لا تزال قضايا الأسرة تتشعب وتتجدد بتجدد أحوال الناس ومتغيرات العصر، ولا تزال تمثل ميداناً خصباً للنوازل التي تستدعي الدراسة والتأمل، ولعل ما يزيدها تعقيداً أن آثارها لا تقتصر على الزوجين فحسب، بل تمتد إلى الأبناء الذين يجدون أنفسهم في خضم التنازع على حضانتهم وحقوقهم. وقد تناولنا في المقال السابق إحدى هذه القضايا المستجدة، فتحدثنا عن مستجدات استضافة المحضون ومبيته عند الطرف غير الحاضن فقهاً وقضاءً. واستكمالاً لهذه السلسلة، نخصص هذا المقال لقضية لا تقل أهمية عن سابقتها، وهي: مستجدات نفقة المحضون وما يتصل بها من أحكام.

إن المتأمل في الواقع المعاصر وما يَعتريه من متغيرات، يدرك حجم النوازل والمحن التي تَعصف بقضايا الأسرة، ولعلَّ الإشكالات المتعلقة بالنَّفقة([1]) مِن أبرز القضايا المُصاحبة لنزاعات الحضانة، ومِن أكثرها حاجة إلى مزيد من البيان والإيضاح في عصرنا الحاضر، فعلى الرغم من أن الفقهاء قد قرروا أحكام النفقة وأرسوا ضوابطها، فإن تنزيل تلك الأحكام على الوقائع المعاصرة، في ظل تغير الأحوال الاقتصادية والاجتماعية يثير إشكالات متجددة. ومن هنا تبرز أهميَّة هذا المقال في بيان منهج الفقهاء في تحديد النَّفقة وكيفية تغيُّرها بتغيُّر الزَّمان والمكان، والكشف عن المقاصد الشَّرعيَّة التي بنى عليها الفقهاء اجتهاداتهم، وما جَرى عليه العمل في نظم وقوانين الأحوال الشخصية في بعض الدول العربية، هذه التَّساؤلات وغيرها موضوع المقال الآتي:

المطلَب الأوَّل: أحكام النَّفقة على المحضون:

أولًا: أقوال الفقهاء في أحكام النَّفقة على المحضون:

اتَّفق الفقهاء على وجوب نفقة الأولاد على والدهم في الجملة، واختلفوا في مدَّة الإنفاق وَفق الآتي:

ذهبَ الحنفيَّة إلى وجوب نفقة الأب على ولدِه الذَّكر إلى أن يكتسب لِنفسه وإن لم يبلغ، ووجوب نفقتِه على الأُنثى إلى أن تتزوَّج ([2])، وذهب المالكية إلى وجوب نفقة الأبِ على أولاده الصِّغار حتَّى يحتلم الذَّكر وتتزوَّج الأنثى([3])،في حين ساوى الشَّافعية بين الذَّكر والأُنثى في مدَّة النَّفقة، فأوجبوا النَّفقة عليهم حتَّى البلوغ([4])، واشترط بعض الشَّافعية القدرة على الاكتساب مع البلوغ، فقال الجوينيُّ: “وأمَّا البالغ فيُشترط في استحقاقه النَّفقةَ ألَّا يكون كَسوبًا”([5]) ، وقد وافق الحنابلةُ الشَّافعيةَ في عدم التَّفريق بين الذَّكر والأُنثى في مدَّة الإنفاق، إلَّا أن جميع الحنابلة متَّفقين على استدامة النَّفقة باستدامة الحاجة إليها، فأوجبوا نفقة الأب على أولاده ذكورًا وإناثًا، إذا كانوا فقراء وغير قادرين على الكسب، لا فرق بين صغير وبالغ([6])، ووافقهم في ذلك ابن حزم من الظاهريَّة([7])، والجدير بالذِّكر أنَّ معظم أئمَّة المذاهب إلَّا الحنابلة ذهبوا إلى عدم إسقاط النفقة مع اختلاف الدِّين.

