الأوقاف الإسلامية وأثرها على النهضة العلمية في عصر المماليك .. تطبيقات الوقف العلمي في التاريخ الإسلامي

امتد عصر المماليك بين عامي ٦٤٨ – ٩٢٣هـ = ١٢٥٠-١٥١٧م منذ انقضاء عهد الأيوبيين إلى مجيء العثمانيين الأتراك. وتكمن أهمية ذلك العصر في أن المماليك أسسوا فيه دولة مترامية الأطراف شملت مصر وبلاد الشام وغيرهما، وامتد حكمهم أكثر من قرنين ونصف من الزمن، تخلَّل هذه الفترة مراحل من التضحيات للدفاع عن الدين والأرض ضد الأخطار التي هدَّدت المنطقة من جانب الصليبيين والمغول والغرب الأوربي أحياناً، وأحرزوا باسم الإسلام انتصارات باهرة، وما زالت أسماء مواقع عين جالوت، ومرج الصفّر، والمنصورة، وفارسكور، وأنطاكية، وطرابلس، وعكا، حية في التاريخ تشهد لهم بالبطولة والشجاعة والفداء.

والعصر المملوكي هو العصر الذي أضحت فيه مصر وبلاد الشام مركزاً للتجارة العالمية والطريق الرئيسي لتجارة الشرق، وبوابة العبور إلى أوربا، الأمر الذي يجعلنا نفسر، في ضوء ذلك، تلك الثروة الواسعة التي تمتع بها المماليك، وذلك الثراء الضخم وما نتج عنه من ازدهار النشاطات الدينية والفكرية، جراء ازدهار الوقف كما سنرى.

ومارس المماليك نشاطاً دينياً وعلمياً خصباً صحب انتقال الخلافة الإسلامية من بغداد إلى القاهرة، وظهر أثره في مصر وبلاد الشام، من خلال إحياء شعائر الدين، وإقامة المنشآت الدينية والعلمية، والرغبة الجامحة في الإقبال على التعليم والتأليف والكتابة.

وإن من أعظم إيجابيات علماء ذلك العصر أنهم أعادوا وبزمن قياسي جمع ما خسرناه من التراث والفكر الإسلامي الذي تعرض للنهب والإحراق والإغراق والإتلاف على يد المغول، وتابعوا فوق ذلك مسيرة التأليف والإبداع، فكوّنوا نهضة كبرى توجت حلقات تطور الحضارة الإسلامية.

أولاً ـ الأوقاف وأثرها في ازدهار الحياة العلمية

وكان للأوقاف في عصر المماليك أثرٌ عظيم في استمرار الحياة العلمية وانتعاشها وسيرها في الطريق الصحيح، ولعل السر الأكبر الكامن وراء النهضة الفكرية يعود إليها حيث كانت المورد الأول لكل المؤسسات والفعاليات العلمية.

وعندما قامت الدولة الأيوبية أصبح للوقف غاية جديدة، إذ عمل الأيوبيون على استغلال نظام الوقف ومتحصلاته لتدعيم حكمهم السياسي من ناحية، ومن أجل الجهاد الديني ضد الصليبيين من ناحية أخرى، وكانت واردات معظم أوقافهم تنفق على المدارس، وبيوت الصوفية، وفك أسرى المسلمين من أيدي الفرنج. وتدل المصادر التاريخية على كثرة الأوقاف التي أوقفها السلطان صلاح الدين وبقية أفراد أسرته [1].

وسارت دولة المماليك على المنهج نفسه، سيما وأنها خرجت من رحم الدولة الأيوبية، ولكنها تميزت عنها بكثرة الأوقاف الملفتة على المؤسسات والنشاطات الدينية والعلمية كما سنرى.

فلقد عرفت الأوقاف في عصر المماليك ثلاثة أنواع؛ النوع الأول منها: يُعرف بالأحباس [2]، ويترأسها دوادار السلطان، وتتألف من ديوان فيه عدة كتّاب ومدبر، ويشتمل هذا النوع على أراض من أعمال مصر خصصت للقيام بمصالح المساجد والزوايا ونحوها من جهات البر.

ويُعرف النوع الثاني بالأوقاف الحكمية بمصر والقاهرة، ويترأسها قاضي القضاة الشافعي، ويقال لمن يلي هذا النوع ناظر الأوقاف، ويشتمل على الأوقاف المحبوسة على الحرمين، وعلى الصدقات والأسرى وأنواع القرب.

ويعرف النوع الثالث بالأوقاف الأهلية، ولها ناظر خاص؛ وهو من أولاد الواقف، أو من ولاة السلطان، أو القاضي. ويشتمل هذا النوع على أراضٍ من أعمال مصر والشام وبلاد أخرى مقررة، وهي موقوفة لصالح الخوانق والمدارس والجوامع والترب [3].

وقد خُصص النوعان الأول والثالث من الأوقاف لبناء المؤسسات العلمية والدينية، ولذلك نالت هذه الأماكن حصة الأسد من الأوقاف. ومن ناحية ثانية كان للأوقاف عامة أثرها الاقتصادي المؤثر في شتى مجالات حياة الدولة، فمن عائداتها أُنفق على المؤسسات التعليمية ودور الثقافة والمشافي والمصحات [4].

ولأهمية الوقف، وكي يؤتي فوائده المرجوة عُين له موظف سُمي «ناظر الوقف»؛ وهو المسؤول عن المباشرة في توظيف الوقف بحسب الجهة المخصص لها. وينقل لنا القلقشندي (ت ٨٢١هـ = ١٤١٨م) نسخة توقيع لناظر أوقاف مصر والقاهرة، ونتبين من خلالها وظيفة الناظر وأهمية الوقف على المؤسسات التعليمية؛ تقول النسخة: «ولما كان فلان هو الذي لا يتدنس عرضه بشائبة، ولا تمسه المصالح وهي عن فكره غائبة… فليباشر هذه الوظيفة مباشرة حسنة التأثير، جميلة التثمير… ولينظر في هذه الأوقاف على اختلافها من ربوع ومبانٍ ومساكن… وحانات مسبلة وحوانيت مكملة ومسقفات معمورة وساحات مأجورة غير مهجورة… وليتبع شروط الواقفين ولا يعدل عنها… ويندرج في هذه الأوقاف ما على المساجد ومواطن الذكر، فليقم شعارها، وليحفظ آثارها، وليرفع منارها» [5].

وترتبط بهذه الوظيفة وظيفة أخرى هي وظيفة نظر الأحباس؛ وهي: «وظيفة عالية المقدار، وموضوعها أن صاحبها يتحدث في رزق الجوامع والمساجد والأربطة والزوايا والمدارس من الأرضين المفردة لذلك… وما هو من ذلك على سبيل البر والصدقة لأناس معينين»، وتتبع هذه الوظيفة لديوان الأحباس أو ديوان الأوقاف وهو يشبه وزارة الأوقاف في عصرنا [6].

فريع الأوقاف هو المصدر المالي الأساسي لغالبية المؤسسات العلمية في العصر المملوكي، ويفهم من هذا أن الحركة العلمية الواسعة التي شهدها ذلك العصر، وبسبب الإقبال على إنشاء المدارس واستمرار التعليم فيه، إنما هي في الحقيقة من نتائج ازدهار الأوقاف وانتشارها في العصر المملوكي [7].

وتؤكد المصادر التاريخية العلاقة التي لا تنفصم بين المساجد والمدارس والأوقاف؛ فلقد كان للأوقاف الفضل الأول في احتفاظ المساجد الكبرى بشهرتها العلمية من ناحية، واستمرارها مراكز للحركة العلمية من ناحية ثانية [8]. فمن الملاحظ أنه لم يُبنَ مسجد إلا وقد قُرر له وقفه الذي سيُصرف منه عليه، وعلى القائمين ببنائه والعمل به من الأئمة والخدام والمؤذنين والمدرسين ونحو ذلك [9].

ومن الشواهد التي توضح أهمية الوقف وأثره الإيجابي في استمرار الحياة العلمية في المسجد، ما حدث في شهور (عام ٦٨٧هـ = ١٢٨٨م) مع قاضي القضاة حين اشتكى للسلطان المنصور قلاوون سوء أحوال جامع عمرو بن العاص والجامع الأزهر، وعلل ذلك بأن «الأحباس على أسوأ الأحوال» [10].

