المرحوم الشيخ أديب الخالدي هو مفتي جنين وخطيب المسجد الكبير (مسجد فاطمة خاتون) منذ بداية العشرينات وحتى وفاته عام 1952. وهو من خريجي الأزهر في أوائل القرن العشرين. كان عالما فذا ومناضلا قويا مدافعا عن الحق، خاصة في مدينة جنين الفلسطينية التي كان مفتيها طيلة 37 سنة، حتى أن المساجد عند موته يقال أنها أذنت في غير موعد الصلاة لموت عالم من علمائها.

يقول المؤرخ نقولا زيادة عن الشيخ أديب الخالدي أنه “كان شخصية معروفة على مستوى الوطن ذو علم وذو فكاهة وسرعة بديهة منقطعة النظير”. ومما أورده الشاعر الراحل برهان الدين العبوشي عن الشيخ أديب الخالدي أنه “الشاعر الأديب الذكي الشيخ محمد أديب الخالدي رحمه الله”.

من هو الشيخ أديب ناصر الخالدي؟

ولد الشيخ أديب ناصر مصطفى الخالدي في مدينة جنين عام 1889 وتوفي عام 1952 شغل منصب الإفتاء في مدينة جنين من عام 1915 حتى 1952 .

ولد في قرية “عرابة” قضاء جنين عام 1883 وتتلمذ على يدي والده الشيخ ناصر مصطفى الخالدي (1853-1922) في الكتاب الذي تم تعيينه عام 1909 مدرساً ومرشداً في مسجد فاطمة خاتون (مسجد جنين الكبير) في جنين إثر المضبطة التي رفعها وجهاء ومشايخ وعلماء جنين والموقعة بتاريخ 13/12/1909 بإمضاء خيرة رجال الدين والفقه والتشريع في مصر وبلاد الشام والموقعة.

هذه المضبطة أو العريضة موجودة في سجلات المحكمة الشرعية في جنين إلى نظارة الأوقاف العثمانية في إسطنبول، يسترحمون من قائم مقام جنين، تعيين الشيخ ناصر بن الشيخ مصطفى الخالدي المخزومي العرابي العالم بالأحكام النقلية والنوعية، إماما وخطيبا للمدينة، والتي جاء فيها:

“نحن وجوه قصبة جنين، يلزم لنا مرشد رشيد في أمور ديننا، يعلمنا الأحكام الدينية وغيرها، وحيث موجود الآن عندنا فضيلة الشيخ ناصر الخالدي المخزومي العرابي من أجل العلماء المدرسين، فإننا نسترحم تعيينه مدرسا في القصبة المذكورة، وبذلك تنالوا منا الدعوات في جامعها الكبير”.

ومن هنا يظهر الأثر الذي تركه والد الشيخ أديب الخالدي في تنشأته وتربيته كون الشيخ ناصر درس في الجامع الازهر، وحاز على درجة “الأستاذية” العالية في العلوم الشرعية فهذا جعل أيضاً الشيخ أديب بعد إنتهائه من نهل العلم من والده أن يتوجه إلى القاهرة، حيث درس في الجامع الأزهر، وتخرج منه حاصلاً على الإجازة في العلوم الدينية والفقهية، ثم عاد إلى فلسطين ليشغل بعدها بفترة منصب مفتي أول لمدينة جنين.

37 عاما مفتيا لجنين

تم تعيين الشيخ أديب الخالدي، مفتياً لمدينة جنين عام 1915 الموافق 28 ذي الحجة 1333 هجري، وذلك عقب الشيخ راغب محمد خليل عزوقة، حيث أجريت مسابقة للتنافس على منصب مفتي جنين، وقد تنافس على هذا المنصب كلا من:

1-الشيخ محمود عبد الغني ياسين اللبدي.

2-الشيخ حسن بن محمود عبد الكريم عزوقة إمام الجامع الصغير.

3-الشيخ أديب بن ناصر بن مصطفى الناصر الخالدي (أبو ناصر)، وقد فاز بالمسابقة وعُيّن بموجب البراءة السلطانية رقم (33) في عهد السطان محمد رشاد خان الخامس.

بقي الشيخ أديب الخالدي في منصبه 37 عام، مفتيا لمدينة جنين منذ عام 1915 وحتى وفاته عن عمر يناهز الثالثة والستين سنة 1952 وقد سبقه للمنصب الشيخ راغب عزوقة ولحقه في المنصب الشيخ توفيق جرار.

