أهمية الطب الإسلامي في العصور الوسطى

الطب الإسلامي

اهتمَّ المفكرون المسلمون في العصور الوسطى بترجمةِ ودراسة نظريات الإغريق، والقيام باكتشافاتٍ طبيةٍ واسعة.اهتموا بصورةٍ خاصة بمجال الصحة والمرض؛ إذ كتب علماء الطب الإسلامي الكثير من الكتب الطبية، وطوّروا المفاهيم الخاصة عن الأدوية والممارسات السريرية والأمراض والعلاج والتشخيص. وفي معظم الأحيان، أُدرجت بعض النظريات الخاصة بالعلوم الطبيعية والفلك والكيمياء والدين والفلسفة والرياضيات، ضمن هذه الكتب الطبية.

يذكر جيفري تشوسر (شاعرٌ إنجليزيٌّ من أبرز شعراء العصور الوسطى) اسمَ الطبيب أبو بكر الرازي، وابن سينا، بالإضافة إلى بعض الأسماء الإسلامية الأخرىفي مجال الطب الإسلامي، في المقدّمة الخاصة بكتابه “حكايات كانتربري” ضمن الشخصيات المؤثرة.

في الحقيقة، لم يعرف أطباء أوروبا التعاليم الطبية الإغريقية -من ضمنها تعاليم أبقراط وجالينوس- إلا من خلال الترجمات العربية. وعلماء الطب الإسلامي.

العوامل التي أثّرت على الطب الإسلامي

جاء الطب الإسلامي مكمّلًا لميراث العلماء الإغريق والرومان، بما فيهم جالينوس وأبقراط وعلماء الإسكندرية الإغريق. إذ ترجم الباحثون المسلمون الأدبيات الطبية الإغريقية والرومانية إلى العربية، ثم فسّروها، وأضافوا إليها نتائجهم واستنتاجاتهم الجديدة، وبذلك ساهموا بوضع وجهات نظرٍ جديدة.

جمع العلماء المسلمون البيانات ببراعة، ورتّبوها، ولُخّصت العديد من الكتابات الإغريقية والرومانية، وجُمعت في موسوعات؛ كي يُتاح للناس فهمها ومراجعتها. لم يكن الطب منفصلًا عن الثقافة الإسلامية في العصور الوسطى، بل كان جزءًا منها.

بدأت مراكز التعليم في المساجد الكبرى والمستشفيات التي غالبًا ما كانت مُلحقةً بالمساجد في نفس المكان؛ حيث يلاحظ طلاب الطب المرضى ويتعلمون من الأطباء الأكثر خبرة.

إِبّان الدولة الأموية (من 661 : 750 ميلاديًا)، اعتقد الناس أنَّ الله يقدّم العلاج لكل الأمراض. لكن بحلول عام 900 ميلادية، بدأت العديد من المجتمعات الإسلامية بتطوير وممارسة تعاليم طبية معتمدة على مبادئ علمية. ومع زيادة الاهتمام بفهم الصحة على أسسٍ علمية، بحث الأطباء عن أسباب المرض والعلاج والأدوية المتاحة.

أنتج العالم الإسلامي خلال العصور الوسطى بعضًا من أعظم العقول الطبية وجهابذة الطب الإسلامي على مرِّ التاريخ حقّقت تقدّمًا في الجراحة وبناء المستشفيات، ورحّبت بالنساء في المجال الطبي.

الرازي..معرَّف الحمى ومكتشف علم المناعة

أبو بكر محمد الرازي (865 م – 925 م) طبيبٌ وكيميائيّ وفيلسوفٌ وباحث.أول من ميّز بين الحصبة والجدريّ، واكتشف الكيروسين الكيميائي والعديد من المركبات الأخرى. وعُيّن رئيس الأطباء في مستشفيات بغداد والري.

كمؤلف، كان غزير الإنتاج، إذ ألّف أكثر من 200 كتاب ومقالة علمية، وله كذلك إسهامات في مجال الطب التجريبي. لقب باسم (أبو طب الأطفال)؛ فقد كتب عن أمراض الأطفال، ويُعدُّ أول من ميّز طب الأطفال كمجالٍ طبيٍّ منفصل.

كان الرازي رائدًا أيضًا في طب العيون، ويُعدُّ أول من كتب عن علم المناعة والحساسية. وأول من عرَّف الحمى على أنها آلية الدفاع ضد الأمراض والعدوى، وتشير السجلات أيضًا إلى أنه هو من اكتشف الربو.

