يقدم كتاب الحياة النصية: الإسلام وأفريقيا ومصير الإنسانيات للباحث وندل هـ. مارش (Wendell H. Marsh) قراءة مختلفة لتاريخ الإسلام والمعرفة في غرب أفريقيا. فهو لا يبدأ من الدول والحروب وحدها، بل من نصوص عالم سنغالي اسمه الشيخ موسى كمارا (1864-1945)، كتب بالعربية في التاريخ والفقه والتصوف والأنساب. ترك كمارا نحو ثلاثين عملا، أشهرها كتاب ضخم بعنوان “زهور البساتين في تاريخ السوادين”، جمع فيه وثائق مكتوبة وروايات شفهية وأخبارا عن مجتمعات الساحل الأفريقي. ومع ذلك لم يحظ هذا المشروع في حياته بالنشر الذي وُعد به، وانتقلت مخطوطاته بين المستشرقين والإداريين والأرشيفات، ثم أعيد اكتشافها بعد موته بسنوات طويلة.
ينطلق مارش من هذه القصة ليسأل سؤالا أوسع: كيف يعيش النص بعد صاحبه؟ ومن يحدد قيمته ومعناه؟ فالنص قد يُقرأ مرة بوصفه أثرا فكريا، ومرة بوصفه مصدر معلومات يفيد السلطة، ثم يتحول إلى تراث قومي أو دليل على صورة معينة عن الإسلام. ولهذا يستخدم المؤلف تعبير “الحياة النصية” ليشير إلى حياة المؤلف داخل نصوصه، وإلى الحياة الجديدة التي تكتسبها هذه النصوص عندما تنتقل بين الأزمنة واللغات والمؤسسات. والكتاب في جوهره دفاع عن القراءة المتأنية في عالم يميل إلى اختصار الكتب وتحويلها إلى بيانات سريعة.
ويكتسب الكتاب أهمية خاصة للقارئ العربي لأنه يذكّره بأن العربية لم تكن لغة المشرق وشمال أفريقيا وحدهما. بل كانت أيضا لغة واسعة للتعليم والتاريخ والجدل الديني في مناطق جنوب الصحراء. لذلك لا يعيد مارش اكتشاف كاتب منسي فحسب، بل يراجع الخريطة الضيقة التي اعتدنا من خلالها كتابة تاريخ الثقافة العربية والإسلامية.
يرى مارش أن موسى كمارا لم يكن مجرد راوٍ محلي زود الإدارة الفرنسية بمعلومات عن السنغال، بل كان مؤلفا له رؤية في الدين والتاريخ والسياسة. وتظهر هذه الرؤية في سيرته الذاتية، وفي كتاباته عن الأحلام والولاية الصوفية. وفي نقده للجهاد الذي يتحول إلى طريق لطلب الحكم. كان كمارا قريبا من الطرق الصوفية، لكنه احتفظ بشيء من الاستقلال عن الشيوخ والسلطات. كما اتخذ موقفا معقدا من الاستعمار الفرنسي. فقد رفض الحروب التي قتلت المسلمين. ورأى في الأمن الذي فرضه الفرنسيون فائدة بعد عقود من الاضطراب. لكنه حاول في الوقت نفسه استخدام علاقته بالإدارة لنشر كتبه وإصلاح التعليم والحصول على موارد لمشروعه العلمي.
ولشرح طريقته في القراءة يستعيد مارش مفهوم “الفيلولوجيا”. والمقصود به الدراسة الدقيقة للنصوص واللغات داخل سياقها التاريخي والثقافي. إضافة إلى مقارنة النسخ وفحص الألفاظ والانتباه إلى شكل الكتابة ونوعها. غير أن مارش يوسع المعنى فيجعل الفيلولوجيا “حب الدراسة”؛ أي علاقة تقوم على الصبر والاهتمام بالنص، لا على استخراج معلومة سريعة منه. لذلك يرفض تجاوز مقدمات كمارا الدينية وأحلامه وأنسابه باعتبارها زوائد. فهذه الأجزاء تكشف كيف فهم الرجل نفسه وعلاقته بالله والمجتمع والتاريخ. النص، في هذه الرؤية، ليس وعاء للمعلومات فقط، بل عالما من المعاني لا يظهر إلا بالقراءة البطيئة.
