بعد أن أرسى الخليفة أبو بكر الصديق رضي الله عنه دعائم الدولة الإسلامية، وقمع الفتنة، ووجه الجيوش لفتح آفاق الأرض في الشام والعراق؛ حانت لحظة الرحيل لمن أنقذ سفينة الإسلام في أشد أوقاتها عسفاً، ولكن لم تكن وفاته رضي الله عنه مجرد انتقال لروح طاهرة إلى بارئها، بل كانت دروساً أخلاقية وسياسية بليغة، كشفت عن معدن القيادة الراشدة في آخر لحظاتها، وعن نظرة الإسلام إلى السلطة والبيعة والشورى والمال العام، وعن معنى أن يكون الحاكم أمينًا على الأمة لا مالكًا لها.

هل سنَّ الصديق ولاية العهد؟

يقع الكثيرون في إشكالية تاريخية حين يظنون أن الصديق رضي الله عنه قد ابتدع نظام “ولاية العهد” بمعناها الشائع في أنظمة الحكم بعده، مكتفين بقراءة خطبته الأخيرة التي قال فيها: “إني استخلفت عليكم بعدي عمر بن الخطاب فاسمعوا له وأطيعوا”. وهذا فهم قاصر يجتزئ الموقف والأحداث بعده؛ فما جرى قبل هذه الخطبة يثبت أن استخلاف عمر كان تتويجاً لعملية “شورى” عميقة، وليس قراراً فردياً مفروضاً على الأمة، فقد سبقه خطوات لا بد من الوقوف عليها حتى يتضح الأمر وهي:

  • رد الأمر للأمة: فقد أورد المؤرخون كابن عساكر وغيره، أن أبا بكر قد جمع الناس أولاً وتنازل عن عهده قائلاً لهم: ” إنه قد نزل بي ما قد ترون، ولا أظنني إلا لمآبي، وقد أطلق الله أيمانكم من بيعتي، وحل عنكم عقدي، ورد عليكم أمركم؛ فأمّروا عليكم من أحببتم، فإنكم إن أمرتم في حياة مني كان أجدر أن لا تختلفوا بعدي”.
  • تفويض الأمة للخليفة: تداول الصحابة أمر الخلافة بينهم وتشاوروا، ولما خافوا من الاختلاف عادوا إلى الصديق قائلين: “رأيا يا خليفة رسول الله ، قال فلعلكم تختلفون، قالوا لا. قال فعليكم عهد الله على الرضا؟ قالوا: نعم. قال فأمهلوني أنظر لله ولدينه ولعباده”.
  • مشاورة أهل الحل والعقد: بعد أن فوضت الأمة أبا بكر ليختار لهم خليفة؛ لم يستبد رضي الله عنه برأيه؛ بل استشار كبار المهاجرين والأنصار واحداً تلو الآخر، ولما استقرت كلمتهم على الفاروق عمر رضي الله عنه؛ كتب عهده إليه بالخلافة.

فهذه الخطوات التي سار عليها الصديق في اختيار عمر خليفة من بعده؛ تبين أن خلافة عمر لم تكن انتقالًا آليًا للسلطة، وإنما مرت بمراحل: رد الأمر إلى الأمة، ثم طلب الرأي، ثم النظر في الأصلح، ثم المشاورة، ثم إعلان الاختيار، ثم البيعة؛ ولذا ينبغي التفريق في هذا المقام بين أمرين: أن يرشح الخليفة من يراه أصلح، وأن تكون له سلطة مطلقة في إلزام الأمة بمن يختاره؛ فالأول عرفته تجربة أبي بكر، أما الثاني فلا يصح أن يُستدل بهذه الحادثة عليه من غير تفصيل؛ بل كما علي الطنطاوي: “لم يكن استخلاف عمر رضي الله عنه إلا على أصح الأساليب الشورية واعدلها.

إبراء الذمة من المال العام والخاص

أبى الصديق رضي الله عنه أن يلقى الله تعالى وفي ذمته مثقال ذرة من أموال المسلمين، أو شبهة في ماله الخاص، فأما ماله الخاص فقد كان نَحَلَ ابنته عائشة رضي الله عنها أرضاً في حياته، وفي مرض موته قال لها: “إني قد كنت نحلتك حائطًا، وإن في نفسي منه شيئًا، فرديه إلى الميراث. فردته رضي الله عنها.

وأما المال العام: فقد أمر برد كل ما استفاده من أمانة الخلافة إلى بيت مال المسلمين، وكانت عبدًا يخدمه ويحمل صبيانه، وناضحًا (بعيرًا للسقي) يسقي زرعه، وبضعة دراهم متبقية. روى ابن سعد في الطبقات: “عن عائشة أنّ أبا بكر حين حضره الموت قال: إنّى لا أعلم عند أبى بكر من هذا المال شيئًا؛ غير هذه اللقحة، وغيرَ هذا الغلام الصّيْقَل، كان يعمل سيوف المسلمين ويَخْدُمنا، فإذا مِتُّ فادْفَعِيه إلى عمر، فلمّا دفعته إلى عمر قال: رحمَ الله أبا بكر لقد أتعَبَ مَنْ بَعْدَه”.

أيام المرض والوداع الأخير

تعددت الروايات حول سبب مرضه الذي مات به رضي الله عنه، فروى الذهبي في السير: عن عائشة أن بداية مرضه كانت حين اغتسل في يوم شديد البرودة، فأصابته حمى ألزمته الفراش خمسة عشر يوماً، كان يأمر خلالها عمر بن الخطاب رضي الله عنه بأن يصلي بالناس. وروى الذهبي أيضًا: “عن الزهري أن أبا بكر والحارث بن كلدة كانا يأكلان خزيرة أهديت لأبي بكر، فقال الحارث: ارفع يدك يا خليفة رسول الله، والله إن فيها لسم سنة، وأنا وأنت نموت في يوم واحد، قال: فلم يزالا عليلين حتى ماتا في يوم واحد عند انقضاء السنة” وقد صحح السيوطي سند هذه الرواية.

المثوى الطاهر

وفي مساء يوم الإثنين الموافق للثاني والعشرين من جمادى الآخرة في العام الثالث عشر للهجرة، وفي نفس العمر الذي توفي فيه حبيبه المصطفى (63 عاماً)؛ أسلم الصديق الروح لبارئها، وكانت آخر كلماته: {تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ}. وأوصى أن تغسلَه زوجتُه أسماء بنت عميس، وصلى عليه عمر بن الخطاب، ودُفن ليلاً بجوار رسول الله ، وجُعل رأسه عند كتفي النبي ، ليبقى في مماته ملازماً لمن أحبه وصدقه في حياته؛ فجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.