وتدين الحركة العلمية في زوايا جامع عمرو بن العاص في استمرارها إلى الأوقاف؛ حيث كان لكل زاوية وقف يُصرف منه على مشاغلها [11].

وإذا ما انتقلنا إلى المدارس الرسمية فإننا سنجد الحال نفسها؛ وذلك لأنه على الرغم من كثرة أعداد المدارس آنذاك إلا أنه لم يكن هناك سياسة تعليمية للدولة أو للسلاطين، وإنما كانت الدوافع الدينية والسياسية السبب في إنشاء المدارس، وهذا ما أعطى الأوقاف أهمية خاصة بالنسبة للتعليم، فالأوقاف هي التي ثبتت أركان المدرسة ودعمت نظامها، ومكنتها من أداء رسالتها، وكان الريع الذي تقدمه الأعيان الموقوفة على المدرسة شهرياً أو سنوياً نقداً أو عيناً هو الضمان لاستمرار العمل بالمدرسة، حيث تدفع منه مرتبات موظفي المدرسة والطلبة بحسب شرط الواقف كما سنرى [12].

فلقد توزعت الأوقاف على مدارس ذلك العصر الكثيرة وكان ذلك سبب توجه المدرسين إليها، وإقبال طلبة العلم عليها [13]. وفي حين أدى انقطاع الوقف إلى توقف أنشطة بعض المدارس وإغلاقها، يقول المقريزي (ت ٨٤٥هـ = ١٤٤١م) عن المدرسة الجمالية: «وقد تلاشى أمر هذه المدرسة لسوء ولاة أمرها وتخريبهم أوقافها، وتعطل منها حضور الدرس» [14].

وجرت العادة أن يعين المدرسين والطلبة وفقاً للأوقاف [15]، فكان هناك ثلاث مدارس مملوكية، هي المدرسة الخروبية ومدرسة أينال ومدرسة المحلي، لم تقم لها قائمة لانقطاع الأوقاف عنها، فخلت من المدرسين والطلبة [16].

ومن أجل ذلك كله أدرك مشيدو المدارس أهمية الوقف، ودوره في استمرار عمل المدرسة، فصاروا يرتبونه ويحضرونه قبل البدء بإنشائها، فقد قيل إن المدرسة الظاهرية «لم يُشرع في بنائها حتى رتب أمور أوقافها» [17].

وينطبق حال الأوقاف في المساجد والمدارس على مدارس الصوفية: الخوانق والزوايا والربط، فكان أثر الأوقاف فيها كبيراً، وحصتها منه وفيرة [18]، وثمة حادثتان تؤكدان أثر الأوقاف في هذه المدارس، فعندما قبض السلطان الناصر محمد بن قلاوون على بيبرس الجاشنكير وقتله، أمر بإغلاق الخانقاه التي كان قد بناها، و «أخذ سائر ما كان موقوفاً عليها… وأقامت نحو عشرين عاماً معطلة، ثم أمر بفتحها في أول عام ست وعشرين وسبعمئة، ففتحت وأعاد إليها ما كان موقوفاً عليها» [19].

وتخص الحادثة الثانية خانقاه الجيبغا المظفري التي بقي النشاط التعليمي قائماً فيها إلى أن «أخرج الأمير برقوق أوقافها فتعطلت» [20].

ثانياً – نماذج عن المؤسسات العلمية في عصر المماليك وعلاقتها بالأوقاف

  • الجامع الأزهر: كان للجامع الأزهر (في عصر المماليك) نصيبه المقدر من أوقاف مصر لتغطية مصاريفه على أبنيته وفقهائه وطلابه والفقراء الواردين إليه، فأوقفت الكثير من أراضي مصر لخدمته [21]، وأوقف الأمير عز الدين آيدمر الحلي أوقافاً كثيرة لتأمين مصارفه، وكذلك فعل الأمير سعد الدين بشير الجامدار الناصري [22]. وكان لأرباب الأموال سهم في تقديم المعونات لهذا الجامع، فقد كانوا يقصدونه بأنواع البر من تقديم للأموال والذهب والفضة أنواع الأطعمة والخبز والحلويات [23].
  • دار القرآن الخيضرية: في دمشق، أنشأها قاضي القضاة محمد الخيضري سنة ٧٨٧هـ = ١٤٨٢م، وأوقف عليها أوقافاً كثيرة دارة [24].
  • دار القرآن الصابونية: في دمشق، أنشأها أحمد بن علم الدين الصابوني، فرغ من بنائها سنة ٨٦٨هـ = ١٤٦٣م، وقد شرط الواقف فيها قراءة البخاري كل ثلاثة أشهر، وإقراء القرآن الكريم، وبنى اتجاهها مكتباً موقوفاً لأيتام عشرة مع شيخ يقرئهم القرآن العظيم، ويُصرف على كل ذلك من الوقف، وكان ذو جهات كثيرة، قرى في بيروت، وقرى في غوطة دمشق، وقرى في بعلبك، وأخرى في حوران، وقرى وبساتين أخرى في مناطق متفرقة [25].
  • الخانقاه اليونسية: أنشأها في دمشق الأمير الكبير الشرفي يونس دوادار الظاهر برقوق سنة ٨٧٤هـ = ١٤٦٩م، ووقف عليها الدكاكين التي خارج باب الفرج، ودرَّس فيها أفاضل العلماء [26].
  • الزاوية السيوفية بدمشق : أنشأها عيسى بن شاه أرمن الرومي (ت ٧١٠هـ = ١٣١٠م)، أوقف عليها قريتي عين الفيجة ودير مقرن بوادي بردى [27].

بيوت دمشقية في عصر المماليك أوقفت مدارس للعلم

وبرزت في دمشق في عصر المماليك ظاهرة ملفتة، تدل على الجو العام الذي كانت تعيشه هذه المدينة في ذلك العصر، وهو ازدهار الوقف العلمي ومساهمة الجميع في ذلك، إذ نقف في المصادر التاريخية على ميزة لأهل هذه المدينة ربما لم تتوافر عند غيرهم، وهي وقف بيوتهم بعد تمامهم مدارس علمية، وسأكتفي هنا بثلاثة أمثلة توضح ذلك [28].

وأبدأ بدار الحديث البهائية؛ وقد كانت داراً للشيخ المسند بهاء الدين أبو محمد القاسم (ت ٧٢٣هـ = ١٣٢٣م)، فوقفها آخر عمره داراً للحديث النبوي الشريف، ودرَّس فيها أفاضل العلماء، وتخرج منها طلبة علم كثيرون بفضل هذا الوقف [29].

والمدرسة القواسية؛ كانت داراً للأمير عز الدين إبراهيم بن عبد الرحمن بن القواس، أوصى أن تُجعل مدرسة لما حضرته الوفاة (ت ٧٣٣هـ = ١٣٣٢م)، ووقف عليها أوقافاً دارة، وأصبحت منارة علم في دمشق [30].

ودار الحديث السامرية؛ كانت داراً للشيخ أحمد بن علي البغدادي السامري (توفي ٦٩٦هـ = ١٢٩٦م) في دمشق، فوقفها دار حديث وخانقاه، وعُقدت فيها دروس العلم [31].

البيمارستان المنصوري: ولم تخرج البيمارستانات (مدارس الطب في ذلك العصر) عن دائرة أثر الأوقاف الإيجابي، فها هو البيمارستان المنصوري قد ضُمِّن وقفه بكتاب أُرخ في يوم الثلاثاء ثالث عشر صفر عام ٦٨٠هـ = ١٢٨١م، وجاء فيه: «فبلغ مصروف الشراب (الدواء) منه في كل يوم خمسمائة رطل سوى السكر، ورتب فيه عدة ما بين أمين ومباشر، وجُعِلَ مباشر للإدارة، وهم الذين يضبطون ما يشترى من الأصناف، وما يحضر منها إلى المارستان، ومباشرون لاستخراج مال الوقف، ومباشرون في المطبخ، ومباشرون في عمارة الأوقاف تتعلق به» [32].