وأمَّا تفصيل القول في حالات المُنفِق والمنفَق عليه فبيانُها الآتي([8]) :

حالات المنفَق عليه:

الحالة الأولى: أن يكون المنفَق عليه ذكرًا صغيرًا لا مال له:

اتَّفق الفقهاء على أنَّ نفقة الولد الصَّغير الَّذي لا مال له على أبيه، لكنَّهم اختلفوا في الوقت الذي ينتهي به وجوب النَّفقة على ثلاثة أقوال:

  • القول الأوَّل: ذهب الحنفيَّة([9])إلى أنَّ نفقة الولد تنتهي ببلوغه حدَّ الكسب، وإن لم يبلغ الحُلُم وعلى أبيه أن يُؤاجره، أو يدفعه في حرفةٍ لينفق عليه مِن كسبه.
  • القول الثاني: ذهب المالكيَّة([10])، وبعض الشَّافعيَّة([11])، إلى أنَّ نفقة الولد تنتهي ببلوغه الحُلُم.
  • القول الثَّالث: ذهب الحنابلة([12])، وبعض الشافعية([13])، وابن حزم الظاهرية([14])،إلى أنَّ نفقة الولد تستدام ما دامت الحاجة قائمة، فلو بلغَ غير قادرٍ على الكسب فنفقتُه على أبيه، ولو بلغ فقيرًا يكتسب وَلا يكفيه فكفايتُه على أبيه.

    واستنادًا لما سبق فإن ما ذكره الفقهاء من أقوال هي اجتهادات فقهيّة تتغير بتغير الزمان والعرف. ونتيجة لذلك؛ فإنَّ القول الثالث هو الأكثر مناسبة لمتغيِّرات الزَّمان والمكان في عصرنا الحاضر، في ظلِّ بقاء الولد المتعلِّم في كفالة أبيه ونفقته ورعايته إلى تخرُّجه مِن المرحلة الجامعيَّة، فعلى الرغم مِن قدرته على الاكتساب فإنّه يبقى مشغولًا بالدِّراسة والتَّعلُّم في المدارس النِّظاميَّة والمرحلة الأكاديمية، وَغالب أحوال هؤلاء عدم قدرتهم على الجمع بين الدِّراسة والتَّعليم، وبين العمل والكسب، فأشبه طالبَ العلم في زمان الفقهاء سابقاً، الَّذين تُستدام نفقتهم باستدامة طلبهم للعلم([15]).

    الحالة الثَّانية: أن يكون المنفَق عليه أُنثى صغيرةً لا مالَ لها:

    اتَّفق الفقهاء على وجوب نفقة الأُنثى على والدها، لكنَّهم اختلفوا في الوقت الَّذي ينتهي به وجوب النَّفقة على ثلاثة أقوال:

    • القول الأوَّل: ذهب الحنفيَّة([16])، والمالكيَّة([17])،إلى أنَّ نفقة الأنثى على والدها حتَّى تتزوج، وليس عليه أن يُؤاجرها في عملٍ أو خدمةٍ، وإن كان لها القدرة على ذلك إلَّا أن يعلِّمها صنعةً تكتسب منها.
    • القول الثَّاني: ذهب بعض الشَّافعية([18])إلى أنَّ نفقة الأُنثى على والدها حتَّى تحتلم أو تحيض، فإذا حاضتْ سقطتْ نفقتها؛ والسَّبب في ذلك أنَّه ما سقطت به نفقة الغلام تسقط به نفقة الفتاة سَواءٌ بِسَواءٍ، ولو أنَّ للأنوثة مزية في استحقاق النَّفقة لوجبت نفقة المطلَّقة، وفي سقوطها دليل إسقاط حُكم الأُنوثيَّة([19]).

    والراجح هو: القول الثَّالث -ذات القول في نفقة الولد-، فما دامت الأنثى بحاجة للإنفاق عليها فعلى والدها نفقتها إذا كان قادرًا عَلى ذلك، وحتَّى إذا كانت متزوِّجةً وزوجها فقيرٌ لا مال له فعلى أبيها الموسر كذلك نفقتها؛ لأنَّ النفقة لا تتعلَّق بقواعد ثابتةٍ جامدةٍ تُطبَّق في حالةٍ وتنعدم في أُخرى، إنَّما تتعلَّق بباب صلة الرَّحم والإحسان ومسؤولية الوالد تجاه ابنته في الحفاظ عليها وصيانتها بمنع استأجرها في عملٍ لا يليق بها([23]).

    الحالة الثالثة: أن يكون المنفَق عليه صغيرًا غنيًا له مال سواءٌ أكان ذكرًا أو أنثى؛ فهؤلاء نفقتهم في أموالهم، ولا خلاف في ذلك بين الفقهاء؛ لأنَّ أصل نفقة الإنسان في مال نفسه صغيرًا كان أو كبيرًا([24]).

