تُعدّ المعرفة واحدة من أكثر القضايا جوهرية في الوجود الإنساني إذ ترتبط بأمر متأصل في الانسان منذ يومه الأول وهو السؤال والبحث والاستكشاف وترتبط كذلك بقدرة الإنسان على فهم ذاته، وإدراك العالم المحيط به، والتمييز بين الحقيقة والوهم، واليقين والظن. فالإنسان لا يكتفي بمجرد العيش في العالم، بل يسعى إلى فهمه وتأويله واكتشاف ما هو حق بشأن ذاته والآخرين والواقع. وخلف كل محاولة لفهم الواقع تكمن مجموعة أعمق من الأسئلة: ما المعرفة؟ وكيف يكتسب الإنسان المعرفة؟ وما مصادرها؟ وكيف يمكننا التمييز بين المعرفة والرأي والافتراض والوهم؟ وما حدود المعرفة الإنسانية؟ وما الذي يجعل دعوى ما جديرة بأن تُعدّ حقيقة؟ تشكّل هذه الأسئلة الاهتمامات المركزية لنظرية المعرفة، أو علم المعرفة.
لذلك كانت نظرية المعرفة أو الابستيمولوجي epistemology فرعًا من أهم وأكبر فروع الفلسفة وأكثرها إثارة للنقاش والجدال والاختلاف في تاريخ الفلسة الانسانية. يهتم الابستيمولوجي بطبيعة المعرفة ومصادرها وتبريرها وحدودها وصحتها. وهو يبحث في العلاقة بين الذات العارفة وموضوع المعرفة، ويتساءل عن الكيفية التي ينتقل بها الإنسان من الجهل أو عدم اليقين إلى الاعتقاد المبرَّر والمعرفة ( على أن من الباحثين من يجعل نظرية المعرفة والابيستيمولوجيا وفلسفة العلم علوما مختلفة بعضها عن بعض وفرّق بينها ) [1]
وقد تناول الفلاسفة، قديمًا وحديثًا، هذه الأسئلة بطرائق مختلفة؛ فالمذهب العقلي يرى أن العقل بما ركب فيه من استعدادات أولية أو مبادئ قبلية هو وسيلتنا الوحيدة للمعرفة اليقينية بالتالي أكد على أسبقية العقل في المعرفة ، أما المذهب الحسي أو التجريبي فيؤكد أن الخبرة الحسية هي أساس المعرفة اليقينية باعتبار أن العقل صفحة بيضاء ليس فيه إلا ماتنقله حواسنا ، في حين بحثت مذاهب أخرى كالمذهب الحدسي في الحدس واللغة والوعي والتاريخ والبنى الاجتماعية والثقافية بوصفها شروطًا لإمكان المعرفة. [2]
وإذا ما تناولنا القرآن في هذا الجانب فإننا نسعى من خلال هذا المقال إلى طرح سؤال عميق: هل يحتوي القرآن على أسس نظرية متميزة للمعرفة؟ وإذا كان الأمر كذلك، فكيف تتصل هذه النظرية بالعقل والإدراك الحسي والوحي والخبرة والحدس؟ وهل يمكن مقارنة التصور القرآني بالتصورات الفلسفية الكبرى لنظرية المعرفة، من أفلاطون وأرسطو، مرورًا بديكارت وهيوم وكانط، وصولًا إلى الظاهراتية ونظريات المعرفة المعاصرة؟ ولعل السؤال الأهم: أي نوع من الإنسان تسعى نظرية المعرفة القرآنية إلى تكوينه؟
لذا نسعى من خلال هذا الجهد المتواضع إلىمحاولة النظر والكشف عن معالم نظرية المعرفة في القرآن الكريم، من خلال النظر في آيات القرآن التي تتناول المعرفة والتعلم ومحاولة تحليل ودراسة منهج القرآن في التثبت وطلب البرهان، ثم توضيح حدود المعرفة الإنسانية وعلاقتها بالإيمان والعمل والأخلاق.