لقد بُني البيمارستان المنصوري – الذي يُعد من أشهر بيمارستانات مصر عبر التاريخ – في العصر المملوكي، فذاع صيته واشتهر، وهو الأنموذج المثالي للبيمارستانات آنذاك. بنى هذا البيمارستان السلطان المنصور قلاوون الألفي، وذلك في القاهرة بين القصرين [33]، فابتدأ بتشييده في ربيع الأول عام ٦٨٢هـ = ١٢٨٣م، وقد قال ابن بطوطة (ت ٧٧٧هـ = ١٣٧٥م) فيه: «وأما المارستان الذي بين القصرين عند تربة الملك المنصور قلاوون فيعجز الواصف عن محاسنه، وقد أُعد فيه من المرافق والأدوية مالا يُحصى، ويذكر أن مجباه ألف دينار كل يوم» [34]. وقال عنه ابن أبي حجلة (ت ٧٧٦هـ = ١٣٧٤م): «هو من حسنات الزمان، وتحتاج إليه الملوك، ويفتقر إليه الغني والصعلوك، فهو عون الفقير وجبر الكسير» [35].

جُعل البيمارستان المنصوري لتقديم الرعاية الصحية لمختلف فئات الشعب، فلم تُقيد خدماته بفئات معينة، بل أفاد منه الرجال والنساء والأغنياء والفقراء، والكبير والصغير، والجندي والأمير والوزير، وأهل القاهرة ومصر وضواحيها، والمقيمون والوافدون، واستُقبل فيه المرضى أياً كانت أمراضهم [36].

وتؤكد هذه الرعاية وثيقة الوقف التي أصدرها الملك المنصور قلاوون عام ٦٨٤هـ = ١٢٨٥م بتقليد مدرس في هذا البيمارستان، فذكر فيها: «وأبحنا التداوي فيه لكل شريف ومشروف، ومأمور وأمير، وساوينا في الانتفاع به بين كل صغير وكبير، وعلمنا أن لا نظير لنا في ملكنا، ولا نظير له في إبقائه، فلم نجعل لوقفه وشرطه من نظير» [37].

ولم تحدد مدة الإقامة في هذا البيمارستان، ولم تقتصر الرعاية الصحية فيه على المترددين والمقيمين، وإنما شملت أيضاً الفقراء في بيوتهم، فقدمت لهم الرعاية المناسبة، وصُرف لهم ولغيرهم ما يحتاجونه من الأدوية والأغذية والأشربة [38].

وانقسم أطباء البيمارستان إلى ثلاث فئات: الطبائعيون: وهم أطباء الأمراض الباطنية. الجرائحيون: وهم من يقومون بالعمليات الجراحية. الكحالون: وهم المختصون بمعالجة أمراض العيون [39].

وكانت مهمة هؤلاء الأطباء الإشراف على المرضى مجتمعين أو متناوبين، فتُحدد مواعيد دوامهم بدقة، يداوم الأطباء الكحالون صباح كل يوم كي لا يأتي مريض للعلاج ويُرد، ونجد تعاوناً بين هؤلاء الأطباء في مختلف فروع الطب، فمن الضروري مثلاً أن يراجع الطبيب الكحال الطبيب الطبائعي للنظر في علاج المريض الذي قد يعود مرض عينه إلى أسباب باطنية، وكان على الأطباء الدوام في البيمارستان ليلاً مجتمعين أو متناوبين [40].

وفيما يتعلق بالأمراض المعالجة، فإن البيمارستان مستشفى عام لعلاج جميع الأمراض، وكان مقسماً إلى قسمين؛ أحدهما للذكور، والآخر للإناث، وقد قُسِّم كل قسم من هذين القسمين إلى القاعات التالية: قاعة الأمراض الباطنية، وقاعة الجراحة، وقاعة أمراض العيون، وقاعة التجبير، وقُسمت قاعة الأمراض الباطنية إلى عدة أقسام صغيرة، فمنها قسم للمصابين بالحمى (المحمومين)، وقسم للممرورين (وهم مرضى الجنون)، وقسم للمبرودين (أي المتخومين)، وقسم لمن به إسهال [41].

ووُجد في البيمارستان ما يشبه الصيدلية وتحضير الأدوية، فأُفرد فيه مكان لطبخ الأدوية والأشربة، ومكان لتركيب المعاجين والأكحال والمراهم، ومكان تُفرق فيه الأدوية والأشربة [42].

وكان أيضاً ما يماثل وظيفة الصيدلاني والممرض، فقد رُتب فيه (من خلال الوقف) رجلان اشترط فيهما الأمانة والديانة، مهمة الأول منهما حفظ الأدوية والعقاقير وصرفها بحسب أوامر الأطباء، ويسلمها للرجل الثاني المسؤول عن توزيعها على المرضى، والتحقق من أن كل مريض قد تناول الدواء الموصوف له، ومن مهماته توصيل الطعام للمرضى كلٌ حسب ما وصف له [43].

وأما أهم صفة لهذا البيمارستان فهي أنه كان جامعة لتدريس الطب، فأشبه بذلك كبار المستشفيات في عصرنا من حيث إلحاق كليات الطب بها، فتوافرت فيه الدراسة العملية للطب، وممارسته على يد الأساتذة، فجعل فيه شيخٌ للاشتغال بالطب [44]، وخُصص فيه مكانٌ يجلس عليه رئيس الأطباء لإلقاء محاضراته في الطب [45]، وكان السلطان المملوكي يصدر بنفسه مراسيم تعيين المدرسين في البيمارستان [46]، ومن هذه المراسيم الدالة على تعليم الطب فيه مرسوم ذكر فيه: «وليجمع عنده شمل الطلبة، وليعط كل طالب ما طلبه… وليشرح لهم صدره، وليبذل لهم من عمره شطره، وليكشف لهم من هذا العلم المكنون سره… وليجعل منهم جماعة طبائعية وطائفة كحالين وجرائحية وقوماً مجبرين… وآخرين بأسماء الحشائش وقوى الأدوية وأوصافها عالمين… وليفرد لكل علم من علوم الطب طائفة، ولكل فن من فنونه جماعة لمحاسنه عارفة» [47]. وورد في بعض المراسيم: «ونصبنا لذلك من العلماء والحكماء من اخترناه ورضيناه لما اختبرناه… وكانت قد سبقت له في هذا المنصب أحسن مباشرة» [48].

ويُفهم من هذه المراسيم أنَّ البيمارستان كان جامعة كبرى لتخريج الأطباء في مختلف فروع الطب، وكذلك لتخريج الصيادلة. وصدور مرسوم تعيين مدرِّس البيمارستان من السلطان مباشرة تفرضه أهمية مهنة الطب، ولهذا كانت تصدر للأطباء وصايا يُلزمون بالتقيد بها والعمل بمقتضاها، فمما يُذكر في وصية الطبيب الطبائعي: «وليتجنب الدواء ما أمكنه المعالجة بالغذاء. وإذا اضطر إلى وصف دواء صالح للعلة نظر إلى ما فيه من المنافاة وإن قلت، وتحيل لإصلاحه بوصف مصلح مع الاحتراز في وصف المقادير والكميات والكيفيات في الاستعمال والأوقات، وما يتقدم ذلك الدواء وما يتأخر عنه، ولا يأمر باستعمال دواء ولا ما يستغرب من غذاء»، ويُذكر في وصية الطبيب الكحال: «وها أنت قد أفردت بتسليم أشرف الحواس الخمس والجوارح التي لولاها لم تعرف حقيقة ما يدرك بالسمع والذوق والشم واللمس، وهي العين التي تغري بالعين… وارفق بها فإنها من طبقات منها الزجاجية ومنها شبيه بالزجاجية، ولا يقدم عليها بمداواة حتى يعرف حقيقة المرض» [49]، ويُذكر في وصية الطبيب الجراح: «واجبر كل كسر وشد كل أسر… ودارِ باللطف… واعمل على حفظ الأعصاب وشد الأعضاء حتى يمكن معالجة المصاب… وليحذر قطع الشريان» [50].

ووُجهت الوصايا للصيدلانيين أيضاً، كي يحفظوا الأدوية ويراقبوها، فيذكر فيها: «ولينعم النظر في أمور الأشربة والعقاقير والأدوية، فلينظر في مجموعاتها ومفرداتها وبسائطها ومركباتها مما جرت العادة باختبارها، وليتقدم بالاحتراز فيها، وأن لا يُباع منها إلا مالا شك في جودته واختياره» [51].

وتعكس هذه الوصايا المبالغة المطلوبة بالاهتمام بالرعاية الصحية في مهن تتطلب الانتباه الشديد لتعلقها بأرواح البشر وأجسادهم، وتعكس عمل الدولة الدؤوب على توجيه هذه المهن التوجيه الصحيح والسليم بما يضمن التقليل من الأخطاء فيها.