    الحالة الرابعة: أن يكون المنفَق عليه بالغًا زَمِنًا، أو فيه عاهةٌ، أو مريضًا مرضًا يمنعه مِن التَّكسُّب وطلب الرِّزق -ذكرًا كان أو أنثى-، أو كان مِن أبْناء الكرام، أو مِن طلبة العلم؛ فهؤلاء تستمرُّ نفقتهم على أبيهم باستمرار مَرضهم أو عجزهم عن التَّكسُّب، ولا خلاف في ذلك بين الفقهاء([25]).

    حالات المنفِق:

    الحالة الأُولى: أن يكون المنفق ميسورًا:

     أجمع أهل العلم على أنَّ نفقة الولد المحضون على والده الموسر لا يُشاركه فيها أحدًا، شريطة أن يكون الولد صغيرًا أو كبيرًا عاجزًا عن الكسب([26]).

    الحالة الثانية: أن يكون المنفِق قادرًا على الكسبِ لكنه يمتنع عن ذلك:

    اتَّفق الفقهاء على معاقبة الممتنع عن الكسب لأولاده مع قدرته على ذلك بحبسه، بخلاف سائر ديون الولد([27]).

    الحالة الثالثة: أن يكون المنفِق معسرًا عاجزًا عن التَّكسُّب أو معدومًا:

    اختلف الفقهاء في المنفِق على المحضون بعد فقدان أبيه أو عجزه، على ثلاثة أقوال:

    • القول الأوَّل: إيجاب النَّفقة على القريب بحسب ميراثه:

    إذا عجزَ الأب عن الإنفاق أنفَق عليه القريب كلًّا حسب ميراثه مِنه، قال السَّرخسي: “وإن لم يكن للصبيِّ أبٌ وكان له أمٌ وعمٌ فالرَّضاع عليهما أثلاثًا على قدر ميراثهما إن كانا موسرين؛ لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى ٱلۡوَارِثِ مِثۡلُ ذَٰلِكَۗ﴾([28]) فقد اعتبر صفة الوراثة في حقِّ غير الأبِّ، فدلَّ ذلك على أنَّه يكون على الورثة بحسب الميراث”([29])، وهذا ما ذهبَ إليه الحنفيَّة؛ حيث اعتمدوا في استدلالهم بالآية إلى ردِّ العطف إلى جميع ما سبقَ مِن إيجاب النَّفقة وتحريم الإضرار، فأوجبوا على قرابة المولود الَّذين يَرثونه نفقته إذا عُدم والده.

    مطرقة قانونية بجانب دمية دب برتقالي ومال نقدي. تمثل الصورة التداخل بين القانون والعدالة والمال.

    ونُوقش: أنَّ قوله تعالى: ﴿وَعَلَى ٱلۡوَارِثِ مِثۡلُ ذَٰلِكَۗ﴾([30]) “لا يوجب رجوع العطف إلى جميع ما تقدَّم، إنَّما يرجع إلى تحريم الإضرار فقط، والمعنى: “وعلى الوارث مِن تحريم الإضرار بالأمِّ ما على الأب”، وهذا هو الأصل، فمَن ادَّعى إرجاع العطف في الآية إلى جميع ما تقدَّم فعليه الدَّليل، وهو بذلك يدَّعي على العربيَّة ما ليس منها”([31]).

    • القول الثاني: إيجاب النَّفقة على أصول الولد ثمَّ أمِّه:

    إذا عجز الأبُ عن الإنفاق أنفق عليه جدُّه وأصوله، ثمَّ الأمُّ إن عدموا، ثمَّ الأقرب فالأقرب، وهو قول الشافعية([32]).

    • القول الثالث: إيجاب النَّفقة على بيت مال المسلمين:

     إذا مات الأب أو عجزَ عن الإنفاق يُنفَق عليه مِن بيت مال المسلمين، وهو قول المالكيَّة([33]).

    والملاحظ اجتهاد الفقهاء في هذه الأقوال، والراجح([34]) هو؛ الجمع بين هذه الأقوال فعندَ امتناع الوالد عَن نفقة ولدِه لعجزِه أو فقرِه أو موته، ينتقل الواجب إلى عموم المسلمين الأقرب فالأقرب للمنفَق عليه، والقادر على الإنفاق ليساره وغناه، فإن تعذَّر وجود الأقرب انتقل الواجبُ إلى بيت مال المسلمين، وفي ذلك تحقيقٌ لِصلة رحمٍ والتَّعاون على البرِّ والتَّقوى، وإحياءٌ للنُّفوس ورفع الضُّرِّ عنها.

