كلنا معرضون للوقوع في خطأ ما، أو جملة أخطاء، سواء في أعمالنا الرسمية، أو علاقاتنا الإنسانية بعضنا مع بعض، على اعتبار أن “كل بني آدم خطّاء، وخير الخطائين التوابون” كما قال (أخرجه الترمذي). ومعنى ذلك ألا حرج في أن تخطئ، لكن أن يتكرر منك الخطأ مرة بعد أخرى، دون أدنى اعتبار أو اتعاظ من الأخطاء السابقة والتجارب الماضية، ففي هذا الفعل أو السلوك كلام آخر. هذه خلاصة مقال اليوم، ولمن أراد التفاصيل فليكمل القراءة.

أن تخفق في عمل ما بسبب خطأ أو جملة أخطاء، بعد أن تكون قد بذلت جهدك فيه واتخذت الأسباب كافة المؤدية للنجاح، أمرٌ لا يمكن اعتباره عملاً يستحق كثيراً من الملامة والعتاب؛ إذ لا يوجد من يعمل دون أن يخطئ، إلا إن كان هذا العامل من جنس الملائكة! فنحن البشر، الأصل فينا أن نعمل ونجتهد ونتخذ كل أسباب النجاح، ولكن أحياناً ورغم هذا الاجتهاد، نخطئ لسبب أو لآخر، وقَلّما يسلم امرؤٌ من ذلك.

والحقيقة التي يجب ألا نغفلها أو نتغافل عنها في هذا السياق، هي أننا كائنات بشرية نخضع لمشاعر وأحاسيس متنوعة ونلتأثر بها في اليوم والليلة، وتتقلب أهواؤنا وأمزجتنا ما بين لحظة وأخرى أو ظرف وآخر، وكلها أمور تؤثر في أداء الأعمال والمهام. أضف إلى ذلك أننا نعيش في مجتمع بشري يعمل فيه الناس معاً، وتتباين فيه القدرات والمهارات والعقليات، ومن ثمّ فإن الوقوع في الأخطاء أثناء أداء المهمات أمرٌ لا يمكنك تفاديه بالسهولة التي تتصورها، وليس في ذلك ما يعيب كما أسلفنا.

لكن العيب كل العيب -وهو لبّ حديث اليوم- أن يكون الخطأ نتاج تقصير واضح أو متعمد منك، أو ألا تعمل وفق رؤية واضحة وخطة محكمة، أو ألا تستفيد من أخطاء الماضي، أو ألا تستخير وتستشير أهل الخبرة والاختصاص قبل البدء في العمل؛ وبالتالي ليس مستغرباً أن تكون النتيجة النهائية هي الإخفاق، بل لن يكون مستهجناً توجيه اللوم والانتقاد إليك، فهكذا يقول المنطق السليم.

نقطة أخيرة تتعلق بالموضوع، وهي أن الاعتراف بالخطأ والإعلان عن تحمل مسؤوليته وتبعاته أمرٌ ليس من السهل القيام به، ما لم تتوافر مهارات وصفات معينة في الشخص المخطئ، وقليلٌ هم أولئك الشجعان الذين يعترفون بالخطأ إذا صدر منهم وتبين لهم ذلك بوضوح لا غبار عليه.

وقد تتساءل: لماذا هم قلة في مجتمعاتنا العربية؟

والإجابة باختصار شديد: الثقافة المجتمعية السائدة لا تساعد على ظهور أمثال هؤلاء الشجعان؛ إذ تُعدّ ذلك عيباً وانتقاصاً من القيمة المجتمعية للشخص الذي يعترف بخطئه، بينما يُفترض منه -في نظر هذه الثقافة- التبرير تلو التبرير، واختلاق العذر تلو الآخر، حتى يتنصل من المسؤولية في نهاية الأمر، ولو كان ذلك على حساب غمط الحق، والله لا يحب الفساد.