كتب أيضًا الكثير في مجال الصيدلة، وأدخل استخدامات المراهم الزئبقية.

تُنسب إليه العديد من الأجهزة، مثل: المِلوَق (ملعقة الصيدلي)، القوارير، مصحن الهاوَن والقنينات. تشير السجلات إلى أنَّ الرازي سافر في أنحاء فارس؛ ليعلّم الناس الطب، ويعالج الأغنياء والفقراء على حدٍّ سواء.

كتب الرازي عن أخلاقيات الطبيب: “إنَّ هدف الطبيب هو فعل الخير، حتى لأعدائنا قبل أصدقائنا، تمنعنا مهنتنا عن إلحاق الأذى بمن حولنا؛ لأنها أُسّست لإفادة البشر، وقد فرض الله القسم على الأطباء بألا يركّبوا أدويةً قاتلة”.

اعتقد الرازي أنَّه يمكن للمسِّ الشيطانيّ أن يسبّب الأمراض العقلية، مثلما كان شائعًا في ذلك العصر في أوروبا والشرق الأوسط.

ابن سينا..موسوعة ومرجعية كليات الطب

عُرف عنه العديد من المهارات والمهن. كتب ما يقارب 450 كتابًا ومقالة، لا يزال 240 منها موجودًا حتى اليوم، أربعون منها في مجال الطب.

لعلّ أشهر إسهاماته الطبية في العصور الوسطى هي (كتاب الشفاء) الذي يُعدُّ موسوعة علمية شاملة، وكتاب (القانون في الطب) الذي أصبح من المرجعيات الهامة في العديد من كليات الطب في جميع أنحاء العالم.

استخدمت جامعتا لوفان في بلجيكا ومونبلييه في فرنسا هذه النصوص حتى منتصف القرن السادس عشر.

القانون في الطب

أحد أكثر الكتب شهرةً وتأثيرًا في تاريخ الطب، كُتب في خمسة مجلدات باللغة العربية، وتُرجم لاحقًا إلى عدة لغاتٍ من ضمنها الإنجليزية والفرنسية والألمانية.

وضع الكتاب معايير الطب في أوروبا والشرق الأوسط، وقدّم الأساس للطب التقليدي والتداوي بالأعشاب في الهند. تدرَّس بعض مبادئ الكتاب في دورات تاريخ الطب في الولايات المتحدة، في جامعات كاليفورنيا ولوس أنجلوس وييل. يوضّح ابن سينا في جزءٍ من الكتاب، الاعتبارات التي يجب أن تؤخذ عند اختبار الأدوية الجديدة:

  • يجب أن يكون الدواء نقيًا، وخاليًا من أي شيءٍ يمكن أن يقلّل من جودته.
  • يجب على المختبِر اختبار الدواء على مرضٍ واحدٍ بسيط، وليس على حالةٍ يمكن أن تكون لها مضاعفاتٌ شتى.
  • يجب أن يُختبر الدواء على مرضين مختلفين؛ إذ يمكن في بعض الأحيان للدواء أن يعالج مرضًا واحدًا بكفاءة، ويعالج آخر بالصدفة.
  • يجب أن تتلاءم طبيعة الدواء مع حدّة المرض، على سبيل المثال، إذا كانت حرارة الدواء أقل من برودة المرض، لن ينجح الأمر.*
  • يجب على المختبِر أن يتابع العملية بعناية؛ كي لا يُخلط بين العوامل الخارجية وعمل الدواء، مثل عملية الشفاء الطبيعية.
  • يجب أن يكون تأثير الدواء واحدًا، بمعنى نفس النتيجة بعد إجراء عدة تجارب، يستبعد المختبِر بهذه الطريقة أي تأثيراتٍ جانبية.
  • يجب اختبار الدواء على البشر لا الحيوانات؛ لأنه قد لا يعمل بنفس الطريقة على كليهما.
  • وصف ابن سينا أيضًا بعض النظريات العلمية والعملية في علم النفس والأمراض العقلية.

ابن النفيس..صاحب علم التشريح

تشير المصادر الطبية إلى أنَّ أول من وصف الدورة الدموية الرئوية هو علاء الدين أبو الحسن علي بن أبي حزم القرشي، المولود في دمشق عام 1213م، والذي يُعرف الآن باسم ابن النفيس.

يعتقد المؤرخون الطبيون أنه أجرى أبحاثه على الحيوانات، لأنه قال إنه لا يحبّذ تشريح الجثث البشرية، لأنها تناقض التعاليم القرآنية، وكذلك بسبب تعاطفه مع جسم الإنسان.

