من أكثر وعود الحداثة الغربية إغراءً؛ أن يصبح الإنسان كلما اتسعت معرفته وقدرته على تغيير شروط وجوده، ومن ثم أكثر تحرراً من الضرورة وأقرب إلى الحياة التي يريدها. فالعلم والتقنية والإنتاج والتنظيم حملت معها وعود إمكان تحويل السعادة إلى مشروع يمكن إنجازه داخل التاريخ. وبذلك انتقل الخلاص، في إحدى صوره الحديثة، من أفق يتجاوز العالم إلى وعد أرضي بتقليص الألم والنقص والحدود عبر مزيد من المعرفة والسيطرة والاختيار. غير أن هذا الوعد يثير مفارقته الخاصة؛ فزيادة قدرة الإنسان على صنع العالم لا تمنحه بالضرورة معياراً يحدد أي عالم يستحق أن يصنع، ولا أي إنسان ينبغي أن يكون.
من هذا التوتر يقرأ عبد الوهاب المسيري كتابه “الفردوس الأرضي”، واعتراضه لا يتجه إلى التقدم أو العلم أو تحرير الإنسان من الظلم، بل إلى تحول هذه الإنجازات من وسائل تخدم الإنسان إلى تصور يعرّف الإنسان نفسه. فالمشكلة تكمن في أن تتحول القدرة إلى معيار، وما يمكن تحقيقه إلى ما ينبغي تحقيقه، بحيث يصبح تجاوز الحدود قيمةً في ذاته؛ عندئذ لا يعود التقدم معنياً بتحسين شروط الوجود فقط، بل يمتد إلى إعادة تحديد معنى السعادة والحرية والنجاح والاستقلال. ويكمن سؤال المسيري في الحد الفاصل بين تحرير الإنسان من القيود التي تنتقص منه، وتحريره من المحددات التي يتكون بها وجوده.
وعلى هذا الأساس، يمكن قراءة الكتاب بوصفه مساءلةً لوعد الاكتمال الأرضي أكثر من كونه رفضاً لمنجزات الحداثة؛ فالسؤال يتجاوز مقدار ما استطاع الإنسان تغييره إلى ما إذا كانت قدرته المتزايدة على التغيير قد منحته تصوراً أوضح عمّا ينبغي تغييره، وما ينبغي أن يبقى خارج منطق الإبدال والسيطرة.
البراغماتية ووعد الفردوس الأرضي
يتعامل المسيري مع البراغماتية باعتبارها منطقاً واسعاً لفهم الإنسان والعالم، يتجاوز حدود المذهب الفلسفي المحصور في تاريخ الأفكار؛ فالواقع ليس بناءً مكتملاً تُكتشف قوانينه النهائية، والحقيقة تتكشف داخل التجربة وبما تفضي إليه من نتائج. ويحمل هذا التصور طاقةً تحريريةً واضحةً؛ إذ يفك الإنسان من أسر المسلمات ويفتح أمامه إمكان التجريب والمراجعة. غير أن المفارقة تبدأ حين تنتقل مرونة المعرفة إلى غياب معيار يحاكم الفعل نفسه؛ فحين تُقاس الفكرة بما تحققه، يتراجع سؤال ما ينبغي أن يكون أمام سؤال ما الذي يعمل، ويتحول العالم تدريجياً من واقع له حدوده ومعانيه إلى مادة قابلة لإعادة التشكيل وفق الإرادة والغاية. وهو ما يعني، محاولة لتحقيق مكسب آخرويّ ضمن شروطٍ دنيوية خالصة، وتحويل وعد الخلاص من أفق متجاوز غيبي إلى مشروع إنسانيّ قابل للتحقق داخل التاريخ.
