اختتمت مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع، ممثلة بمبادرة “بالعربي”، فعاليات النسخة الثانية من “ملتقى بالعربي 2026″، الذي أقيم في المدينة التعليمية بالدوحة يومي 19 و20 سبتمبر 2026، تحت شعار “بأفكارنا نبني”.

وشارك في الملتقى 1600 من المفكرين والمبدعين والخبراء من مختلف القطاعات في العالم العربي. وعبر كلمات المسرح الرئيسي “منصة بالعربي”، والجلسات الاستكشافية وورش العمل، والمعارض والتجارب التفاعلية، ناقش الملتقى موضوعات تضمنت بناء منصات رقمية تخدم المجتمعات وتحديات ريادة الأعمال، إلى دور المعارف المحلية في جهود بناء السلام، فضلا عن قصص وتجارب في التكنولوجيا واللغة والهوية والاستدامة وعلاقة الفرد بالمجتمع.

الصمود والجينوم وأسئلة الهوية

استهل اليوم الأول بكلمة الصحافي الفلسطيني ومدير مكتب شبكة الجزيرة في غزة وائل الدحدوح، التي جاءت بعنوان “أمانة… رد علي”. واستحضر الدحدوح رسالة من زوجته خلال تغطيته للحرب، كاشفا عن الصراع بين أداء واجبه المهني في نقل معاناة الناس وخوفه الفطري على أسرته. ووصف حال الصحافي الذي يعمل بين أهله وناسه بقوله: “تجده يتحدث عن كل شيء إلا عن الحرب التي تدور في داخله”.

وروى الدحدوح فصول عودته إلى الميدان الصحافي بعد فقدان زوجته وعدد من أفراد أسرته، وخاطب أبناءه قائلا: “كنتم وما زلتم سرا من أسرار صمودي وبقائي واستمراري”. وحدد أربعة مفاتيح للثبات تتمثل في الحب والإيمان والاستعداد والرضا، مشددا على أن نقل الحقيقة والدفاع عنها يمثلان واجبا أخلاقيا ومهنيا.

وتناول عالم الجينوم والطب الدقيق الدكتور سعيد إسماعيل، في كلمته”الجينوم: حين تكشف الجينات ما أخفته الخرائط”، العلاقة بين الجينات والتاريخ، وما يمكن لعلم الجينوم أن يكشفه عن الهجرات والاختلاط السكاني في المنطقة، مع التشديد على عدم تحويل المعلومات الوراثية إلى أساس لمطالب سياسية أو لملكية الأرض.

وقدمت المخرجة والناشطة الموريتانية لالة كابر الغلاوي مداخلتها تحت عنوان “ليس الصم من لا يسمعون”، فاتحة النقاش على تجاربها مع الصم ولغات الإشارة وإمكان انتقالها إلى السينما والفنون البصرية.

ملتقى "بالعربي" في نسخته الثانية .. العلوم والتجارب والابتكار تستنطق آفاق المستقبل
المخرجة والناشطة الموريتانية لالة كابر الغلاوي

أما الرحالة القطري خالد الجابر فاختار الحديث عن السفر والترحال وإعادة النظر في معنى النجاح، فتحت عنوان “ليس كل نجاح يشبهك”. استعرض الجابر رحلاته بالدراجة النارية، ومنها عبور طريق الحرير من لندن إلى بكين عبر 19 دولة في مسافة تخطت 21 ألف كيلومتر، ثم رحلة بين القطبين زادت على 40 ألف كيلومتر، مقدما تجربته في ملاحقة أحلامه مهما كانت بعيدة.

ملتقى "بالعربي" في نسخته الثانية .. العلوم والتجارب والابتكار تستنطق آفاق المستقبل
الرحالة القطري خالد الجابر

اللغة العربية والتكنولوجيا

في الفترة المسائية، اتسعت الأسئلة من تجربة الإنسان إلى علاقته باللغة والتكنولوجيا واستلهام النجاح من التراث حيث استعرض الدكتور بشير حليمي في كلمته “حين تلهم اللغة العربية التكنولوجيا”، تجربة العمل على الحوسبة العربية منذ تأسيس شركة “ALIS Technologies” عام 1981، وما فرضته خصائص الكتابة العربية من تحديات تقنية مرتبطة باتجاه الكتابة والحروف المتصلة، وصولا إلى حلول ساعدت على التعامل مع اللغة العربية في البيئة الرقمية.

وتحدث اليمني محمد فارس في “استعد زمنك” عن إدارة الوقت واستثمار القدرات، فيما قدم الجراح ورائد الأعمال الليبي الدكتور محمد أبوراوي كلمة “رعاة الإبل: إعادة تصور معنى النجاح”، رابطا بين التراث والنظرة المعاصرة إلى مسارات الحياة والعمل.

وحضرت التجربة الشخصية في كلمة السباحة المصرية منى كامل يوسف “بطلة بعد السبعين”، التي استعرضت مسيرتها الرياضية التي بدأ فيها التدريب الجاد في مطلع الستينيات من عمرها، محققة ميداليات في بطولات دولية.

بين ريادة الأعمال وبناء السلام

انتقلت فعاليات اليوم الثاني من التجارب الفردية إلى أسئلة الشركات والمنصات وحاجة المجتمعات التي تواجه النزاعات للسلام.

استهل رائد الأعمال عصام حجازي، مؤسس منصة “UpScrolled”، اليوم الثاني بكلمة “لا تخفف من قدر نفسك”، عرض فيها تجربته في بناء منصة تمنح المستخدمين مساحة أكبر في اختيار المحتوى الذي يتابعونه، وتقوم على تقديم المنشورات وفق تسلسل زمني يراعي خيارات المستخدم.