اعتقد الطبيب الإغريقي جالينوس الذي عاش من 129 إلى 216م أنَّ الكبد هو مصنع تصنيع الدم الذي يدور في الجسم وتستخدمه العضلات كوقودٍ لها.اعتقد كذلك أنَّ الثقوب الموجودة في حاجز القلب تسمح بمرور الدم من جانبٍ لآخر.

لكنَّ ابن النفيس اعتقد أنَّ هذا خاطئ، وقال إنَّ الدم يجب أن يمرّ من الجانب الأيمن إلى الجانب الأيسر من القلب، لكن لا توجد في حاجز القلب ثقوب أو مسامات كما اعتقد جالينوس.

ومن خلال تجاربه في التشريح، لاحظ ابن النفيس أنَّه يجب أن يكون هناك نظامٌ من الشرايين التي تحمل الدم. واعتقد أنَّ هذه الشرايين هي التي تحمل الدم من التجويف الأيمن للقلب إلى الرئتين حيث يمتزج بالهواء، قبل أن يعود إلى التجويف الأيسر.

ابن الهيثم، الأشعث والبغدادي

اعتقد الأطباء الإغريق أنَّ هناك روحًا بصرية في العين هي التي تتيح الرؤية. لكنَّ ابن الهيثم، العالم العراقي الذي عاش من 965 إلى 1040م، أوضح أنَّ العين هي أداةٌ بصرية، وشرح وصفًا تفصيليًا لتشريح العين.

وطوّر فيما بعد نظرياتٍ عن كيفية تكوين الصور، وحتى القرن السابع عشر، ظل علماء أوروبا يرجعون إلى كتابه (المناظر).

وصف أحمد بن أبي الأشعث عملية تمدّد وانكماش المعدة، وذلك بعد تجاربه على الأُسود الحية.

اعتقد جالينوس أنَّ الفك السفلي يتكوّن من جزأين، لكن موفق الدين عبد اللطيف البغدادي الطبيب العراقي والمؤلف والمؤرخ وعالم المصريات والرحالة الذي عاش من 1162 إلى 1231م، لاحظ نتيجةً لمراقبته رفات أكثر من 2000 شخصٍ ماتوا جوعًا في مصر، أنَّ الفك السفلي يتكوّن من عظمةٍ واحدةٍ فقط.

الأدوية والعلاج

مثلما كان الحال عند الإغريق والرومان والمصريين القدماء، اعتمد العلماء المسلمون في العصور الوسطى على الأدوية النباتية.

الألم والتخدير

طبقًا لدراسةٍ نُشرت مؤخرًا في عام 2016، استخدم الأطباء المسلمون العديد من الأدوية للتخدير، وكان الرازي أول من استخدم أدويةً استنشاقيةً للتخدير.

بعض النباتات والأدوية المستخدمة لتخفيف الألم والتخدير: الشوكران، اليبروح، البنج، الخشخاش المنوّم، المغد الأسود. كانت هذه الأدوية تُؤكل أو تُشرب أو تُستنشق أو توضع على المكان المحدد، استخدم بعض الأطباء أيضًا الثلج لتخفيف الألم.

استخدم الأطباء نبتة الخشخاش، التي تحتوي بذورها على الكودايين والمورفين، لتخفيف:

  • ألم العيون
  • ألم المرارة
  • الحمى
  • ألم الأسنان
  • التهاب الجنبة/ ذات الجنب
  • الصداع
  • بعض الأعشاب الطبية الأخرى

خليطٌ من بذور الشبت، زهرة البابونج، إكليل الملك، أوراق الخبيزة، بذور الكتان، الكرنب، جذور الشمندر، تُغلى معًا وتُضاف إلى حوض الاستحمام، كمسكّنٍ للأشخاص المصابين بالسرطان.

الثوم: في العديد من العلاجات، من بينها المشاكل البولية.

العرعر وإبر الصنوبر: في الاستحمام، للتقليل من حساسية الجلد.

التوابل: لما لها من خصائص مطهرة ومضادة للالتهابات.

القرفة: لعلاج الجروح والأورام والقرح.

القنب والأفيون: استُخدما لأغراض علاجية فقط، لما لهما من تأثيرات قوية.

هناك أدلةٌ على أنَّ بعض الناس ماتوا نتيجةً لاستخدام جرعات زائدة، ربما نتيجة للنسيان أو لسوء الممارسة الطبية.