ويتضح هذا التحول أكثر في علاقة الإنسان بالعلم والتقنية. فالمشكلة ليست في المعرفة العلمية ولا في توسيعها قدرة الإنسان، بل في تحول نموذجها إلى تفسير شامل للوجود الإنساني. فالمنهج القادر على تفكيك الطبيعة إلى عناصر قابلة للرصد والقياس قد يمتد إلى الإنسان والمجتمع والتاريخ، فتغدو قابلية الشيء للقياس قرينةً على إمكان معرفته، ويُدفع ما يتعذر إخضاعه لهذا المنطق إلى الهامش؛ من المعنى والذاكرة والقيمة إلى خصوصية التجربة الإنسانية. ولهذا يستدعي المسيري صورة الحاسوب؛ القادر بكفاءة عالية على جمع الجزئيات وتحليلها، من دون أن تضمن وفرة المعلومات امتلاك رؤية تمنحها معناها. فزيادة السيطرة التقنية لا تعني بالضرورة زيادة فهم الإنسان، لأن ما يصلح لتفسير جانب من الطبيعة لا يتحول بذلك إلى تفسير كامل للوجود الإنساني.
ويظهر التوتر نفسه في العلاقة بالتاريخ؛ فإذا كان الحاضر مفتوحاً دائماً لإعادة التشكيل، فقد يتحول الماضي إلى عبء يحد الحركة بما يحمله من قيم ومؤسسات وهويات وذاكرة. ووقتها يعاد استخدامه بصورة انتقائية؛ تمكن من رفضه حين يفرض حدوداً على الفعل، ويُستدعى وقت منحه شرعيةً ما. وبهذا يفقد الماضي موقعه بوصفه خبرةً أسهمت في تكوين الإنسان، ويتحول إلى مادة يعاد ترتيبها وفق حاجات الحاضر، فالإنسان لا يتحرر من التاريخ بقدر ما يفقد علاقته المركبة به. وهنا تظهر الثنائية التي ستعود لاحقاً في الكتاب بين التاريخ والطبيعة؛ فالإنسان كائن تاريخي قادر على تغيير جانب واسع من شروط وجوده، لكن هذه القدرة لا تعني أنه مادة بلا حدود سابقة على إرادته.
ومن المنطق نفسه يفسر المسيري إمكان ظهور عنف براغماتي لا يقتصر على القوة المباشرة. فحين لا يعترف الفعل بمعيار سابق عليه، يتحول العائق من واقع ينبغي فهمه إلى مشكلة ينبغي إزاحتها. ولهذا قد يأخذ العنف شكلاً أكثر هدوءاً في الهندسة الاجتماعية والتقنية، حين يعاد تشكيل المجتمع والإنسان وفق نموذج محدد للكفاءة أو النجاح. ويكشف ذلك عن مفارقة أعمق في الحرية؛ فالإنسان البراغماتي يتحرر من الحقائق المفروضة والمقولات النهائية، ويعيش في عالم مفتوح للتجريب وإعادة تشكيل الذات، لكن التحرر من كل حد لا يضمن اتساع الحرية؛ فقد يزيل أيضاً المعيار الذي يفصل بين ما يمكن فعله وما ينبغي فعله.
وتظهر نتيجة ذلك فيما يسميه المسيري “المساواة الكمية”؛ أي سحب الموجودات المختلفة إلى منطق قياس واحد، فتتقابل الكفاءة بالمعنى، والإنتاج بالقيمة، والخير بالنجاح، وكأن ما يختلف في طبيعته يمكن تسويته في مقياس واحد. ومن هذه الزاوية تلتقي البراغماتية بالرأسمالية؛ فالسوق يتحول من مجال لتبادل الأشياء إلى نموذج أوسع لتحديد القيمة بحسب الوظيفة والعائد. وإذا كانت البراغماتية قد نقلت القيمة إلى أثر الفعل، فإن المجتمع الاستهلاكي سينقل المنطق نفسه إلى الرغبة والحياة اليومية.
المجتمع الاستهلاكي
لا يرى المسيري المجتمع الاستهلاكي نظاماً لإنتاج السلع بقدر ما يراه نظاماً لإنتاج الرغبة وتجديدها؛ فاستمرار السوق لا يقتضي أن تفقد الأشياء منفعتها، بل أن تفقد قدرتها على الإشباع قبل ذلك. ومن هنا لا يعود الاستهلاك استجابةً لحاجة، بل آليةً دائمة لزعزعة الاكتفاء، بحيث يصبح الموجود ناقصاً لمجرد وجود ما هو أحدث منه، والامتلاك لحظةً عابرة بين رغبتين. وهنا تكمن قوة المجتمع الاستهلاكي؛ في قدرته على تحويل الرضا إلى حالةٍ مؤقتة.