كما يحاول المقال إبراز خصوصية التصور القرآني الذي يجمع بين هداية الوحي وفاعلية الانسان من خلال الأدوات التي ميزه الله بها وهي العقل والحواس ومن خلال النظر في الطبيعة و الكون، ويقدم نموذجًا معرفيًا لا يكتفي بالسؤال: كيف يعرف الإنسان؟ بل يضيف إليه أسئلة أكثر عمقًا: لماذا يعرف؟ وبأي معيار يحكم على معرفته؟ وكيف يوظف ما عرفه في أداء رسالته وتحمل مسؤوليته في الحياة؟
وعليه، فإن الغرض من استكشاف هذه الأسئلة ليس فرض القرآن داخل التصنيفات الخاصة بنظرية المعرفة في الفلسفة الغربية، ولا الادعاء بأن القرآن يقدم أطروحة فلسفية منهجية بالمعنى التقليدي. وإنما المقصود هو دراسة القرآن من داخل منظومته الخاصة، والتساؤل عما إذا كان خطابه الواسع حول المعرفة والإدراك والعقل والوحي واليقين والشك والتفكر وحدود الإنسان يشكل رؤية معرفية متماسكة.
وقد يقودنا المنظور القرآني في نهاية المطاف إلى أن المعرفة ليست مجرد وسيلة يستخدمها الإنسان للسيطرة على العالم أو تفسيره، وإنما هي أيضًا وسيلة لاكتشاف موقعه داخل نظام أوسع من الواقع، وإدراك العلاقة بين الإنسان والعالم المخلوق والله. ومن هذا المنطلق، فإن السؤال القرآني حول المعرفة لا ينفصل عن أسئلة أعمق: ماذا يعني أن يعرف الإنسان؟ وماهي غاية المعرفة؟ وكيف يتلقى المعرفة ؟ وهل لمعرفة الانسان من حدود ؟ وإلى أي شيء ينبغي أن تصنع المعرفةُ الإنسان؟
مع الوضع في الاعتبار أن القرآن لم يتناول موضوع المعرفة كوحدة واحدة منفصلة فلم تكن الآيات المتعلقة بالمعرفة في سورة واحدة أو موضع واحد إنما كانت كغيرها من القضايا الكبيرة كالتوحيد والايمان بالله واليوم الآخر منتشرة في سور القرآن المختلفة ، ومع ذلك، فإن جمع آياته العديدة المتعلقة بالعلم والإدراك والعقل والوحي واليقين والشك والجهل والتفكر وحدود المعرفة الإنسانية، وقراءتها في ضوء بعضها بعضًا، يكشف عن رؤية معرفية متماسكة ومتميزة إلى حد لافت ، وهذا في حد ذاته موضع دراسة وتأمل للاستفادة من اسلوب القرآن في تناول القضايا الكبرى ومنها قضية المعرفة.
فيما يلي بعض الملاحظات أو لنسمها القواعد التي استنبطناها من خلال دراسة الآيات المتعلقة بالعلم والمعرفة في القرآن، فأي جهد لربطها في نسق واحد قد ينتج نظرية معرفية أصيلة ومميزة مستنبطة من القرآن :
البعد الغائي والأخلاقي للمعرفة
لئن كانت أول آية في القرآن نزلت بالأمر ” اقرأ ” فالقراءة والعلم والمعرفة لم تكن في القرآن معزولة عن غاية الانسان وارتباطه بخالقه “باسم ربك الذي خلق” ، فسورة العلق ابتدأت بـ “اقرأ” وانتهت بـ “واسجد واقترب” هكذا العلاقة في القرآن بين المعرفة وارتباطها بالخالق وغايتها التي تؤدي إليه.