وفي كلمة “من يروي السلام؟”، تناولت خبيرة الوساطة الزهراء لنقي أهمية الإصغاء إلى تجارب المجتمعات المتأثرة بالنزاعات وفهم السياق المحلي، مستعرضة تجربة أمهات المختطفين في اليمن ودورهن في جهود تبادل الأسرى، وما تكشفه هذه التجربة عن قيمة الثقة والمعرفة المحلية في بناء السلام.

أما مؤسس شركة “سنونو” حمد مبارك الهاجري، فتناول في كلمة “ما لا يخبرونك به عن الشركات المليارية” تجربته في ريادة الأعمال، مستعيدا لحظة تحولت فيها ورقة إنهاء خدماته إلى بداية مشروعه الخاص، وما رافق ذلك من تحديات خلال مسار الشركة.

الجلسات الاستكشافية وورش العمل

أتاحت الجلسات الاستكشافية وورش العمل المصاحبة لفعاليات ملتقى بالعربي 2026 فرصا للمشاركين للتعلم والتطبيق والتجربة شملت موضوعاتها على مدار اليومين لغة الطفل والذكاء الاصطناعي وتنظيم المبادرات والتعليم والقيادة والترجمة.ففي اليوم الأول، ناقشت ورشة “سراج: كيف يضيء سراج لغة الطفل وقيمه؟” العلاقة بين تعلم اللغة والتربية على القيم، فيما تناولت جامعة حمد بن خليفة في ورشة “الذكاء الاصطناعي العربي” البيانات والأدوات مفتوحة المصدر وصلتها بتطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي باللغة العربية.

وفي جلسة استكشافية بعنوان “جيل زد بين الإغراء المادي وسؤال القيم والهوية”، ناقش مركز مناظرات قطر أسئلة تتصل بالجيل الجديد واختياراته وموقع القيم والهوية، واستضافت الجلسة الأستاذ الدكتور بدران بن لحسن، مدير مركز ابن خلدون للعلوم الإنسانية والاجتماعية.

وشملت الفعاليات كذلك ورشة “كيف تنظم “بالعربي في…”؟”، التي نوقشت خلالها فكرة اللقاءات التي تتيح للناس مشاركة أفكارهم وتجاربهم باللغة العربية، فيما ركز “منتدى الشرق: مختبر تسريع المبادرات” على الانتقال من الفكرة إلى العمل وتطوير المبادرات بما يقربها من التطبيق.

أما ورشة وزارة الرياضة والشباب “الذكاء الاصطناعي ومستقبل الشباب”، فتناولت الفرص والتحديات التي تطرحها تقنيات الذكاء الاصطناعي أمام الجيل الجديد.

وفي اليوم الثاني، قدمت مؤسسة الملكة رانيا للتعليم والتنمية جلسة “اقرأ لي” حول تطوير تعليم اللغة العربية وتشجيع الأهل على القراءة مع أطفالهم منذ سنوات الطفولة الأولى.

وفي جلسة “قد على خطاه.. محاكاة تفاعلية في القيادة النبوية”، قدمت ورشة عمل قيادية في استلهام الهدي النبوي لإدارة المواقف، أدارها الشيخ محمود الأزهري، واستندت إلى مواقف من السيرة النبوية لاستلهام المبادئ القيادية وربطها بالممارسة العملية.

تناول مشروع “بالعربي” المفتوح للترجمة سبل توسيع وصول المحتوى العربي إلى جماهير جديدة. وتحدث الدكتور أنور دفع الله، مستشار المبادرة، عن دور المتطوعين في هذا المجال، فيما عرض المترجم مصعب مصري تجربته في ترجمة النصوص التي تتضمن الشعر، وما تفرضه من موازنة بين بلاغة النص الأصلي وسلاسة صياغته في اللغة المستهدفة. وشملت المناقشة أيضا تطوير ملف الأسلوب ومواصلة إعداد مسرد المصطلحات، مع طرح فكرة “رفيق الترجمة” لمساندة المترجمين الجدد وتبادل الخبرات معهم.

الخيال والاستدامة وأسئلة المستقبل

في الفترة المسائية من اليوم الثاني، تحولت الأسئلة إلى المستقبل وما يمكن أن تتركه الأفكار من أثر في المكان والمجتمع. وتناول المهندس المعماري والباحث الكويتي مشعل عوض العتيبي، في كلمته “المكان الذي لا نراه”، كفاءة الطاقة في المباني والحلول العمرانية المستدامة، مسلطا الضوء على سبل تحويل الاستدامة من مفهوم عام إلى قرارات تصميمية قابلة للتطبيق.

وتحدث المهندس السعودي ياسر بهجت في كلمة “خيالنا ليس ترفا” عن الخيال العلمي والتقنيات المستقبلية وأهمية الانفتاح على تجربة الاحتمالات وطرح الأسئلة قبل أن تتحول إلى واقع.

أما خبيرة الاستراتيجيات التسويقية دانية خالد، فطرحت في “من الأنا إلى النحن: كيف نعود؟” سؤال العلاقة بين الفرد والمجتمع في زمن الاستخدام المتكرر للإنترنت، وما يتركه ذلك من أثر في السلوك وفي طبيعة الروابط الاجتماعية.

واختتم برنامج الملتقى بجلسة خصصت لتكريم الشركاء ومنظمي ملتقى بالعربي 2026، والمترجمين المتطوعين.