ولم تقتصر أهمية الأوقاف في دراسة الطب على البيمارستانات، بل جاوزتها إلى المدارس والمساجد والخوانق، فدُرِّس هذا العلم في المدرسة المهذبية [52]، والمدرسة المنصورية [53]، ومسجد أحمد بن طولون [54]، وخانقاه سرياقوس التي ذُكر أن فيها «خزانة بها السكر والأدوية والأشربة، وبها الطبائعي والجرائحي والكحال» [55].

ثالثاً- المكتبات والوقف

توافرت في عصر دولة المماليك عوامل عديدة أدت إلى ازدهار المكتبات، وجل هذه العوامل ارتبط بعملية الوقف؛ كبذل السلاطين والأمراء، وحب العلماء وحب العلم والمعرفة، وسعي طلبة العلم لاقتناء الكتب بنسخها أو استعارتها من المكتبات الموقوفة أو بشرائها، وظهر عامل جديد ومهم كان له الأثر الكبير في نمو المكتبة الإسلامية في ذلك العصر؛ وهو التوجه نحو الاعتناء بالكتب فنياً من حيث النسخ والتجليد والتذهيب والحفظ، وانتشار الأسواق المختصة بتجارتها.

ولا يغيب عنا اهتمام الأيوبيين [56] بإنشاء المكتبات الكثيرة والمتنوعة، التي ورثتها دولة المماليك، فكان لذلك أثرٌ في إثراء المكتبة في ذلك العصر. وقد يغيب عن بعض الناس الأهمية الكبيرة للمكتبة المملوكية التي لا تقدر بثمن، فهي المكتبة التي حفظت العلم والتراث العربي الإسلامي من الفقدان والضياع بعد أن أحرق التتار الكتب وأغرقوها عند اجتياحهم بغداد.

لذلك تحتوي مكتبات العالم الكبرى اليوم الآلاف من المخطوطات المملوكية، التي لا يضاهيها عدد من عصر آخر، وتفوق بغنى مضمونه مضمون كتب أي عصر من العصور.

وفي ذلك العصر حظي الكتاب – مصدر المعرفة – بالمنزلة الراقية والمنزلة العظيمة في قلوب أهل العلم بمختلف مشاربهم وميولهم الفكرية، فنال كثيراً من الاهتمام والعناية، فلم تقتصر العناية به على إنشاء المكتبات العامة، بل سعى الكثير إلى إنشاء مكتبات كبيرة في منازلهم.

فتعددت أنواع المكتبات الموقوفة في عصر المماليك، فوُجدت المكتبات الملحقة بالمساجد، والمكتبات الملحقة بالمدارس، والمكتبات الشخصية الخاصة، واشتملت هذه المكتبات على عدد كبير من الكتب في شتى أنواع العلوم والمعارف، ووضعت تحت تصرف طلبة العلم كوقف يطلعون على ما فيها وينهلون منها، وارتبطت بنظام خاص تعلق بقائمة الوقف يحفظها ويصونها وينظم الاطلاع على محتوياتها وتداولها.

فكان في قلعة الجبل خزانة كتب ضمت كتباً كثيرة في الفقه والحديث والتاريخ وعامة العلوم، ولكن أصابها في عام ٦٩١هـ = ١٢٩١م حريقٌ، فضاعت كتبها بين أيدي الناس ما بين نهب وشراء بأبخس الأثمان [57].

وأُلحقت المكتبات الموقوفة بالكثير من المساجد، فألحقت مكتبة بالجامع الخطيري [58]، وأخرى بجامع قوص [59]، وثالثة في جامع الحاكمي [60].

واقترنت المكتبة بالمدرسة في عصر المماليك؛ لذلك يندر أن نجد مدرسة ليس فيها مكتبة موقوفة عليها، فقد كان في المدارس مكتبات تحتوي مادة علمية يطلع عليها الطلاب، ويستكملون بها تعلمهم، وكان في المدرسة الفاضلية «جملة عظيمة من الكتب في سائر العلوم يُقال إنها كانت مئة ألف مجلد» [61]. ورُتب بالمدرسة والقبة المنصورية خزانة كتب تحوي الكثير من أنواع العلوم والفنون [62]، وأُلحقت مكتبات أخرى بكل من المدرسة الناصرية [63]، والمدرسة الحجازية [64]، وغير هذه المدارس [65].

واحتوت هذه المكتبات كتباً من مختلف أنواع العلوم والمعارف والفنون، فقد اشتملت مكتبة المدرسة الظاهرية مثلاً على أمهات الكتب في سائر العلوم، ومثلها مكتبة المدرسة الفاضلية [66]، وكان في مكتبة المدرسة والقبة المنصورية كتب الختمات الشريفة وكتب التفسير والحديث والفقه واللغة والطب والأدبيات ودواوين الشعر [67].

وسارت أمور هذه المكتبات وفق نظام محدد تبعاً لشروط الواقف، لكونها تمثل جزءاً مهماً من الأداة التعليمية على مدى العصرين الأيوبي والمملوكي [68]، فكانت خزانة الكتب تُقسم إلى رفوف مقطعة بحواجز، وعلى كل حاجز باب مقفل بمفصلات وقفل، وكان فيها إطارات كبيرة وصغيرة مصنوعة من الخشب، واحتوت كل خزانة مجموعة من الكتب لُصق عليها ورقة مترجمة ملصقة على كل باب منها، وكانت المصاحف الكبيرة توضع في خزانة خاصة جانب المحراب في المدرسة، وأُثبتت الكتب في سجل على هيئة كتاب يتضمن قوائم الكتب مرتبة بعناية بحسب الموضوعات أو أسماء المؤلفين [69].

وكان يشرف على المكتبة موظف خاص يُسمى «خازن الكتب» [70]، وحدد تاج الدين السبكي مهمته تبعاً لشروط الواقف بقوله: «وحق عليه الاحتفاظ بها، وترميم شعثها، وحبكها عند احتياجها للحبك، والضنة بها على من ليس من أهلها، وبذلها للمحتاج إليها، وأن يقدم في العارية الفقراء الذين يصعب عليهم تحصيل الكتب على الأغنياء، وكثيراً ما يشترط الواقف ألا يخرج الكتاب إلا برهن يحرز قيمته… فليس للخازن أن يعير إلا برهن» [71].

وحدد الواقفون نظام الاطلاع والاستعارة بدقة تامة بغية الحفاظ على الكتب من الضياع: فمن الواقفين من منع الاطلاع على الكتب لمن عُرف بتفريطه بها. واشترط بعضهم الآخر كتابة اسم المستعير على أن يُمحى بعد الإعادة زيادة في الحرص. وحرم بعض الواقفين خروج الكتب من المكتبة نهائياً [72]. وفي حال سُمح بإخراج الكتاب من المدرسة، فكثيراً ما كان يشترط الواقف ألا يتم ذلك إلا برهن كما مر قبل قليل [73]. والأولى في الإعارة أن تكون للمحتاجين إلى الكتب والعارفين لقيمتها [74]. وحُدد موعد فتح المكتبة في الأوقات المتوافقة مع الدروس المخصصة [75]. ونص بعض الواقفين على ضرورة عزل خازن الكتب إذا بدا منه أي تقصير [76].

وكثرت إلى جانب مكتبات المساجد والمدارس المكتبات الخاصة؛ وهي المكتبات الشخصية المنزلية المملوكة من قبل الأفراد، وقد ساهم هذا النوع من المكتبات في الحركة الفكرية، لغنى هذه المكتبات بالكتب الكثيرة التي جعلها أصحابهما وقفاً أو ميراثاً للمدارس وللأصدقاء في أغلب الحالات، ويعد إنشاء المكتبات الخاصة هذه سمة من سمات الشخصية المرموقة اجتماعياً آنذاك. ومن تلك المكتبات مكتبة إبراهيم بن عبد الرحيم بن محمد بن سعد الله بن جماعة (ت ٧٩٠هـ = ١٣٨٨م)، حيث «اقتنى من الكتب النفيسة بخطوط مصنفيها وغيرهم ما لم يتهيأ لغيره» [77]، ومكتبة شافع بن علي بن عباس بن إسماعيل العسقلاني المصري (ت ٧٣٠هـ = ١٣٢٩م) الذي كان «جمّاعة للكتب… خلَّف ثماني عشرة خزانة كتب» [78]. وعُرف من أمراء المماليك من تولع بجمع الكتب، كالأمير أرغون الدوادار (ت ٧٣١هـ = ١٣٣٠م) نائب السلطنة المصرية، حيث «كانت له عناية عظيمة بالكتب، جمع منها جمعاً ما جمعه أحد من أبناء جنسه، وكان الناس قد علموا رغبته في الكتب فهرعوا إليه بها» [79]. وقد وقف الطبيب المشهور ابن النفيس (ت ٦٨٧هـ = ١٢٨٨م) كتبه على البيمارستان المنصوري [80]. كما وقف الفقيه النحوي يحيى بن عبد الوهاب بن عبد الرحيم الدمنهوري (ت ٧٢١هـ = ١٣٢١م) كتبه عند موته على جامع الظاهر بيبرس [81].