كذلك المعرفة لا تُقدَّم باعتبارها مجرد مجموعة من القضايا أو المعلومات التي يمتلكها العقل الإنساني، بل ترتبط بالمسؤولية والعمل والتواضع والتحول أي أنها ترتبط بسلوك الانسان وعمله ، يقول تعالى : ” إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ” فالمعرفة يجب أن تورث الخشية من الله ، والخشية من الله دائما ما ترتبط بالعمل الصالح والسلوك القويم.
إضافة لذلك يقدم القرآن تحذيرًا شديدًا من المعرفة التي لا تتحول إلى ممارسة: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ ، ويحذّر من اتباع ما لا علم للإنسان به والحكم بجهل ومن دون دليل ، فيقول تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾ ومن ثم المعرفة تحمل مسؤولية أخلاقية؛ فالإنسان ليس مسؤولًا فقط عما يفعله، وإنما أيضًا عن الطريقة التي يُكوِّن بها أحكامه، وعن الأشياء التي يقبلها بوصفها حقائق.
المعرفة إذن تُنتج المسؤولية والسؤال ليس فقط : “ماذا أعرف؟” بل أيضًا: “ماذا أفعل بما أعرف؟”، وهذا يعني أن التصور القرآني للمعرفة تحويلي في جوهره، فالغاية من المعرفة ليست مجرد بناء تصور صحيح عن الواقع، وإنما توجيه الإنسان إلى موقعه الصحيح داخل هذا الواقع.
المعرفة تبدأ من إمكان المعرفة
يقرر القرآن أن الانسان يأتي للدنيا كصفحة بيضاء لا يعلم شيئا ، وفي هذا نقطة مهمة تتعلق بالعلم المسبق الذي يأتي به الإنسان كما أشار بعض الفلاسفة فبحسب الآية لا يأتي الانسان للدنيا بعلم مسبق إنما يأتي للدنيا بإمكانات وأدوات وملكات تجعل المعرفة ممكنة من حواس وقدرات عقلية ( الأفئدة) تمكّنه من الاستدلال والمقارنة والتذكر والاستنباط والتأمل وبالتالي يمكن النظر للقواعد المنطقية الفطرية على أنها أداة ومنهج ضابط للمعرفة وليست معرفة في حد ذاتها ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ومن ثم يمكن القول أن المعرفة و القدرة على المعرفة ليس أمرا عرضيا أو طارئا بل هو جزء من التكوين الإنساني ذاته.
للمعرفة مصادر متعددة
لا يمكن اختزال المعرفة في العقل وحده ، كما لا يمكن اختزاله في التجريبية فقط أي عن طريق الحواس ، فالقرآن يوجّه الإنسان مرارًا في آيات كثيرة ومعروفة – لامجال لسردها هنا – إلى العالم القابل للملاحظة والنظر والتأمل: السماوات، والأرض، والطبيعة، والتاريخ، والإنسان، وذاته. كما يوجه الإنسان إلى التفكر العقلي البحت ومن ثم فإن الملاحظة والخبرة إلى جانب التأمل والتفكر العقلي تؤديان دورًا معرفيًا مهمًا.
وفي الوقت نفسه، يؤكد القرآن أن الإدراك الحسي والعقل لا يستنفدان الواقع كله. فهناك حقائق تقع وراء نطاق الإدراك الإنساني المعتاد ،أي عالم الغيب، ومعرفة هذه الحقائق تأتي من خلال الوحي الإلهي.
من هنا نستطيع أن نقول أن العنصر الأكثر تميزًا في نظرية المعرفة القرآنية هو الوحي ، فالإنسان يستطيع أن يبحث في العالم المخلوق، ويتأمل ذاته، ويستخدم عقله في التفكير في الواقع. لكن القرآن يؤكد أن بعض الحقائق لا يمكن الوصول إليها بصورة مستقلة من خلال الملاحظة التجريبية أو العقل المجرد. ومن ثم، لا يحل الوحي دائما محل العقل، وإنما يوسّع أفق ما يمكن معرفته ويضيف مصدرا للمعرفة لا تكتمل المعرفة ولا تستقيم بدونه.