الجراحة

أجرى الأطباء المسلمون عملياتٍ جراحية أكثر من الرومان والإغريق، وطوروا أدوات وتقنيات جديدة. في القرن العاشر، اخترع عمار بن علي الموصلي المقدحَ الأجوف لشفط ساد العين (الماء الأبيض/ إعتام عدسة العين).

اخترع أبو القاسم الزهراوي -الذي كان جراحًا بارزًا عاش في الأندلس- العديد من الأدوات، منها: الملقط، الكماشة، المشارط، المنظار.

واستخدم القُصَّابة أيضًا في خياطة الجروح.

أنواع الجراحات

بالإضافة إلى إعتام عدسة العين، أجرى الأطباء جراحات العيون لعلاج التراخوما (الرمد الحبيبي). كان الكيّ من التقنيات الشائعة لديهم، وذلك بحرق الجلد لمنع العدوى ووقف النزيف.

يسخن الجراح قضيبًا معدنيًا ثم يضعه على الجرح، ليتجلّط الدم ويساعد في الشفاء. من ضمن التقنيات الشائعة أيضًا، تقنية الفصد (إخراج الدم من الجسم عن طريق شقٍّ في وريدٍ رئيسيّ) وذلك لاستعادة التوازن بين السوائل الأربعة طبقًا للنظرية الإغريقية²؛ وهي النظرية التي شكّلت أساس الكثير من الممارسات الطبية من العصر الإغريقي حتى القرن السابع عشر.

عُرفت عنهم أيضًا ممارسة الحجامة، بوضع كوبٍ زجاجيٍّ ساخن على جرحٍ في الجلد، لسحب الدم من الوريد.

المستشفيات

بالإضافة إلى المستشفيات، كانت هناك المستشفيات التعليمية، حيث يمكن للطلبة تعلم كيفية علاج المرضى. كانت المستشفيات المشهورة في القاهرة وبغداد وحران (مدينة تركية). أطلق على المستشفيات اسم (البيمارستان) وهي كلمةٌ فارسية تعني دار المرضى.

لكن وفقًا لمركز أوكسفورد للدراسات الإسلامية على الإنترنت، يشير المصطلح بشكلٍ خاص إلى مَرافق الصحة العقلية. كانت المستشفيات تقدّم خدماتٍ كثيرة، ولم يكن الناس مضطرين للدفع دائمًا.

الطبيبات

كانت ممارسة بعض النساء للمهن الطبية من الظواهر الشائعة في العصور الإسلامية الوسطى. تلقّت بعض النساء من عائلات الأطباء المشهورين تدريبًا طبيًا مميزًا، ومن المرجح أنهن عالجن الذكور والإناث على حدٍّ سواء.

كان من الممكن أن تُقدِم أخرياتٌ على الرعاية الصحية دون تدريبٍ رسميّ، كأحد أفراد العائلة أو أحد الجيران. تتمثل إحدى مزايا تمكين المرأة من حيث تقديم الرعاية الصحية في قدرتها على فهم المشاكل الصحية النسائية.

يفضّل أيضًا الآباء والأوصياء الذكور أن تكون الطبيبة هي المسؤولة عن علاج النساء، وإن كان ذلك لا يمنع الأطباء الذكور في بعض الحالات.

بينما كانت أوروبا تعيش في العصور المظلمة، كان العلماء والأطباء المسلمون يكملون ما تركه الرومان والإغريق، وأضافوا اكتشافاتهم الخاصة التي لا يزال تأثيرها مستمرًا حتى اليوم.

من بين الإنجازات العديدة للطب الإسلامي في العصور الوسطى، تحسينُ فهم وظائف الجسم وبناء المستشفيات ومشاركة الطبيبات في المهنة.

الخيمياء: هو علم الكيمياء القديمة، غالبًا ما كان مرتبطًا بعلم الفيزياء والفلك والرموز والمعادن والطب والفلسفة.

بينما الكيمياء هي العلم كما نعرفه اليوم.

السوائل الأربعة عند الإغريق هي: الدم والبلغم والعصارة الصفراوية والسائل الأسود، إذا كانت هذه السوائل الأربعة في توازن يكون الإنسان في صحةٍ جيدة.

“وأمّا مقدار المرض فإنَّ من تكون مثلًا حرارته العرضية شديدة، فيحتاج أن تُطفأ بدواء أشد برودة، والذي تكون برودته العرضية شديدة، فيحتاج إلى أن يسخنه أشد تسخينًا، وإذا لم يكونا قويين اكتفينا بدواءٍ أقل قوة”.

المصدر : www.medicalnewstoday.com

المواد المنشورة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي إسلام أون لاين

أحدث المقالات