رابعاً – الأوقاف وأثرها الكبير والمهم على نظام التعليم وتنظيماته الإدارية والمالية

كانت الأوقاف في عصر المماليك فعالة إلى درجة كبيرة، ويحق لنا أن نقول وبكل ثقة أنها كانت الشريان الرئيس لكل النشاطات العلمية، فلم تكن المورد المالي للمؤسسة التعليمية كما رأينا فحسب، بل كانت أكثر من ذلك، إذ إن كتاب الوقف كان اللائحة الأساسية للمؤسسة التعليمية التي تضم نظام المدرسة والأسس التربوية للتعليم والشروط التي ينبغي أن يتصف بها القائمون بالتدريس والموظفون، ومواعيد الدراسة، وسكن المدارس، والمرتبات، وغير ذلك من التنظيمات الإدارية والمالية كما سنفصل [82].

١ـ الوقف و النظام الداخلي للمدرسة

انقسمت المدارس في عصر المماليك إلى قسمين من حيث نوعية التعليم: المدارس الابتدائية؛ وتشمل المساجد ومكاتب التعليم، وفيها يتلقى الطلبة العلوم الابتدائية الأولية. والمدارس العليا التي تشبه الجامعات في عصرنا، وتتمثل بالمدارس الكبرى التخصصية، وأما المواد العلمية المدرسة في كل من هذين القسمين، فقد تخصصت كل مدرسة بتدريس علم أو عدة علوم.

وارتبط نظام المدرسة بعدد من الوظائف المهمة، التي تولاها موظفون اختلفت مهامهم بحسب العمل الموكل إليهم، وجميعهم كانوا مسؤولين عن الحفاظ على المدرسة، وتنظيم فعالياتها وأنشطتها، والحفاظ على نظافتها ورونقها، وتسيير شؤون الطلبة فيها، ومراقبة أحوالهم، وكل ذلك حسب لائحة الوقف.

وتأتي على رأس هذه الوظائف؛ وظيفة النظر، وهي من أهم الوظائف التي ترتبط بالمؤسسة التعليمية، ويُسمى صاحبها بالناظر، وهو: من ينظر في الأموال وينفذ تصرفاتها وترفع إليه حساباتها لينظر فيها، فيمضي ما يمضي ويرد ما يرد، والناظر مأخوذ إما من النظر الذي هو رأي العين، فهي بمعنى الرعاية والإدارة، وإما من النظر الذي بمعنى التفكير فيما فيه المصلحة من ذلك، ويختلف النظر باختلاف ما يضاف إليه كناظر الجيش وناظر المال وناظر الجامع [83]. فالفالناظر إذاً مسؤول مباشر عن مالية المؤسسة التعليمية، ويفسر أهمية هذه الوظيفة تولي السلطان المنصور قلاوون نظر البيمارستان المنصوري بنفسه، ثم جعله لأولاده من بعده [84]، وكذلك تولى الأمير علم الدين سنجر الجاولي النظر على جامع ابن طولون [85]، وتولى قاضي قضاة مصر النظر على المدرسة والقبة المنصورية، وجعله من بعده للأرشد فالأرشد من أولاده وأولادهم وذريتهم [86].

ويخبرنا القلقشندي عن مرسوم صادر عن السلطان الناصر محمد بن قلاوون بتقليد القاضي جلال الدين القزويني (ت ٧٣٩هـ = ١٣٣٨م) قاضي قضاة الشافعية بالديار المصرية وظيفة النظر على الجامع الناصري والمدرسة والقبة الناصرية، وبدراسة ذلك المرسوم نستطيع استخلاص النقاط المهمة التالية عن وظيفة النظر: حسن اختيار صاحب هذه الوظيفة؛ فلابد أن يكون ناظراً عالماً موثوق الأخلاق، وهذه الصفات توافرت في القزويني، فهو «حجة الإسلام والمسلمين، قدوة العلماء العاملين في العالمين… خطيب الخطباء، إمام البلغاء، لسان المتكلمين… ونحن لهذه المزايا نرد إلى نظره الكريم ما أهمنا من عمارة مسجد وجامع، ونقلده من أوقافنا ما يخلفنا فيه خيراً، فإن الأوقاف ودائع، فلذلك رسم بالأمر الشريف العالي المولوي السلطاني الملكي الناصري… أن يفوض إليه نظر الجامع الناصري… وأوقافه… والنظر إلى التربة والمدرسة الأشرفين وأوقافهما» [87]. ويُظهر التقليد أهمية وظيفة النظر في تسيير أحوال المؤسسة التعليمية واستمرار عملها «فإن من بنى حق عليه أن يشيد، ومن أراد أن سنته الحسنى تبقى فليتخذ معيناً على ما يريد… وأي إشادة أقوى من التأسيس على التقوى، أو معين أجل من حاكم استخلصناه لنا ولإخواننا المسلمين… أو أحسن مراقبة من حبر يعبد الله كأنه يراه» [88]. ومن مهمات الناظر الإشراف على المؤسسة التعليمية بكل أساسياتها، من عماراتها وأوقافها والنشاط القائم بها، والاعتناء والمحافظة عليها [89]. ويُظهر الخبر التالي أن من مسؤوليات ناظر الوقف أيضاً اختيار المُدرس الكفء، فعندما عين ناظرُ الوقفِ الشيخَ أحمد بن محمد العسجدي (ت ٧٥٨هـ = ١٣٥٦م) مدرساً للحديث في المدرسة المنصورية، اعترض الطلاب على ذلك، وقالوا له: «وليت علينا من لا يصلح، ونحن لا نريد إلا من ننتفع بعلمه» [90].

ومن الوظائف المتعلقة بالمدارس وظيفة البواب، ومهمته تنظيم الداخلين إلى المدرسة والخارجين منها، فيمنع دخول من ليس له ارتباط بها [91]، ومن الأمثلة على ذلك بواب خانقاه ركن الدين بيبرس، وقيل: «لا يمكن بوابها غير أهلها من العبور إليها والصلاة بها لما لها في النفوس من المهابة، ويمنع الناس من دخولها حتى الفقهاء و الأجناد» [92]. وجلس في المدرسة الحجازية عدة طواشية لا يمكنون أحداً من عبور القبة إلا القرّاء، وفي وقت قراءتهم فقط [93]. وعرفت المدارس وظيفة نقيب الطلبة، ومهمته مراقبة أحوال الطلاب والاهتمام بشؤونهم، وحددت وظيفته (كما في لائحة الوقف) بأن «يرتب الحاضرين ومن يدخل عليهم على قدر منازلهم، ويوقظ النائم، ويشير إلى من ترك ما ينبغي فعله، أو فعل ما ينبغي تركه، ويأمر بسماع الدروس والإنصات لها» [94]. كما وُجد في مدارس ذلك العصر وظيفة تشبه وظيفة الموجه أو مراقب الدوام في عصرنا، وسُمي صاحبها كاتب الغيبة، واقتصرت مهمته على تسجيل أسماء الطلاب الغائبين عن دروسهم، والسؤال عن أسباب هذا الغياب، وسماع أعذارهم في ذلك، وضبط أسماء الحضور، والتأكد من سماعهم للدرس [95].