وتكشف الإعلانات هذه الآلية في صورتها الأوضح؛ فهي لا تعرض السلعة بقدر ما تصنع حولها معنىً ما، فتربط الامتلاك بصورة مرغوبة للذات على سبيل المثال. وهكذا يتجاوز السوق إشباع الحاجة إلى المشاركة في تعريفها. ولا تستمر هذه الدائرة إلا إذا ظل الإشباع ناقصاً؛ أي استبقاء الفجوة بين ما يملكه الإنسان وتصوره عن الحالة المثالية، وهو ما يحول عدم الرضا إلى شرطٍ لاستمرار الاستهلاك.
ويمتد هذا المنطق إلى الجسد؛ فحين تدخل الرغبة في آليات الإعلان، يتحول الجسد إلى مادة للعرض وجذب الانتباه وتوليد الطلب، وتصبح الجاذبية قيمةً قابلةً للاستثمار. وهنا يتجلى، كما يؤكد المسيري، التشيؤ -تحويل الإنسان إلى “شيء”- في أوضح صوره؛ إذ تمتد المسألة من إحاطة الإنسان بالأشياء إلى إخضاع بعض أخص خصائصه لمنطق العرض والاستهلاك؛ والمتمثلة في تحول الرغبة من صلةٍ بالآخر إلى أداةٍ لتحفيز الطلب ودفع الاستهلاك.
غير أن اتساع عالم الأشياء قد يتزامن مع انكماش ما يمنحها معنىً؛ ومن هنا يفهم المسيري أشكال التمرد التي بحثت عن الطبيعة والبساطة والجماعة في مواجهة حياة محكومة بالإنتاج والاستهلاك. لكن المفارقة أن هذا الرفض لا يغادر دائماً المنطق الذي يعترض عليه؛ فقد يتحول الاختلاف نفسه إلى نمط قابل للبيع، كما يمكن أن تتحول التجربة الروحية أو البحث عن معنى يتجاوز السلعة إلى تجربة قابلة للعرض والتسويق، بمعنى استيعاب أشكال المقاومة وإعادة تدوريها.
سؤال الإنسان والغاية
يميّز المسيري بين النجاح والفلاح تمييزاً يتجاوز الفرق بين إنجاز مادي وقيمة أخلاقية؛ فالنجاح يمكن رصده من الخارج بما يحققه الإنسان من مال ومكانة وتعليم ونفوذ، أما الفلاح فيتعلق بصلاح الحياة نفسها وبالمعيار الذي تُقاس به الغاية قبل النتيجة. لذلك ليس الإشكال في ذات النجاح، بل في تحوله إلى مقياس شامل للإنسان، بحيث يصبح ما ينجزه الفرد دليلاً على قيمته، ويغدو الاندماج في النموذج السائد علامةً على صحة المسار.
ولهذا لا يكفي بلوغ المكانة المنشودة لحسم القلق الإنساني؛ فالنجاح قادر على تغيير الموقع، لكنه لا يمنح بالضرورة معنىً لما تحقق كما يشرح المسيري. وقد تبدو الحياة مكتملةً من الخارج بينما تبقى أسئلتها الأساسية مفتوحةً؛ تلك الأسئلة المتعلقة بالخوف، والوحدة، والموت، والانتماء، والغاية. وهنا يظهر قصور أي معيار يكتفي بالنتيجة؛ إذ يمكنه أن يصف مقدار ما أحرزه الإنسان، لكنه يعجز عن تقرير ما إذا كان هذا الإنجاز قد جعله أكثر اتساقاً مع نفسه أو أقرب إلى حياة يراها صالحةً. بهذا المعنى لا يعارض الفلاح النجاح، بل يضعه داخل أفق أوسع يمنعه من التحول إلى غاية نهائية في حد ذاته.