    الحالة الرابعة: أن يكون المنفِق معسرًا والمنفَق عليه غنيًّا:

    إذا كان المنفَق عليه غنيًّا فقد اتَّفق الفقهاء على أنَّ نفقته في نفسه وليسَ على والده الإنفاق عليه، فإذا كان ماله حاضرًا أُنفق عليه مِنه، وإذا كان ماله غائبًا أَنفق عليه بنيَّة الرُّجوع بِشرط أن يأذن القاضي في ذلك، أو أن يُشهد على نيَّته، وأمَّا إذا أَنفق بغير إذنه، اعتُبر متبرِّعًا بذلك، ولم يكن له حقُّ الرُّجوع على ولده بشيءٍ.

    ثانيًا: مشمولات النَّفقة المعاصرة:

    إنَّ مشمولات النَّفقة في حديث الفقهاء قديمًا تتضمَّن الضَّروريات الأساسيَّة الَّتي لا غنى للإنسان عنها بأيِّ شكلٍ مِن الأشكال والَّتي تَنحصر في ثلاثة أمور: “المأكل وَالملبس والمسكن”([35])، إضافة إلى الخادم لمَن قدر عليه، وقد فصَّل الفقهاء في هذه الضَّروريات تفصيلًا دقيقًا، وجَعلوا لكلٍّ مِنها حدًّا أدنى لا تنزل عنه حسب عُرفهم وعادات زمانهم، إلَّا أنَّه بسبب اختلاف الزَّمان والعُرف والعادات اختلفت الضَّروريات والحاجيات، وما حدَّده العلماء كحدٍّ أدنى لم يَعدْ مقبولًا عُرفًا في هذا القَرن، فما كان حاجة قديمًا أضحى اليوم ضروريًّا، وما كان مِن باب التَّحسين والرَّفاه غَدَا اليوم بين الضَّرورة والحاجة الَّتي لا غِنى للإنسان عنها، وبيان ذلك الآتي:

    1. المأكل:

    ويشمل الطَّعام والشَّراب وما فيه صلاح جسم الإنسان الَّذي لا بدَّ مِنه لبقاء حياته، وقد فصَّل بعض العلماء في المقدار والنَّوع الواجب إنفاقه، على الرغم مِن اتِّفاقهم على أنَّ هذا الأمر تقديريٌّ ليس فيه مستندٌ شرعيٌّ، إنَّما عائده العُرف والعادة المتَّبعة وسِعة المنفِق، لذلك اختلف تقدير قضاة المحاكم الشَّرعيَّة حديثًا في تحديد نفقة مأكلِ المحضون تبعًا لكثرة الأصناف والأنواع ومتطلَّبات التَّغذية الصِّحيَّة الحديثة، وبما يتناسب مع سِعة المنفِق وعُرفه وعادات أمثاله.

    2. الملبَس:

    أكَّد الفقهاء على أنَّ الكسوة -الملبَس- ضمن مشمولات النَّفقة الواجبة على الوالد، وكانت قديمًا تُحدَّد بكسوتين اثنتين لا تتعدَّاهما كحد أدنى؛ إحداهما في الشِّتاء والأُخرى في الصَّيف، لكن مع تطوُّر الصِّناعة وازْدهارها كثُرتِ الملابس وتَعدَّدتْ باختلاف المناسبات وتجدُّدها، فلم تعد كسوة الشِّتاء والصَّيف كافيةً في وقتنا الحاضر، فقد أصبح هناك لباسٌ خاصٌّ للنَّوم والبيت، وَلباسٌ خاصٌّ للطَّريق والخارج، ولباسٌ خاصٌّ للمدارس والجامعات وغيرها، كما أنَّ لباس البنات يختلف عن لباس الأولاد، بل وأصبحت تكلفة ملابسِ البنات تفوق بأضعافٍ مضاعفةٍ تكلفة ملابس الأولاد، الأمر الَّذي يستلزم أن ينظر القاضي إلى هذا بِعين الاعتبار([36]) .

    3. المسكن:

     أكَّد الفقهاء على أنَّ السَّكن مِن مُستلزمات نفقة المحضون، حيث ألزم أكثر الفقهاء والد المحضون بالسَّكن إذا لم يَكن للحاضن مَسكن، واختلفوا في انتفاع الحاضن بالسَّكن فذهب بعضهم إلى مناصفة أُجرته بينَه وَبين الحاضن، وذهب آخرون إلى وجوبه على الموسر وآخرون إلى عدم وجوبه على والدِ المحضون([37]).