وحُدد كذلك مواعيد الدراسة ونظام العطل، واختُلف في ذلك بين المرحلتين الابتدائية والعليا، وقد حرص الواقفون على تحديد مواعيد الدراسة في المرحلة الابتدائية بدقة، حيث توجب على المؤدب أن يجلس بالمكتب في كل يوم من الأيام خلا يوم الجمعة وأيام المواسم والأعياد، ويمكث لتعليم الأطفال من أول النهار إلى وقت العصر سوى يوم الثلاثاء والخميس حيث يمكث فيهما إلى وقت الظهر [96]. ورأى بعض الفقهاء أن من الأفضل أن يُجعل لطلاب المرحلة الابتدائية يومان في الجمعة كاستراحة لهم، وانصرافهم عن المدرسة قبل العيد بيوم أو يومين أو ثلاثة وكذلك بعده، ويعلل ذلك بأن «أنهم إذا استراحوا يومين في الجمعة نشطوا لباقيها» [97]. وتختلف مواعيد الدراسة ونظام العطلات في المرحلة العالية عن مرحلة التعليم الابتدائية، على الرغم من أن اليوم المدرسي موحد في المرحلتين تقريباً، وهو يمتد من طلوع الشمس إلى أذان العصر، ويخير المدرس هنا في الوقت المناسب بحسب ظروف اليوم الدراسي على أن تقتصر مدة الدراسة الفعلية فيه على ما يقرب من ثلاث ساعات، وتختلف مدة العطلات من مدرسة إلى أخرى، فكان في بعضها شهر شعبان و شهر رمضان وعشراً من شوال وعشر ذي الحجة وأيام الأعياد والتشريق ويوم تاسوعاء وعاشوراء من كل عام، وزادت العطلة في بعض المدارس لتشمل شهر رجب وشهر شعبان وشهر رمضان وعشرين يوماً من شوال وخمسة عشر يوماً من أول ذي الحجة [98].

وأما أعداد الطلاب فقد حددت في بعض الأحيان في كتاب الوقف، وتركت من دون تحديد في أحيان أخرى، مع تحديد عدد المدرسين، واختُلف عدد الطلاب من مدرسة إلى أخرى، ففي مدرسة السلطان حسن بلغ عدد طلبة كل مذهب من المذاهب الأربعة مئة طالب بين مقيم بالمدرسة ومتردد عليها، وحدد عدد طلاب مدرسة الأمير صرغتمش بستين طالباً [99]. ورُتب في القبة المنصورية مدرس ومعيدان وثلاثون طالباً [100]، وجُعل في المدرسة المجدية الخليلية مدرس شافعي ومعيدان وعشرون طالباً، وفي المدرسة الصالحية أربعة مدرسين عند كل مدرس معيدان وعدة طلبة، وجُعل في المدرسة الناصرية معيدان وعدة طلبة [101]. وأما المدرسين، فقد تصدى العلماء للتدريس في عدة مدارس [102]، وهنا يتدخل الوقف كذلك؛ إذ وردت بعض الفتاوى التي تشترط التدريس في مكان واحد، ومنها فتوى المفتي محمد بن أحمد بن عثمان بن إبراهيم بن عدلان الكناني المصري (توفي ٧٤٩هـ = ١٣٤٨م) مدرّس الفقه بالمدرسة الناصرية، فقد أفتى «في واقف وقف مدرسة على الفقهاء ومدرِّس ومعيد وجماعة عينهم، قال: ومن شروط المذكورين ألاّ يشتغلوا بمدرسة أخرى غير هذه المدرسة، ولا يكون لواحد منهم تعلق بمدرسة أخرى»، ووافقه على ذلك شيخ الحنفية في ذلك الوقت [103].

٢ـ المساكن الدراسية

زاد الاهتمام بالمدارس بتوفير مساكن للطلبة ملحقة بها، تساعد الطلبة على التفرغ لدراساتهم، ولاسيما القادمين من مناطق بعيدة، وبنيت هذه المساكن «لتكون معينة على تحصيل العلم والتفرغ له، والتجرد عن الشواغل في أوطان الأهل والأقارب» [104]، وبذلك يكون ذلك العصر قد عرف ما نسميه اليوم المدن الجامعية. ويبدأ دور الوقف هنا من البداية، فكما يقول ابن جماعة؛ إن على واقف المدارس والسكن فيها أن يكون ورعاً بعيداً عن البدع، ويغلب ظنه أن هذا الوقف من المال الحلال [105]، ثم على واقف سكن المدارس الالتزام بإسكان الطلاب المرتبين لسكن هذه المدرسة أو تلك، فلا يسكن غيرهم، فإن فعل كان «عاصياً ظالماً بذلك، وإن لم يحصر الواقف ذلك فلا بأس إذا كان الساكن أهلاً لها» [106].

وقد تمتعت المساكن الدراسية بخدمات راقية تدل على رقي خدمات الأوقاف، فقد ذُكر عن المدرسة الصاحبية البهائية أنها كانت «من أجل مدارس الدنيا، وأعظم مدرسة بمصر، يتنافس الناس من طلبة العلم في النزول بها، ويتشاحنون للسكن في بيوتها حتى يصير البيت الواحد من بيوتها يسكن فيه الاثنان من طلبة العلم والثلاثة» [107]. وكذلك المدرسة الظاهرية حيث كان «للناس في سكناها رغبة عظيمة ويتنافسون فيها تنافساً يرتفعون فيه إلى الحكام» [108]. وجُعلت المساكن الدراسية في المدرسة الناصرية وقفاً للمدرسين والمعيدين والفقهاء والمتفقهين والمشتغلين بها ولطلاب المذاهب الأربعة، وللمؤدبين والإمام والقومة والبواب [109]. وغير ذلك من المساكن [110] التي لم تقتصر على الطلبة، إذ تشير الأخبار إلى أن عالم الفقه والنحو علي بن عبد الله بن أبي الحسن الإردبيلي (ت ٧٤٦هـ = ١٣٤٥م) كان يسكن بسكن المدرسة الحسامية (الطرنطائية) مدرسة الأمير حسام الدين طرنطاي [111]. وكذلك سكن قاضي القاهرة أحمد بن إبراهيم بن عبد الغني الحنفي السروجي (ت ٧١٠هـ = ١٣١٠م) في سكن المدرسة الصالحية، وذُكر عنه أنه لما أُخرج من سكنها ازداد ألمه وضعف ومات [112]. وعُرف عن الطبيب المشهور ابن النفيس ما يفيد أنه صنف تصانيفه الشهيرة في أثناء إقامته في المدرسة المنصورية [113].

وكُلِّف المدرسون المقيمون في سكن المدارس بمهمات وواجبات، يلخصها لنا ابن جماعة (ت ٧٣٣هـ = ١٣٣٢م) بقوله: «وينبغي للمدرس الساكن بالمدرسة ألاّ يكثر البروز والخروج من غير حاجة، فإن كثرة ذلك يسقط حرمته من العيون، ويواظب على الصلاة في الجماعة فيها ليقتدي به أهلها ويتعودوا ذلك» [114]. وكان السكن المدرسي مؤلفاً من عدة طوابق سفلية وعلوية [115]، وخُصصت الطوابق العلوية لأصحاب المقدرة على صعودها، والطوابق السفلية لغير القادرين على صعودها، ولأصحاب الفتيا ليسهل على الناس قصدهم [116]. وكان السكن المدرسي يسير على نظام معين حسب لائحة الوقف؛ يتألف من شروط السكن وأنظمته، وقد خصص ابن جماعة لذلك باباً بعنوان: «في آداب سكنى المدارس» [117]، فمن ذلك أن يتعرف الطالب على شروط المدرسة قبل أن يقيم فيها ليؤدي حقوقها [118]، وأن يكون ساكنو بيوت المدارس متحابين متوادين بإفشاء السلام وإظهار المودة والاحتـرام [119]. ويتوجب على ساكني الطوابق العلوية الترفق بمشيتهم كيلا يؤذوا ساكني الطوابق السفلية، وفي حال التقاء اثنين في أعلى درج السكن يبدأ أصغرهما بالنزول، وإن اجتمعا في أسفل الدرج تأخر أصغرهما ليصعد أكبرهما قبله [120]، ومن تلك الأنظمة أيضاً «ألا يتخذ باب المدرسة مجلساً… وأن لا ينظر في بيت أحد في مروره من شقوق الباب ونحوه… ولا يرفع صوته جداً في تكرار أو نداء أحد أو بحث كيلا يشوش على غيره، بل يخفضه ما أمكن، ويتحفظ من وقع القبقاب، والعنف في إغلاق الباب… وإن كانت المدرسة مكشوفة إلى الطريق السالك من باب أو شباك تحفظ فيها عن التجرد عن الثياب» [121].