كذلك تطرق القرآن إلى طرق أخرى للمعرفة لا يمكن الاستغناء عنها أو تجاهلها وهي مايمكن تسميتها بـ المعرفة بالتعليم والتلقي أو المعرفة التشاركية وهي التي تعتمد على تلقي العلم ومشاركته من الآخرين ، فقد أشار القرآن إلى سعي موسى عليه السلام لتلقي العلم من الخضر ، كما أشار القرآن إلى العلم الذي حازه الهدهد ونقله للنبي سليمان عليه السلام كما أمر الله الناس بسؤال أهل الذكر والاختصاص ومن لديه العلم ” فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ . تجدر الإشارة إلى أن الإبستيمولوجيا المعاصرة ناقشت مفهوم ابيستيمولوجيا الشهادة Epistemology of Testimony بوصفها طريقا من طرق اكتساب المعرفة من الآخرين وهو بذلك يشبه ما تطرق إليه القرآن وسبق إليه. [3]
يمكن أن نستخلص من القرآن تصورًا بالغ الأهمية: الإنسان أمام مجالات متعددة للقراءة : كتاب الوحي، وكتاب الكون والطبيعة وكتب البشر.
فالقرآن يدعو إلى تدبر القرآن: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ وفي الوقت نفسه يدعو إلى النظر في الكون: ﴿قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ويقول: ﴿أ سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ وفي الوقت نفسه يدعو إلى التعلم من البشر كما بينا ذلك.
ومن هنا يمكن أن يكون العلم الطبيعي، وعلم الاجتماع، والتاريخ، وعلم النفس، والفلسفة، وغيرها من مجالات المعرفة، جزءًا من رحلة الإنسان في فهم العالم، مع بقاء الوحي مصدرًا مرجعيًا في مجالات عديدة كالهداية والمعنى والقيم والحقائق الغيبية
كما يمكن وصف نظرية المعرفة القرآنية بأنها فريدة وأنها تكاملية لا اختزالية ، فهي لا تقول: ” كل المعرفة تأتي من العقل “ كما قال ديكارت وغيره من العقلانيين ولا تقول : ” كل المعرفة تأتي من التجربة الحسية “ كما عند لوك وهيوم و فرانسيس بيكون أو محاولة التوفيق والجمع بينهما كما فعل كانت ، بل تعترف بطرائق متعددة للمعرفة وأبرزها الوحي.
المعرفة تحتاج إلى التحقق
لئن كان القرآن قد فتح بابا للمعرفة التشاركية المأخوذة من الآخرين كما أشرنا في النقطة السابقة فقد ربطها بمبدأ من أهم المبادئ التي يمكن أن تدخل في نظرية قرآنية للمعرفة مبدأ التثبت ، يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ ويقول: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ وهذا مبدأ معرفي بالغ الأهمية:
لا تتعامل مع كل ما يصل إليك باعتباره معرفة
هناك فرق بين : ما رأيته، ما سمعته ، ما نُقل إليك ، ما استنتجته ، ما تظنه ، وما ثبت لديك بالدليل، ويمكن بناء أخلاق ومبادئ معرفية كاملة تقوم على: الدليل، والتثبت، والتمييز، وعدم التسرع في الحكم. وفي عصر الأخبار المضللة، ووسائل التواصل، والذكاء الاصطناعي، أصبحت هذه المبادئ القرآنية أكثر أهمية من أي وقت مضى.
وتجلى هذا المبدأ في التراث الإسلامي فيما عرف بـ “علم مصطلح الحديث ” في صورة أدوات منهجية محكمة ودقيقة جدا لفحص الأخبار والتحقق منها وما يقبل منها وما لا يقبل ، فكان علما أصيلا من إبداع المسلمين.