وتظهر هذه المفارقة بوضوح في مسألة الاندماج والهوية؛ فالتعليم والعمل والصعود الاجتماعي توسع إمكانات الفرد فعلاً، لكنها قد تدفعه أيضاً إلى إعادة تشكيل ذاته وفق شروط المجتمع الذي يريد الاعتراف به. لذلك لا يرفض المسيري الاندماج، بل يلفت إلى ثمنه الممكن حين تتحول معايير البيئة المحيطة من شروط للحركة داخلها إلى تعريف للذات نفسها. فالإنسان قد يربح موقعاً أفضل داخل نظام ما، لكنه يخسر القدرة على التمييز بين ما اختاره فعلاً وما اختاره لكونه الطريق الوحيد إلى القبول والنجاح. وعليه، يصبح الفارق بين النجاح والفلاح أيضاً فارقاً بين تحقيق ما يريده الإنسان وبين مساءلة ما إذا كان ما يريده جديراً بأن يُراد في الأساس.
يستعيد المسيري عبر تجربة مالكوم إكس، فكرةً أوسع هي البحث عن «البراءة الأولى»؛ أي تصور الإنسان كما لو كان من الممكن استعادته بعد إزالة ما راكمه التاريخ والمجتمع من تشوهات. غير أن تجربة مالكوم تقود إلى نتيجة أكثر تركيباً حسب عرضه؛ فالخلاص لا يتحقق بالعودة إلى إنسان خالص خارج التاريخ، بل بإعادة بناء علاقة الإنسان بتاريخ صنعه من دون أن يتحول هذا التاريخ إلى تعريف نهائي له. فالهوية التي تُبنى بالكامل على اللون أو العرق تبقى أسيرةً للمنطق الذي تقاومه؛ وقلب التراتب لا يلغي التراتب كما هو معلوم. ومن هنا يصبح التحول الحقيقي انتقالاً من الصراع على الموقع داخل السلم إلى مساءلة السلم نفسه، ومن هوية لا تعرف ذاتها إلا في مواجهة الآخر إلى تصور يرى الإنسان قبل اختزاله في أحد أوصافه.
يقرأ المسيري الإسلام في تجربة مالكوم بوصفه إعادةً لبناء الإنسان، لا مجرد انتقال من انتماء ديني إلى آخر. فالتوحيد يقاوم التجزئة التي تجعل جانباً واحداً من الإنسان تعريفاً نهائياً له؛ فلا يُختزل في العرق، ولا في الجسد، ولا في المادة، كما لا يُطلب منه الانسحاب من التاريخ والمجتمع إلى روحانية منفصلة عنهما. وبهذا يظهر طريق ثالث يجمع العمل بالمعنى، والروح بالجسد، والفرد بمسؤوليته تجاه الجماعة. فالتحرر لا يتحقق بمحو التاريخ أو الاختلاف، وإنما بمنع ما صنعه التاريخ من أن يتحول إلى قدر مغلق، ومنع الاختلاف من أن يصبح أساساً لنفي الآخر أو اختزال الذات.
وعلى هذا الأساس يصبح الفلاح نقيضاً لفكرة الاكتمال داخل الشروط الأرضية وحدها من غير أن يكون رفضاً للأرض أو للفعل فيها. فالإنسان مطالب بتحسين واقعه ومقاومة الظلم وبناء حياة أفضل، لكن هذه الأفعال تحتاج إلى معيار يسبقها ويحدد غايتها. فالنجاح يقيس بلوغ الغاية، أما الفلاح فيُسائل الغاية نفسها. ومن ثم يغدو تجاوز الفردوس الأرضي موقفاً من العالم يرفض اختزال الإنسان في أفق مغلق، تُقاس فيه قيمته بما ينجزه ويستهلكه ويمتلكه، وتصبح القدرة على القياس والتحقيق والسيطرة الأفق الأخير لتعريف الإنسان وقيمة حياته.