هذه الفكرة مهمة لأنها تعيد الاعتبار إلى العربية بوصفها لغة أفريقية للعلم والتأليف، وتفكك الصورة الشائعة عن أفريقيا باعتبارها قارة شفوية بلا كتابة. فقد جمع كمارا بين المخطوط والرواية الشفهية، وبين التعليم الديني والملاحظة الاجتماعية. ومع ذلك، يبالغ المؤلف أحيانا في توسيع مفهوم الفيلولوجيا؛ فإذا أصبحت كل قراءة محبة ومتأنية نوعا منها، فقد المصطلح حدوده بوصفه منهجا له أدوات لغوية وتاريخية محددة.
تتبع الفصول الأولى تكوين كمارا من خلال سيرته وأحلامه وصلاته بالشيوخ. يقرأ مارش طريقة كتابة النسب، وحضور الأم والأب، وحكايات الطفولة التي قدمت كمارا بوصفه صاحب موهبة روحية مبكرة. ثم يناقش الأحلام لا باعتبارها وقائع يمكن إثباتها تاريخيا، بل باعتبارها خبرات صنعت وعي صاحبها ومنحته شعورا بالمكانة والمسؤولية. وهذه معالجة منصفة لخبرة المتدين، لأنها لا تسخر من الحلم ولا تطالب القارئ بالتصديق به، لكنها تحتاج أيضا إلى الانتباه إلى أن روايات الأحلام قد تستخدم لبناء الشرعية الدينية.
بعد ذلك ينتقل الكتاب إلى الإدارة الاستعمارية الفرنسية. فقد صنف موظفوها المسلمين والطرق الصوفية والجماعات العرقية من أجل تسهيل المراقبة والحكم. وظهر تعبير “الإسلام الأسود” الذي صور المسلمين الأفارقة أقل عقلانية وخطرا من العرب، وأكثر قابلية للسيطرة. في هذا السياق تحول كمارا من مؤلف إلى ملف إداري: قيست مكانته بعدد تلاميذه وصلاته وموقفه من الفرنسيين. ويبين مارش أن المعرفة الاستعمارية لم تكن وصفا بريئا للمجتمع، بل كانت أداة لإعادة تنظيمه والتحكم فيه.
أما الفصول اللاحقة فتروي فشل نشر تاريخ السوادين. تلقى مستشرقون فرنسيون المخطوط بحماس ووعدوا كمارا بطبعة عربية فرنسية، لكن المشروع تعثر، وضاعت أجزاء من العمل، ونال المترجمون من المال والاعتراف أكثر مما ناله المؤلف. وبعد الاستقلال تغيرت صورة كمارا؛ فقد أعاد باحثون سنغاليون تقديمه أديبا قوميا وإنسانيا أفريقيا، ثم عادت كتاباته عن الجهاد إلى الواجهة بعد صعود العنف المسلح في الساحل. وهكذا أصبح العالم القديم نموذجا لـ”المسلم المعتدل”. وهذه التحولات تؤكد حجة الكتاب؛ كل عصر ينتقي من النص ما يجيب عن مخاوفه وحاجاته، وقد ينقذه في الوقت نفسه الذي يغير فيه معناه.
ويتوقف مارش خصوصا عند محاولات المفكرين الأفارقة الرد على الصورة الاستعمارية التي أنكرت على أفريقيا التاريخ والكتابة. فقد جعل ليوبولد سنجور الاختلاف الثقافي الأفريقي مصدرا للقيمة، وسعى الشيخ أنتا ديوب إلى إثبات عمق الحضارة الأفريقية، بينما جمع عامر صمب التراث العربي في السنغال وقدم كمارا كاتبا قوميا كبيرا. أنقذت هذه الجهود نصوصا كثيرة من النسيان، لكنها ظلت أحيانا أسيرة السؤال الأوروبي نفسه: هل تملك أفريقيا أدبا وتاريخا يساويان ما لدى أوروبا؟ وينبه الكتاب بذلك إلى أن التحرر المعرفي لا يتحقق بمجرد إثبات أن الأفريقي قادر على دخول المقاييس القديمة، بل يقتضي أيضا مراجعة هذه المقاييس، والاعتراف بتداخل الشفوي والمكتوب، والديني والأدبي، والمحلي والعابر للحدود.