للمعرفة درجات متعددة
لم يستخدم القرآن مفردة واحدة للمعرفة بل مفردات متعددة ومما لا شك فيه أن تعدد المفردات له مغزى يستحق البحث فيه ومحاولة التمميز بينها مما يفتح آفاقا جديدة للنظرية المعرفية المستمدة من القرآن ، وهذا يعني من جانب آخر في القرآن أيضًا إلى أن المعرفة ليست ظاهرة ثنائية بسيطة، إما موجودة أو غير موجودة.
يتحدث القرآن و يميز بصورة متكررة بين العلم والجهل واليقين والشك والدليل والظن والبصيرة والفهم والحكمة.
فالقرآن لا يكتفي بأن يقول للإنسان: اعلم ، بل يكرر دعوته إلى استعمال العقل: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ وإلى التفكر: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ وإلى التدبر: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ﴾ وإلى النظر: ﴿انظُرُوا﴾ فهذه المفردات ليست مترادفات تمامًا؛ ويمكن أن نقرأها بوصفها إشارات إلى عمليات معرفية مختلفة تنتج درجات مختلفة من المعرفة والعلم.
فهذا يسمح لنا بتصور مسار معرفي متدرج من الأقل للأعلى ، والنقطة المهمة هنا أن الغاية النهائية ليست مجرد تراكم المعلومات، فالمعرفة ينبغي أن تنتج فهمًا، والفهم ينبغي أن ينتج بصيرة، والبصيرة الحقيقية ينبغي أن تنتج الحكمة وهي التي قد تغيّر طريقة حياة الإنسان.
القرآن يبدو وكأنه ينتقل عبر تدرّج معرفي: المعرفة ثم الفهم ثم الحكمة، بدلًا من النظر إلى المعرفة باعتبارها مجرد امتلاك لمعلومات صحيحة ، ففي رأيي هذا مبحث مهم جدا لدراسة هذه المطلحات وتكوين العلاقة المعرفية بينها وترتيبها حسب عمق المعرفة وغايتها والأثر التي تتركه في الإنسان.
محدودية المعرفة الإنسانية
على الرغم من تأكيد القرآن القوي لقدرة الإنسان على التفكير وإمكان المعرفة، وما وهب الله الإنسان من قدرات استثنائية للعلم والمعرفة فإنه يؤسس في الوقت نفسه لتواضع معرفي عميق : ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ وكذلك قوله تعالى ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾
فالإنسان الذي يعتقد أنه أحاط بالحقيقة كلها يغلق باب التعلم أما الذي يدرك حدود معرفته، فإنه يصبح أكثر استعدادًا للسؤال والحوار والمراجعة وبالتالي هذا الاعتراف بحدود المعرفة لا يؤدي إلى السلبية الفكرية أو العجز عن البحث – فالقرآن يحث الإنسان باستمرار على طلب العلم – بل على العكس، يؤسس لنمط مميز من التواضع المعرفي؛ إذ يُشجَّع الإنسان على السعي إلى مزيد من المعرفة مع إدراك أن العقل والإدراك البشريين لا يحيطان بكل جوانب الواقع، وبالتالي يفتح القرآن لإنسان آفاقا كبيرة للمعرفة تتاج لبذل المزيد من الجهد والبحث أكثر وأكثر في الطبية والحكون والحياة.
عوائق المعرفة قد تكون في الإنسان نفسه
لعل من أكثر خصائص نظرية المعرفة القرآنية تميزًا أن عوائق المعرفة ليست كلها عقلية بحتة ، فالقرآن يحدد مجموعة من الحالات النفسية والأخلاقية التي يمكن أن تعيق و تشوّه فهم الإنسان: الكِبر، الهوى، لتقليد الأعمى، الغفلة، التحيز، اتباع الظن، رفض التفكر ، ومن ثم، فإن المعرفة الحقيقية تتطلب إلى جانب القدرة العقلية انضباطًا فكريًا وأخلاقيًا .
وبالتالي، فإن المعرفة ليست مجرد عملية عقلية ، فـالحالة الأخلاقية والنفسية للعارف تؤثر في قدرته على المعرفة.