حياته والمؤتمرات التي شارك فيها

لعب الشيخ أديب الخالدي دورا سياسا ودينيا بارزا فلقد شهد ثلاث حقبات تاريخية مختلفة: العثمانية والبريطانية والأردنية، حيث مثّل مدينة جنين في العديد من المؤتمرات الوطنية واللجان التي كان لها دور في القضية الفلسطينية. فقد كان الشيخ أديب الخالدي أحد ممثلي جنين في المؤتمر العربي الفلسطيني السابع ( 1928)، وفي المؤتمر الإسلامي للدفاع عن المسجد الأقصى والأماكن الإسلامية المقدسة ( 1928م ) ، وفي مؤتمر علماء فلسطين الأول ( 1935م ) ، وكان من مؤسِّـسي الحزب العربي الفلسطيني ( 1935م ) ، وفي مؤتمر اللجان القومية ( 1936م ) وكان من ممثلي مدينة جنين في مؤتمر اللجان القومية الذي عقده ممثلون من جميع المدن الفلسطينية لتنسيق العمل ضدَّ الاحتلال البريطاني في بيت المقدس في 7/5/1936م. وكان من العلماء الذين عرفتهم سجون المحتلين الإنجليز أثناء ثورة عام 1936م .

كان الشيخ أديب الخالدي من الرائدين في الدفاع والذوذ عن حرمة مسجد جنين الكبير عام 1938، بعيد مقتل حاكم جنين البريطاني موفيت، حيث اعترض على الجنود البريطان بالدخول إلى المسجد لتفتيشه. كما كان أحد الشخصيات اللذين ساعدوا في تهدئة الأمور في جنين عقب استشهاد الشيخ عز الدين القسام، حيث كان جثمان الشهيد عز الدين القسام في جنين قبل نقله إلى حيفا.

وهو أحد ممثلي جنين في مؤتمر بلودان المنعقد بتاريخ 08/09/1937 في بلودان بسوريا من أجلل الذي رفض قرار تقسيم فلسطين والكثير من القرارات المتعلقة بالقضية الفلسطينية.

من دعاباته وطرائفه

ألّف الشيخ أديب الخالدي عددا من الكتب الدينية، لكنها ضاعت مع الأيام، ولم يتبق منها إلا كتاب واحد بعنوان “مذكرات في علم الإرث“، وكان الشيخ أديب شخصية معروفة على مستوى الوطن ذو علم وذو فكاهة منقطعة النظير ومما يروى عنه قوله:

إذا كنت يوماً مفلسا        فلا تزر نابلسا

واحذر طريقاً للقهرِ        جنوب جامع النصرِ

تجد به كنافةْ                في غاية النظافةْ

صانعها أباظةْ                وآكلها نياظةْ

سمعتها تنادي               الجُبْنُ في فؤادي

وفوق وجهي الفستقْ      وقيْمقُ وبندقْ

ومما قاله بعد انتصار الجيش العراقي في معركة جنين عام 1948 “لولا نوح كنا بدنا نروح” (ونوح هو قائد الجيش العراقي في هذه المعركة)، “ولولا الجيش لكنا تحت الخيش”.

و من نوادره أن الحاكم البريطاني الكابتن هيو فوت قد استدعى الشيخ أديب الخالدي لمقر الحكم العسكري قي نابلس بعد أن وشى به الواشون واتُهم بالتحريض ضد الإنجليز، فعندما صعد على المنبر في خطبة الجمعة ليرد على ما تناقله الناس من تكهنات وتقولات: “أنا أعلم أن هذا الزمن هو زمن السكوت، وكسر النبوت، والتزام البيوت وإطاعة أوامر المستر فوت”.

ومن نوادره أيضاً أنه سُئل بعد النكبة وضياع ثلاثة أرباع فلسطين: ما رأيك بحل القضية الفلسطينية يا سيدنا الشيخ.؟ أجاب بسخريته اللاذعة المعهودة: “حل القضية بتسليم البقية”.

وفاته

توفي الشيخ أديب خالدي يوم الإثنين 17/11/1952 عن عمر يناهز الثالثة والستين، حيث دفن في المقبرة الغربية في مدينة جنين، ويذكر عند موته أن المساجد أذنت في غير موعد الصلاة لموت عالم من علمائها.