٣ـ المرتبات

خُصص للمدرسين وللطلبة مبالغ مالية أجريت عليهم شهرياً، بالإضافة إلى المعونات العينية، وكل ذلك كان من الأوقاف، وكان لذلك الأثر الواضح في استمرار نشاط المدرسة، وقد تبين لنا في بداية هذا البحث أثر الأوقاف في الحياة العلمية وأوردنا أخباراً عن إغلاق عدد من المدارس بسبب انقطاع معونات المدرسين والطلبة عنها، وقد بين ابن خلدون (توفي ٨٠٨هـ = ١٤٠٥م) ضرورة المعونات عندما قال عن سلاطين المماليك وأقرانهم: «ويقفون الأراضي الغلة للإنفاق منها على طلبة العلم و متدربي الفقراء… فكثرت لذلك المدارس والخوانق بمدينة القاهرة، وأصبحت معاشاً للفقراء من الفقهاء والصوفية» [122].

وقد اختلفت المرتبات ما بين مدرسة وأخرى على حسب كتاب الوقف؛ ففي مدرسة الظاهر بيبرس كان يعطى لكل مدرس مئة وخمسون درهماً في الشهر، ولكل معيد أربعون درهماً، وللفقهاء أعلاهم عشرون درهماً وأدناهم عشرة دراهم، ولكل مقرئ خمسة وعشرون درهماً، وللبواب عشرون درهماً [123]. ورُتب في القبة المنصورية لمدرس التفسير مئة وثلاث وثلاثون درهماً وثلث درهم في كل شهر، وللمعيد أربعون درهماً، وللطلبة وعدتهم ثلاثون نفراً في كل شهر ثلاثمئة درهم، وكذلك لمدرس الحديث ومعيده وطلبته، ورُتب لخازن الكتب أربعون درهماً [124]. وصُرف في المدرسة الناصرية في كل شهر ألف درهم للمدرسين والمعيدين والنقيب، خصص منها للمدرس مئتي درهم، وللمعيدين والطلبة بحسب ما يراه الناظر [125]. وقُرر لمدرِّس المذهب الحنفي في المدرسة السيوفية أحد عشر ديناراً في كل شهر، وتُرك له أن يصرف لطلبته ما يراه مناسباً من ريع الوقف، وجُعل لكل مدرِّس في مدرسة جمال الدين الأستاذدار ثلاثمئة درهم في كل شهر، ولكل طالب ثلاثون درهماً في كل يوم [126]. وكان الناصر محمد بن قلاوون يحمل إلى شيخ خانقاه سرياقوس سبعة آلاف درهم في كل شهر، للشيخ منها ألفان، والباقي للفقراء [127]. ودار القرآن الدلامية في دمشق، أنشأها أحمد بن دلامة البصري سنة ٨٤٧هـ = ١٤٤٣م، وجعل لها أوقافاً، ويُصرف من هذه الأوقاف (كما في كتاب الوقف) كالتالي: إمام وله مائة درهم، قيم وله مثل ذلك، ستة أنفار من الفقراء والغرباء المهاجرين في قراءة القرآن، لكل منهم ثلاثون درهماً في كل شهر، شيخ لإقراء القرآن وله مائة وعشرون درهماً، ستة أيتام لكل منهم عشرة دراهم في كل شهر، شيخ يقرأ البخاري كل ثلاثة أشهر وله مائة وعشرون درهماً، ناظر له ستون درهماً في الشهر، وغير ذلك [128]. والمدرسة الفارسية في دمشق أوقفها للعلم سنة ٨٠٨هـ = ١٤٠٥م الأمير سيف الدين فارس الدوادار، وأوقف عليها حوانيت إلى جانبها، وجعل فيها تدريس المذاهب الأربعة، وجعل فيها لكل شيخ ثمانين درهماً، وللطلبة كل شهر خمساً وأربعين درهماً، وللمقرئين لكل منهم خمسة عشر درهماً [129]. وكانت المعونات العينية متنوعة، ففي المدرسة الحجازية كان يُصرف في كل عام لأصحاب الوظائف في العيدين الفطر والأضحى الكعك واللحم والطعام المطبوخ وغير ذلك، وكان يوزع السكر في المدرسة الناصرية على الطلبة والقراء وسائر أرباب الوظائف في كل شهر، ولحوم الأضاحي في كل عام [130]، وأُعطي كل مدرس في مدرسة بيبرس رطلي خبز وكل معيد وإمام رطل واحد في كل شهر [131]، وكان يُفرق على نزلاء خانقاه ركن الدين بيبرس في كل يوم اللحم والطعام والحلوى وثلاثة أرغفة خبز [132].

خامساً – عوامل ونتائج ازدهار الوقف في عصر المماليك:

١ – عوامل ازدهار الوقف

لقد اتضح الأثر الأبرز للمماليك في الحياة العلمية بتصديهم لبناء العمائر الدينية والعلمية، التي أقيمت فيها الفعاليات الدينية والعلمية، ودرَّس فيها العلماء، وتخرج بها العلماء الأعيان الذين كان لهم الدور الفعَّال في النهضة الفكرية، فأشاد المماليك المساجد والمدارس والربط والخوانق والزوايا والبيمارستانات والمكتبات، ووقفوا عليها الأوقاف الكثيرة لضمان استمراريتها كما رأينا. وسأحاول هنا أن أختصر (كي لا أُطيل) بعض عوامل ازدهار الوقف في ذلك العصر، وأبدأ بأهم هذه العوامل؛ العامل الاقتصادي: فلقد كان اقتصاد دولة المماليك متيناً ومزدهراً، لاهتمام السلاطين بالزراعة والصناعة، وكذلك التجارة التي احتلت المكان الأول في الحياة الاقتصادية، ونتج عن هذا الازدهار الاقتصادي ثراء الدولة، وامتلاك المماليك لثروات طائلة، فكان إذا توفي أحد السلاطين أو الأمراء خلَّف وراءه تركات هائلة، فانعكس ثراء الدولة على الأعمال العمرانية، واستطاعت أن تنفق من ذلك على بناء المؤسسات الدينية والعلمية والمدنية، وأن توقف الأوقاف عليها لضمان استمراريتها، كما عملت الدولة على الإنفاق بسخاء على هذه المؤسسات، مما جعلها تؤدي الدور المطلوب منها وأن تصل إلى الهدف المقصود [133].

وهذه النهضة أبهرت أنظار الرحالة الأوربيين في العصور الوسطى، يقول جاستون فييت: «يمكننا أن نتخيل بسهولة مدى الدهشة التي تتملك رحالة العصور الوسطى من الأوربيين حين يقفون على قمة جبل المقطم، فقد ذكروا أنه كان منظراً من أجمل مناظر الدنيا، وقد زاد في روعته عدد لا يحصى من القباب والمآذن التي أضفت نوعاً من التغيير الجميل على المدينة التي تتشابه سقوفها المسطحة» [134]. ويظهر كذلك دور العامل الديني الهام جلياً في ازدهار الأوقاف، حيث ذُكر عن الأمير علاء الدين طيبرس أنه بعد أن استكمل بناء مدرسته الطيبرسية «أحضر إليه مباشروه حساب مصروفها، فلما قُدِّم إليه استدعى بطشت فيه ماء وغسل أوراق الحساب بأسرها من غير أن يقف على شيء منها، وقال: شيء خرجنا عنه الله تعالى لا نحاسب عليه» [135]. فلعل السبب الديني لم يغب عن شادي العمائر في العصر المملوكي، ولاسيما السلاطين والأمراء، الذين تقربوا إلى الله عز وجل، وطلبوا الأجر والثواب، ولاسيما أنَّ الله عز وجل يقول: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ) [136]. وأن الرسول يقول: «من أحب الله عز وجل فليحبني، ومن أحبني فليحب أصحابي، ومن أحب أصحابي فليحب القرآن، ومن أحب القرآن فليحب المساجد، فإنها أفنية الله أبنيته، أذن الله في رفعها» [137].