تحرير المرأة
يضع المسيري قضية تحرير المرأة داخل سؤال أوسع عن معنى التحرر نفسه؛ فهو يميز بين إزالة ظلم فعلي يحد حقوق المرأة وفرصها، وبين تصور يجعل الحرية مرادفة للتخلص التدريجي من كل ما يسبق اختيار الفرد أو يقيده. وبالتالي، ينصب اعتراضه على اللحظة التي ينتقل فيها التحرير من مقاومة الهيمنة إلى تصور التاريخ والجماعة والأدوار الاجتماعية وصولاً إلى الاختلاف الجسدي، بوصفها حدوداً تقيد استقلال الفرد وينبغي تجاوزها. فالمسألة ليست مقدار الحرية التي نمنحها للإنسان فقط، وإنما التصور الذي نحمله عن كينونة الإنسان قبل أن نبدأ بالحديث عن تحريره.
ويكشف تغير موقع العمل جانباً أساسياً من المسألة؛ إذ نقل المجتمع الصناعي جانباً واسعاً من النشاط المنتج من المنزل إلى المؤسسة، وربط القيمة الاقتصادية بصورة متزايدة بالعمل المأجور. ونتيجةً لذلك، تراجعت في مقاييسه قيمة الرعاية والتربية وتدبير الحياة المنزلية، كونها لا تمر عبر السوق ولا تتحول إلى دخلٍ قابلٍ للقياس. ومن هنا لا يظهر خروج المرأة إلى العمل تحررا اقتصادياً فحسب، بل دخولا أيضاً في نظام يجعل الاعتراف بالقيمة مشروطاً بنمط محدد من الإنتاج؛ تغدو فيه الأعمال التي تقوم عليها الأسرة والمجتمع أقل ظهوراً كلما استعصت على التسعير.
ويظهر أثر هذا التصور بوضوح داخل الأسرة؛ فالعلاقة الأسرية تقوم على التزامات لا يمكن دائماً توزيعها وفق حساب المنفعة أو المساواة الحسابية، لتضمنها رعاية وتضحية واعتماداً متبادلاً تتغير أشكاله عبر مراحل الحياة. لذلك يرد المسيري أزمة الأسرة إلى صعود تصور للفرد يجعل حاجته إلى الآخرين قيداً على اكتماله، أكثر مما يردها إلى خروج المرأة أو استقلالها الاقتصادي. والمشكلة هنا ليست في حماية حرية الفرد داخل الأسرة، وهي ضرورة، بل في افتراض أن العلاقة تصبح أكثر إنسانيةً كلما اقترب أطرافها من الاستغناء بعضهم عن بعض.
ويتصل بذلك التمييز بين المساواة والتماثل؛ فإزالة التراتب في القيمة والحقوق لا تستلزم إنكار كل اختلاف بين الرجل والمرأة، مثلما أن الاعتراف بالاختلاف لا يمنح شرعيةً للتمييز أو السيطرة. ويحاول المسيري بذلك تفادي موقفين متقابلين؛ الأول يحول ما هو تاريخي واجتماعي إلى طبيعة ثابتة، فيبرر به أوضاعاً قابلةً للتغيير، والثاني يرد كل اختلاف إلى بناء اجتماعي يمكن محوه، حتى يبدو الجسد نفسه مادةً محايدةً أمام الإرادة.
ويزداد تعقد المسألة -حسب المسيري- وقت دخول الجسد في خطاب التحرر؛ فالتحرر من الرقابة التقليدية لا يعني بالضرورة تحرره من أشكال جديدة من السلطة؛ إذ تم نقل الجسد من الخضوع لمعيار اجتماعي مباشر إلى الخضوع لمعايير الجاذبية والصورة والقبول العام. وبذلك تصبح المرأة مطالبةً بأن تكون مستقلةً ومنتجةً وناجحةً، وأن تستجيب في الوقت نفسه لمعايير جسدية متغيرة باستمرار. وتكمن المفارقة في أن خطاباً يعد الفرد بالتحرر من نظرة الآخرين قد يزيد حاجته إلى اعترافهم، فتحل المقارنة الطوعية ظاهرياً محل الرقابة المباشرة من دون أن يختفي ضغط المعيار.