     غير أنَّ المسكن في عصرنا الحاضر أصبحَ مِن الضَّروريات التي لا غِنى عنها بعدَ استقلال الأولاد عن آبائهم، فقديمًا كانتِ العائلة تَسكن دارًا كبيرةً، يكبر أفرادها ويتزوَّجون فيها فيستقلُّ كلُّ واحدٍ منهم في غرفةٍ مِنها، وتكون خدمات هذه الدَّار ومياهها وأدواتها مشتركة بينهم، أمَّا اليوم فأصبحَ مِن الضَّروري عُرفًا أن يستقلَّ الابْن عند زواجه عن والده في كلِّ شيءٍ حتَّى في المسكن، ولاسيَّما مع تزايد النَّفقات وكثرةِ المشكلات الاجتماعيَّة الواقعة باخْتلاف الأجيال، وأصبح الاستقلال مَطلبًا ضروريًّا للزَّواج والعُرف الشَّائع في معظم البلاد؛ بل حتَّى المطلَّقة إذا طُلِّقت ولديها أطفالٌ فأصبح المتعارف عليه في بعض البيئات أنَّها تستقلُّ في مسكنٍ خاصٍّ عن والديها، ولا يُلزم والدها بِسُكنى ابنته وأولادها، فعلى أبيهم السَّكن والنَّفقة، كما أصبح للحيِّ مقرِّ السَّكن أثرٌ في تربية الأولاد وتنشئتهم نشأةً صالحةً؛ لاختلاف النَّشأة باختلاف المخالِط والصاحِب والجارِ، فصارَ اختيار الحيِّ والمفاضلة بينَه وبين غيره مطلبًا مهمًّا لبعض العائلات([38]).

    ومِن مستجدات نفقات السَّكن الَّتي لم تُوجد سابقًا وأصبحت اليوم ضرورةً لا غنى عنها:

    • فواتير الكهرباء والماء والانترنت.
    •  أجهزة التَّكيف والتبريد.
    • أجهزة المطبخ: الَّتي تتعلَّق بتبريد الطَّعام وتسخينه وطبخه وإعداده، إضافةً إلى أدوات الطَّعام والشَّراب المتواجدة في كلِّ بيت.
    • أجهزة تسخين المياه.
    • الأثاث المتعارَف عليه في كلِّ مسكنٍ: مِن غرفة نومٍ، وجلوسٍ، وطاولة طعامٍ، وغيرها.
    • أجهزة غسيل الملابس وتنظيفها، إضافة إلى ما يتبعها مِن مستلزمات.

    وغيرها مِن المستجدَّات التي لم تكن معروفةً في زمان الفقهاء، ولا بدَّ مِن أخذها بعين الاعتبار([39]).

    4. التطبيب:

    إنَّ حديث الفقهاء قديمًا عَن الأدوية والتَّطبيب يكاد لا يتعدَّى الطِّبَّ الشَّعبيَّ الَّذي يعتمد جلُّه على الأعشاب، فضلًا عن كونها ضربًا من البذخ والترف غير الرائج، الأمر الذي دعا بعضهم إلى عدم اعتبار الطبابة من النفقة، في حين أدخلها البعض الآخرُ كــابن عابدين([40]) وغيره ضمن مشمولات النَّفقة، إلَّا أنَّ واقع الطِّبِّ اليومَ يختلف عن سابق عهده، فقد تعدَّدتِ المشافي وتنوَّعتْ تبعًا لتعدُّد الأمراض وكثرتها، وأصبحت زيارة الطِّفل الصغير للطَّبيب دوريًّا أمرًا لا بدَّ منه للاطمئنان على حالته الصِّحيَّة، ولإعطائه اللقاحات الدَّوريَّة اللَّازمة، ولبيان نموِّه الطَّبيعيِّ مِن عدمِه، فضلًا عن زيارته وقتَ المرض، وهذا ممَّا يرهق ميزانية الأسرة الطَّبيعية فكيف بالأسرة المتفرِّقة! وخاصة إذا كان المحضون معاقًا أو مصابًا بالتَّوحُّد أو غيره مِن العاهات المزمنة التي تستدعي الرَّعاية الدَّائمة والمُكلفة ماليًّا لأصحاب الدَّخل المحدود، فكان لِزامًا على القاضي أخذُ هذا الأمر بِعين الاعتبار عند حِساب نفقة المحضون.