وهذه نقطة بالغة الأهمية عند مقارنتها بنظرية المعرفة الحديثة، التي ركزت في كثير من الأحيان على القضايا والأدلة والتبرير. أما القرآن فيضيف بُعدًا آخر هو شخصية العارف أو صفاته المعرفية والنفسية والأخلاقية.
من المعرفة إلى العمران
هنا نصل إلى النقطة التي يمكن أن تجعل النظرية القرآنية للمعرفة مختلفة عن مجرد نظرية في التفكير والتعلم ، فالإنسان لا يتعلم لكي يعرف ويراكم المعرفة فقط ، ولا لينتصر في الجدل . إنما المعرفة ينبغي أن تتحول في النهاية إلى عمل وإصلاح وعمران الأرض.
يقول تعالى: ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ وقد قال تعلى لملائكته في الغرض من خلق الإنسان ﴿ إني جاعل في الأرض خليفة﴾ وكان أول إثبات على قابلية الإنسان لأداء مهته الاستخلافية في الأرض هو قدرته على العلم والمعرفة ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ فتأمل هذا الرابط بين الاستخلاف في الأرض وبين العلم والمعرفة.
والمشكلة الحضارية لا تبدأ فقط عندما يتوقف الإنسان عن إنتاج التكنولوجيا أو الاقتصاد أو عموما عالم الأشياء بل قد تبدأ قبل ذلك بكثير، عندما يختل عالم الأفكار الذي يوجه الإنسان وتنهار المبادئ المؤسسة والرابطة لعالم الأفكار.فإن المعرفة قد تتحول إلى قوة بلا حكمة، والتكنولوجيا إلى أداة بلا أخلاق، والاقتصاد إلى استهلاك بلا حدود، والسياسة إلى صراع على القوة إذا تفككت العلاقة بين المعرفة من جهة وبين وغايتها وأخلاقياتها والقيم التي تحكمها من جهة أخرى. لذلك نرى أن أسس نظرية القرآن المعرفية مميزة ومتكاملة.
خلاصة القول يمكننا استنباط نظرية قرآنية للمعرفة من خلال آيات القرآن المتفرقة ، هذه النظرية لا ينبغي أن تكون محاولة لإنتاج “فلسفة إسلامية” مغلقة تنافس الفلسفات الغربية، كما أنها لا تلغي جميع الجهود الانسانية عبر التاريخ في بناء نظريات للمعرفة.
وإنما يمكن أن يُستفاد من جهد الفلاسفة وجميع المحاولات البشرية لتساعد في محاولة فهم واكتشاف المبادئ التي يقدمها القرآن وبناء نظرية للمعرفة أصيلة و مميزة مستنبطة من فهمنا لآيات القرآن ، فإن القرآن يؤسس من خلال آياته ومفاهيمه وتوجيهاته رؤية معرفية متميزة ومتكاملة، تحدد حقيقة الإنسان العارف، وطبيعة العالم القابل للمعرفة، ومصادر العلم، ومناهج التحقق، والغاية الأخلاقية والوجودية من التعلم .
ولعل السؤال الأعمق الذي يمكن أن ننطلق منه هو: إذا كان القرآن يريد أن يصنع إنسانًا يعرف ويفكر ويهتدي ويعمّر، فما نوع العقل الذي يريد القرآن بناءه؟ وما نوع المعرفة التي يجب أن يسعى إليها؟
فهذا السؤال ينقلنا من “ماذا يعلمنا القرآن؟” إلى سؤال أكثر عمقًا:
“كيف يريد القرآن أن نتعلم ونعرف ونفكر؟ ولماذا نتعلم ؟ وماذا نعمل بما نعرف وتعلم ”
وهنا تبدأ، في تقديري، رحلة بناء فلسفة قرآنية للمعرفة تنقلنا من “ تعليم الإسلام” إلى “ التعلم من خلال الإسلام”