ويمتد المنطق ذاته إلى العلاقة بين الرجل والمرأة؛ فكلما ارتفعت الصور المثالية للجسد والشريك والحياة العاطفية، اتسعت المسافة بين العلاقة المعيشة والصورة المتخيلة عنها. وعندئذ قد يتحول توسيع الاختيار من إمكان لتحسين الحياة إلى مصدر دائم للمقارنة، ويصبح الآخر معرضاً لتقييم مستمر على ضوء بدائل لا تنتهي. وهنا يناقش المسيري الحرية الجنسية من زاوية أثرها في طبيعة العلاقة الإنسانية؛ فالسؤال عنده متمثل فيما إذا كان تحرير الرغبة يعمق هذه العلاقة، أم يعيد تشكيلها وفق منطقٍ يجعل التجدد والإثارة معياراً لاستمرارها.
ويصل نقده في النهاية إلى صورة الإنسان المستقل استقلالاً كاملاً؛ وهي صورة تناقض الوجود الإنساني نفسه، إذ الإنسان لا يتشكل خارج احتياجه إلى الغير. فالطفولة والمرض والشيخوخة تكشف اعتماداً لا يمكن إلغاؤه، كما تكشف الأسرة والصداقة والحب أن الاحتياج والالتزام ليسا نقصاً في الكرامة، بل من شروط تحققها الإنساني. ومن ثم يصبح التحرير تحريراً من الهيمنة التي قد تُمارس عبر الجسد أو الاختلاف أو الروابط، لا تحرراً من هذه العناصر.
يظهر الأثر العملي للأفكار المتناثر في ثنايا الكتاب؛ حين نعيد النظر في المعايير التي نحكم بها على حياتنا. فلا يكفي أن يكون القرار أسرع أو أكثر ربحاً أو كفاءةً، بل ينبغي أن يدخل في تقييمه ما لا يتحول بسهولة إلى رقم قابل للقياس؛ كالوقت، والعلاقات، والرعاية، والطمأنينة، والمعنى. فقد يكون الترتيب أكثر كفاءةً وأقل إنسانيةً في الوقت نفسه. بحيث تصبح مراجعة الرغبات جزءاً من الحرية؛ أي التمييز بين ما نحتاج إليه فعلاً وما صنعت أدوات السوق والمقارنة فينا الحاجة إليه، وبين ما نختاره لأنه يخدم تصوراً للحياة نراه صالحاً، وما نسعى إليه إذ قدم علامةً على النجاح.
ويقتضي ذلك أيضاً إعادة النظر في علاقتنا بالحدود. فليست الحرية في تجاوزها جميعاً؛ إذ توجد حدود تقهر الإنسان وتستحق المقاومة، وأخرى تدخل في تكوين وجوده الإنساني؛ كالجسد، والتناهي، والحاجة إلى الآخرين، والانتماء إلى التاريخ. والاعتراف بهذه الحدود يمنح الفعل معياراً يميز بين ما ينبغي تغييره، وما ينبغي تعلم العيش من خلاله، مع منع تحوله إلى أداة للهيمنة.
الخاتمة
تكمن قوة نقد المسيري في أنه لا يبدأ من فشل المشروع الحداثي، بل من نجاحه؛ فكلما اتسعت قدرة الإنسان على المعرفة والفعل والاختيار، ترسخ الاعتقاد بأن مزيداً من القدرة يقود بالضرورة إلى مزيدٍ من الخير، مع أن القدرة لا تحمل معيارها في ذاتها؛ فما نستطيع معرفته أو فعله أو امتلاكه لا يكفي وحده لتحديد ما يستحق المعرفة أو الفعل أو الرغبة. ومن ثم يبدأ الخلل حين تتحول الوسائل إلى معايير تعيد تعريف الإنسان؛ فيغدو الإنجاز قيمةً، والاستقلال نفياً للاحتياج، والتحرر تجاوزاً للحدود. وعند هذه النقطة يتحول “الفردوس الأرضي” من وعدٍ بتحسين الحياة إلى تصورٍ لإنسان يسعى إلى تجاوز النقص والاعتماد والحدود، حتى يغدو استمرار النقص شرطاً لاستمرار الوعد بتجاوزه.