    5. الخادم:

    أوجب الفقهاء نفقة الخادم على الوالد حسب الحاجة والعُرف السَّائد لديهم، فمَن كان مثلُه يُخدم، أو كان مريضًا، أو عاجزًا عجزًا يحتاج فيه لخادمٍ فوجب على والد المحضون تأمينُه له، والحال اليوم لا يختلف عن سابقه؛ فمَن يحتاج إلى رعايةٍ وخدمةٍ وَجب عَلى والده تأمين ما يستلزم ذلك مِن خادمة، أو ممرِّضةٍ، أو أدوات، أو أجهزةٍ طبيَّةٍ وغيرها، وهذا الأمر يختلف باختلاف قدرةِ ويسارِ المنفِق ومكانته.

    6. التَّعليم:

    إنَّ مِن مستجدات العصر النظام التعليمي السائد في معظم دول العالم الَّذي يقوم على انتقال الطَّالب أو الطالبة مِن مرحلةٍ دراسيَّةٍ إلى أُخرى، ويكون خلالها عاطلًا عن العمل إلى أن يبلغ الثانية والعشرين مِن عمره، ويحتاج فيها إلى مصاريف دراسيَّةٍ خاصَّةٍ؛ مِن لباسٍ خاصٍّ إلى المستلزمات المدرسيَّة مِن حقيبة، ومستلزمات فنيَّة وهندسيَّة وأقلام ودفاتر وغيرها، إضافة إلى تكاليف المواصلات والأجهزة التّقنيَّة مِن حاسبٍ ونحوه، ناهيك عن أقساط المدارس إن وُجدت، ولهذا النِّظام تبعاتٌ ماليةٌ مرهقةٌ تثقل كاهل الأسرة، ولا تستطيع الأمُّ الحاضنُ تحمُّلها وحدها، الأمر الَّذي يقتضي نظرَ القاضي فيها ومراعاتها عند تحديد النَّفقة.

    7. أجهزة التَّنظيف وأدواته:

    تُعدُّ أجهزة تنظيف المنزل والبدن -كمكنسة السجاد وغسالة الملابس والصحون، ومواد تنظيف البدن والبيت- وغيرها مِن مشمولات النَّفقة الحديثة، حيثُ أصبحت هذه الحاجيات مِن الأساسيَّات الَّتي لا يستغني عَنها كلُّ بيتٍ.

    8. الأجهزة التقنيَّة:

    أصبح الهاتف المحمول والحاسوب واللَّوح الكتروني، والإنترنت، إضافةً إلى وسائل التَّرفيه الإلكترونية، كألعاب الالكترونية على اختلاف أشكالها، مِن المستجدَّات الملحِّة في نفقة كلِّ محضون.

    هذه جملةٌ مِن مشمولات النَّفقة الحديثة، ولا بدَّ مِن الإشارة إلى أنَّ ذكرها لا يعني مطالبةَ كلِّ والدٍ بها بصرفِ النَّظر عن يساره أو إعساره، إنَّما سردتُها لأنَّ المنازعات والمخاصمات تقوم على المشاحة لا المسامحة، فكان لا بدَّ مِن بيانها وتفصيلها حتَّى يضعها القاضي نُصب عينيه فلا يتجاهل وجودها وحاجة المحضون لها، ولا يغفل عن حال والد المحضون وقدرته على الإنفاق، والأَولى في ذلك أن تُحسب هذه النَّفقات ويُراعى الحدُّ الأدنى منها لأصحاب الدَّخل المحدود ثمَّ الأعلى فالأعلى حسب حال والد المحضون، ويساره وإمكاناته.

    المطلَب الثاني: المقاصدُ الشَّرعيَّة ورؤية المحاكم الشَّرعيَّة في مستجدَّات النَّفقة:

    أولًا: المقاصد الشَّرعيَّة الَّتي بنى عليها الفقهاء اجتهاداتهم:

    استنادًا إلى ما سبق نجد أنَّ معيار تقدير النَّفقة يرتكز على ثلاثِ قواعد:

