاهيم حيث ينشط الصيام الوعي، ويصقل ضبط النفس، ويرفع معدلات التركيز، فضلا عن دوره في تقويض العادات السيئة. ولا تكمن المشكلة في الصيام بحد ذاته، وإنما في غياب التخطيط المسبق الذي يوفق بين مسارات النوم والغذاء والعمل والعبادة. ولذا يحث على إنجاز المهام الأصعب في أوقات ذروة النشاط، وتنظيم أوقات النوم والقيلولة، والاعتدال في الإفطار والسحور، واستثمار الشهر من أجل بناء عادات قابلة للاستمرار بعد انقضائه.
ويختتم الكتاب بسؤال أخير حول مفهوم الإنتاجية: كيف يستمر أثر الإنسان بعد موته؟ ويجيب المؤلف من خلال ثلاثة مجالات: تربية أبناء صالحين، والمساهمة في صدقة جارية، وترك علم نافع ينتفع به الناس. وبذلك تكتمل رؤية الكتاب بالتركيز على البعد الأخروي، ونوع الأثر، وصدق الدافع وراءه. ويضع المؤلف معيار الإخلاص وقبول العمل فوق حجم الإنجاز نفسه؛ فقد يكون عمل صغير ممتد الأثر أكثر قيمة من مشروع كبير يفتقر إلى المعنى.
تفضي رؤية “المسلم المنتج” إلى أن الإنتاجية سعي خالص لحياة ذات مغزى، تسخر فيها الأوقات والطاقات والعلوم والعلاقات أدوات للنفع وعمارة الأرض، وفق آلية تدمج العبادة بالعمل، والنجاح الفردي بخدمة المجتمع، حتى يمسي المرء أكثر وعيا بغايته، وأحسن توظيفا لموارده، وأقدر على ترجمة إيمانه إلى واقع ملموس وعمل نافع.