تتمثل قيمة الكتاب الأساسية في أنه يعيد إلى موسى كمارا صفة المؤلف والمفكر، بدلا من معاملته مصدرا خاما لمعلومات يستعملها باحثون آخرون. كما يكشف أن الاستعمار لم يسيطر بالسلاح فقط، بل بإنتاج التصنيفات والخرائط والملفات. وهو يوضح أيضا أن إحياء التراث بعد الاستقلال ليس عملية بريئة؛ فقد تتحول المخطوطات إلى أدلة على عظمة الأمة، أو تستخدم نصوص رفض العنف لتقديم صورة ترضي الخطاب الأمني المعاصر. لذلك يدعونا الكتاب إلى السؤال دائما: من يقرأ النص، ولماذا، وما الذي يبرزه أو يخفيه؟
لكن الكتاب يحمل بعض نقاط الضعف. فهو يجعل قصة كمارا أحيانا رمزا لمصير الإنسانيات كلها. ومع أن كمارا كان شخصية مهمة لكنها ليست ممثلة وحدها لتنوع الإسلام في غرب أفريقيا. كما يقيم المؤلف مقابلة حادة بين القراءة الإنسانية البطيئة وبين منطق الإدارة والبيانات والذكاء الاصطناعي، بينما تتداخل هذه المجالات في الواقع. فالأرشيف الرقمي قد يساعد على حفظ المخطوطات وإتاحتها، بشرط ألا يحل التلخيص الآلي محل الرجوع إلى النص.
ويظل النقص الأهم هو ضعف حضور النساء والعمل والرق في التحليل. يذكر الكتاب تعدد زوجات كمارا، ووجود الخدم، وعمل عدد من التلاميذ في محيطه، لكنه لا يجعل هذه الوقائع جزءا أساسيا من نقد السلطة. وهذا يهدد بتحويل كمارا إلى بطل معرفي من دون مساءلة كاملة للعالم الاجتماعي الذي أتاح له الكتابة. فنقد الاستعمار لا يكفي وحده؛ إذ ينبغي أيضا فحص علاقات القوة داخل المجتمع المحلي، وموقع النساء والتابعين في إنتاج المعرفة وحفظها.
الحياة النصية كتاب عن موسى كمارا، لكنه قبل ذلك كتاب عن مصائر النصوص. فالمخطوط لا يحمل معنى ثابتا ينتظر من يكتشفه؛ بل يتغير موقعه حين ينتقل من بيت المؤلف إلى مكتب المستشرق، ومن ملف الإدارة إلى الأرشيف الوطني، ومن البحث الجامعي إلى النقاش المعاصر حول الإسلام والعنف. وينجح مارش في إقناع القارئ بأن القراءة الحقيقية لا تكتفي بجمع المعلومات، بل تسأل عن اللغة والسياق والسلطة وما تم إسكاته.
ومع ذلك، فإن أفضل طريقة للاستفادة من الكتاب ليست تحويل الفيلولوجيا إلى شعار جديد، بل مواصلة العمل الذي تركه مفتوحا. ويتمثل ذلك في تحقيق نصوص كمارا، وترجمتها ترجمة دقيقة، وإتاحتها للقراء الأفارقة والعرب، ودراسة ما تقوله عن التاريخ والدين، وكذلك ما تسكت عنه في مسائل الرق والعمل والجندر. عندئذ يصبح “حب الدراسة” ممارسة نقدية تحرر النص من الإهمال، من دون أن تحوّل صاحبه إلى قديس جديد.
البيانات البيبليوغرافية للكتاب
- العنوان: Textual Life: Islam, Africa, and the Fate of the Humanities
- المؤلف: وندل هـ. مارش (Wendell H. Marsh)
- دار النشر: مطبعة جامعة كولومبيا (Columbia University Press)
- مكان النشر: نيويورك، الولايات المتحدة الأمريكية
- تاريخ النشر: 2025
- الرقم الدولي المعياري (ISBN): غلاف مقوى (Hardcover): 9780231210706 – غلاف ورقي (Paperback): 9780231210713