    “العادة محكَّمةٌ”([41]) ، و “لا ضَرر ولا ضِرار”([42])  و “النَّفقة بقدرِ الاستطاعة”([43]) ، فيُؤخذ بعين الاعتبار اختلاف النَّفقة باختلاف عُرف أهل البلد وأحوالهم وعاداتهم، وباختلاف غنى المنفِق وفَقره، فلا تُضارّ الحاضن بالتَّضيق عليها، فيمنع والد المحضون نفقة عياله وكفايتهم، كما لا يضارّ الوالد بإرهاقه بنفقاتٍ وطلباتٍ لم تكن موجودةً أصلًا في بيته، وهو غير قادرٍ على تحقيقها لفقرِه وقلَّة حيلتِه، ونتيجةً لذلك اعتمد الفقهاء على مقاصد الشَّريعة في تحديد الحدِّ الأدنى للضَّروريَّات الَّتي لا يَستغني عنها الإنسان ولا تَقوم حياةٌ بدونها، ثمَّ تركوا ما يزيد على ذلك يختلف باختلاف النَّاس وأحوالهم، ومقصد الشَّريعة في ذلك الآتي:

    1. تحقيقُ مصلحة المحضون في تأمين حياةٍ كريمةٍ له مماثلةٍ لحياة أقرانه، ورفع الضَّرر والأذى عنه بحرمانِه مِن نفقاته الواجبة على والده.
    2. رفع الضَّرر والأذى عن الحاضن في إثقال كاهلها بمصاريف لم تفرض عليها.
    3. رفع الضَّرر والأذى عن والد المحضون في إثقال كاهلِه بنفقاتٍ لا قُدرة له عليها، لقلَّة حيلته وقصر ذات يده.
    4. تحقيق العدل في سماع القاضي لِطرفي النِّزاع، ومعرفة ماليَّة والد المحضون ومَدى قدرته على الإنفاق، وحاجات المحضون المختلفة.
    5. تحقيق العدالة في التَّسديد والمقاربة بين قدرة المُنفِق المالية وبين دَفع الضَّرر عن الحاضن والمحضون.
    6. تحقيق العدالة في تقدير النَّفقات المستجدة الَّتي باتتْ تُعتبر مِن الضَّروريات والحاجيَّات التي لا يمكن الاستغناء عنها.
    7. تحقيقُ العدالة في تقسيم المنفقين إلى ثلاث فئاتٍ: فئة الإنسان مَعسور الحال، وفئة الإنسان متوسِّط الحال، وفئة الإنسان مَيسور الحال.

    ثانيًا: رؤية المحاكم الشَّرعية في مستجدَّات الحضانة:

    تأسيسًا على ما سبق ذِكْره نجد أنَّ مجمل قوانين الأحوال الشَّخصيَّة استندت إلى اسْتدامة النَّفقة باسْتدامة الحاجة إليها، فنصَّت على وجوب نفقة الابن إلى أن يصلَ إلى الحدِّ الَّذي يتكسَّب فيه أمثالُه، ما لم يكن طالبَ علمٍ يواصل دراسته بنجاحٍ معتادٍ، وأنَّ نفقة البنت لا تسقط إلَّا بالزَّواج، وهو ما نصَّت عليه المادة (58) مِن نظام الأحوال الشَّخصية السعودي([44])، والمادة (155) مِن قانون الأحوال الشَّخصية السُّوري المعدَّل عام(2019م)([45])، والمادة (75) من قانون الأسرة القطري ([46])، والمادة (78) مِن القانون الاتحادي الإماراتيِّ رقم (28) لعام (2005م)([47])، وكذلك المادة (18) مكرر ثانيًا مِن قانون الأحوال الشخصية المصري رقم (25) لسنة (1920) وفق تعديل سنة (2017م)([48])، إلَّا أنَّها قيَّدت الذَّكر ببلوغه الخامسة عشرَ مِن عمره إذا كان قادرًا على التَّكسُّب، فإنْ أتمَّها عاجزًا عن الكسب لمرضٍ أو طلب علمٍ فتستمرُّ نفقته على أبيه حتَّى يقدر على الكسب.

    وأمَّا مدونة الأسرة المغربية فقد جعلت المادة (198)([49]) النَّفقةَ على الأب إلى بلوغ الولد سنَّ الرُّشد أو إتمامه الخامسة والعشرين مِن عمره لمَن يتابع دراستَه، على أنَّ نفقة البنت في جميع الحالات لا تسقط إلَّا بتزوُّجها أو قدرتها على الكسب، وأمَّا فيما يتعلَّق في تحديد مقدار النَّفقة: فقد اتَّفقت القوانين السَّابق ذِكرها على أنَّ النفقة تشملُ الطَّعام والكسوة والمسكن وجميع الحاجيات الأساسية المتعارف عليها، على أنْ يُراعى في تقديرها سِعة المنفِق وحال المنفَق عليه وَمستوى الأسعار والأعراف والعادات السَّائدة في البلد الَّذي تفرض فيه النَّفقة، وألَّا تقلَّ عن حدِّ الكفاية.

    ومِن نماذج مَا جرى العمل عليه في المحاكم الشَّرعية في المملكة العربية السعودية الآتي:

    في واقعةٍ لدى المحكمة العامة في محافظة “الخبر”: “أقامت مدَّعيةٌ دعواها ضدَّ المدَّعى عليه طالبةً إلزامه بتأمين سكنٍ لأولادها منه بعد أن طلَّقها طلاقًا بائنًا وبقي الأولاد في حضانتها، وبعرضِ الدَّعوى على المدَّعى عليه أقرَّ بصحَّتها، وامتنع عن تأمين سكنٍ للأولاد، وقرَّر استعداده لحضانتهم إن لم ترغب بذلك المدَّعية، وقد وَرد قرار قِسم الخبراء متضمِّنًا تقدير أجرة السَّكن المناسب لحال الطرفين..، لذا فقد حَكم القاضي بإلزام المدَّعى عليه بتسليم المدَّعية أجرةَ سكن أولاده مع حاضنتهم المدَّعية…” ([50]).

    ونلاحظ أنَّ تقدير لجنة الخبراء لأجرة المسكن جاء موافقًا للقيمة الواقعيَّة لأجرة العقارات تقريبًا في مكان متوسط في هذه المنطقة، حيث قُدِّرت الأجرة (1500) ريال شهريًّا، وعلى الرغم مِن دفع المدَّعى عليه بعدمِ قدرته عَلى دفع هَذا المبلغ… فإنّ العدالة تقتضي تقدير النَّفقة وَفقًا لمتغيرات الأسعار والأماكن والبيئات.

    وفي واقعةٍ لدى المحكمة العامَّة في محافظة “أبي عريش” برقم القضية (35141702)، وبتاريخ (1435هـ)، ورقم القرار (35282265) “أقامت المدَّعية دعواها ضدَّ المدَّعى عليه طالبةً إلزامه بتسليمها باقي نفقة ابنه الماضية منذ ولادته الَّتي أنفقتها عليه بنيَّة الرجوع على والده المدَّعى عليه، كما طلبتْ إلزامه بنفقةٍ شهريَّةٍ لابنه مستقبلًا، وبعرض الدَّعوى على المدَّعى عليه أقرَّ بصحَّتها، فجَرى مخاطبةُ مؤسسة النَّقد للإفادة عن راتب المدَّعى عليه..، ولِذا فقد حَكم القاضي حضوريًّا على المدَّعى عليه بتسليم المدَّعية نفقة ابنها مِنه الماضية والمستقبليَّة حسب تقدير الخبراء، على أن تُودَع النَّفقة في حساب المدَّعية ([51]).

    ونُلاحظ أنَّ المبلغ المستقبليَّ الَّذي قدَّرته لجنة الخبراء لابْنها (300) ريالٍ قبل بلوغه سنَّ السادسة، و(500) ريال بعد بلوغه ذاكَ السِّن، إلَّا أنَّ هذا المبلغ لا يكفي للحدِّ الأدْنى مِن متطلَّبات الطِّفل في هذا العمر، لكنَّ اللَّجنة نظرتْ في راتب الوالد ومَا عليه مِن التزاماتٍ ومصاريفَ، وقرَّرت بناءً على قدر استطاعته ووُسعه، وهو الصحيح.

    ونافلة القول: أنَّ للقضاء دورًا مهمًّا في منع تساهل الأولياء في تقدير النَّفقة وَفقًا لمستجدَّات العصر؛ وذلك أنَّ والد المحضون بات يتساهل في الطَّلاق ويتجرَّأ عليه، لِعلمِه أنَّ النَّفقة الشَّرعية حسب تقدير العلماء المتقدِّمين لا تُكلِّفه شيئًا البتة، لكنَّه إذا علم أنَّ تقدير القاضي للنَّفقة مختلفٌ تمامًا عمَّا كان عليه الأمر في السَّابق، وأنَّه سيُحاسب بدقَّةٍ على المصاريف اللَّازمة للمحضون فسيفكر مليًّا في الطَّلاق قبل أن يُقدم عليه، فما يُتسامح به عند الوِفاق والرِّضا لا يُتسامح فيه عند النِّزاع والمخاصمة، في المقابل فإنِّ على القاضي أن يسدِّدَ ويقاربَ بين النَّفقة بقدر الاستطاعة، وبين عدم الإضرار بالحاضن والمحضون، وبين عُرف الناس وأحوالهم([52]).