وقد قال الرحالة العبدري في حق سلاطين دولة المماليك: «ولكن ملوكهم أهل دين وعقائد سليمة وشفقة وحنان على المسلمين، وتفضل على الفقراء، وحسن ظن بأهل الدين، وهم ركن الإسلام» [138]. فقد اعتنق المماليك الدين الإسلامي، وهذا ما أشعر عدداً منهم بأنه مسؤول أمام الله ثم أمام الشعب عن الدفاع عن البلاد وإقامة بنيانها، ومن ذلك تشييدهم للمساجد والمدارس ووقف الأوقاف عليها، وقد عبَّر الشعراء عن هذه الصورة في مواضع عديدة، فقال أحدهم عن السلطان الأيوبي الصالح نجم الدين أيوب:

بنيت لأرباب العلوم مدارسـاً *** لتنجو بها من هول يوم المهالك [139]

وقال آخر في الأمير صرغتمش باني المدرسة الصرغتمشية:

ليهنك يا صرغتمش ما بنيتـه *** لأخراك في دنياك من حسن بنيـان

به يزدهي الترخيم كالزهر بهجة *** فلله من زهر والله من بـاني [140]

وكان بعض المماليك قد أنشأ المدارس وأوقافها حباً بالعلم وتقديراً لأهله، وقد بيَّن بعض الشعراء أيضاً ذلك عند افتتاح المدرسة الظاهرية، فذكر أحدهم عن الظاهر بيبرس:

مليك له في العلم حب وأهلـه *** فلله حب ليس فيه كلام

فـشيدها للعلـم مدرسـة غـداً *** عراق إليها شيّق وشـآم

ولا تـذكرن يومـاً نظاميـة لهـا *** فليس يضاهي ذا النظام نظام [141]

ويرتبط بهذا السبب كثرة العلماء والفقهاء وطالبي العلم في ذلك العصر، فشجع ذلك المماليك على الإكثار من بناء المساجد والمدارس؛ لأن العلاقة كانت وثيقة ومتينة بينهم وبين العلماء، فجاء نشاطهم متماشياً مع روح العصر وتطورات الزمن، واستجابة لتطور الحياة الفكرية. ومن أسباب بناء المساجد والمدارس ذلك التنافس بين أصحاب المذاهب الفقهية، كلٌ منهم يريد بناء مدرسة تؤيد مذهبه الفقهي، فمثلاً في عام ٧٦٧هـ = ١٣٦٥م قام الأمير يلبغا بتجديد درس «بجامع ابن طولون فيه سبعة مدرسين للحنفية، وجعل لكل فقيه منهم في الشهر أربعين درهماً وإردب قمح، وذُكر أن جماعة من غير الحنفية انتقلوا إلى مذهب أبي حنيفة ليترلوا في هذا الدرس» [142]. وبعد أن أسس الأمير صرغتمش مدرسته وقفها على الفقهاء الحنفية [143]، وقد اشتهر عنه التعصب للمذهب الحنفي [144]، وكذلك جعل الأمير حسام الدين طرنطاي المنصوري مدرسته الحسامية برسم الفقهاء الشافعية [145]، ووقف الأمير سيف الدين بكتمر البوبكري الناصري مدرسته البوبكرية على الفقهاء الشافعية [146]، وخصص الأمير الوزير علاء الدين مغلطاي الجمالي مدرسته الجمالية للحنفية [147].

ويتجلى العامل الديني كذلك ممتزجاً مع العامل السياسي في قضية الخلافة الإسلامية، فنلاحظ أنَّ مظاهر العلم تنتقل مع انتقال الحكم (الخلافة)، فالمدينة المنورة كانت موطن الحركة العلمية وعاصمتها على عهد الرسول والخلفاء الراشدين رضي الله عنهم، ثم انتقلت هذه الحركة العلمية إلى دمشق بانتقال مقر الخلافة إليها وقيام الدولة الأموية، ثم انتقلت إلى بغداد بانتقال مقر الخلافة إليها وقيام الدولة العباسية، ثم كان سقوط العاصمة العباسية على يد التتار، فانتقل العلماء إلى مصر وقاهرتها حيث استقر المماليك وأسسوا حكماً وسلطاناً، وفي ذلك يقول ابن خلدون: «ودرست معالم بغداد بدروس الخلافة، فانتقل شأنهما من الخط والكتابة، بل والعلم إلى مصر والقاهرة» [148]. وهذا السر العظيم بانتقال العلم حيث تنتقل الخلافة بيَّنه الإمام السيوطي بقوله: «واعلم أن مصر من حين صارت دار الخلافة عظم أمرها، وكثرت شعائر الإسلام فيها، وعلت فيها السنة، فصارت محل سكن العلماء، ومحط الرجال الفضلاء، وهذا سر من أسرار الله أودعه في الخلافة النبوية، حيث ما كانت يكون فيها الإيمان والكتاب» [149]. وربما من أسباب ازدهار الأوقاف الإسلامية في عصر المماليك (على ما يرى ابن خلدون) خوف السلاطين والأمراء وأصحاب المناصب العليا في الدولة على ذريتهم وخلفائهم من أن تصادر أملاكهم بعد وفاتهم، فعملوا على الإكثار من العمائر ووقفها لتكون ملكاً لهم، فلا يستطيع أحد التطاول عليها وأخذها، وقد عبَّر ابن خلدون عن ذلك بقوله: «إن أمراء الترك في دولتهم يخشون عادية سلطانهم على من يتخلفونه من ذريتهم، لما له عليهم من الرق أو الولاء، ولما يخشى من معاطب الملك ونكباته، فاستكثروا من بناء المدارس والزوايا والربط، ووقفوا عليها الأوقاف المغلة يجعلون فيها شركاً لولدهم ينظر عليها أو يصيب منها» [150].

٢ – نتائج ازدهار الوقف

إن دولة المماليك جاءت لتكمل إنشاء المؤسسات العلمية والتربوية، وكان الأيوبيون قد سبقوها بإنشاء المدارس، لكن هذه المدارس زادت أعدادها في عصر المماليك زيادة لم تكن في أي عصر من العصور الإسلامية في مصر والشام، وكذلك المساجد التي نشأت مع ظهور الدين الإسلامي، زادت أعدادها أيام المماليك بشكل ملفت، وازدهرت باقي المؤسسات كالمكتبات والبيمارستانات والربط والزوايا والخوانق. وكل ذلك كان بسبب ازدهار الوقف الإسلامي وفعاليته. وليس أدل على نتائج ازدهار الوقف من شهادات عمالقة ذلك العصر من العلماء الذين اشتهروا حتى اليوم على كل لسان؛ فالقلقشندي يذكر أنه: «كثرت عمارة الجوامع بالقاهرة في الدولة التركية، خصوصاً في الأيام الناصرية ـ يقصد الناصر محمد بن قلاوون ـ وما بعدها، فعمَّر بها من الجوامع ما لا يكاد يحصى كثرة» [151]، ويقول في موضع آخر: «وأما مساجد الصلوات الخمس فأكثر من أن تحصى وأعز من أن تستقصى» [152]. ويقول المقريزي: «وقد بلغت عدة المساجد التي تقام بها الجمعة مئة وثلاثين مسجداً» [153]. ويقول خليل بن شاهين الظاهري (ت ٨٧٣هـ = ١٤٦٨م): «إنَّ بمصر والقاهرة داخل السور وخارجه ألف خطبة ونيف» [154]. وعند حديثه عن الناصر محمد بن قلاوون، يذكر يوسف بن تغري بردي (ت ٨٧٤هـ = ١٤٦٩م): «أنه عُمِّرت في أيامه بالديار المصرية عدة جوامع تقام فيها الخطب زيادة على ثلاثين جامعاً» [155]. وتحدث ابن أيبك الدواداري (ت ٧٣٢هـ = ١٣٣١م) عن الجوامع التي أُنشئت في عهد الناصر محمد بن قلاوون في مصر والقاهرة جامعاً جامعاً، فبلغ عددها (٢٧) جامعاً، وذلك فضلاً عن الجوامع في سائر الأعمال المصرية قبليها وبحريها [156].

ولا أدل على كثرة مساجد مصر مما يعرضه ابن دقماق (ت ٨٠٩هـ = ١٤٠٦م) عندما عدد وسمى المساجد المنتشرة في جميع أرجاء مصر، سواء في الأسواق أو في الدروب والأزقة، فلا يكاد يخلو أي منها من خمسة أو أربعة مساجد على الأقل، ويصل العدد في بعضها إلى عشرين مسجداً [157]. وقدَّم المقريزي بحثاً مطولاً عن خمس وخمسين مدرسة شُيدت في مصر في عصر دولة المماليك [158]، وشهد ابن بطوطة على هذه الكثرة حين زار مصر، حين قال: «وأما المدارس بمصر فلا يحيط أحد بحصرها لكثرتها» [159]، وذلك يعطي رؤية أوضح عن ذهبية عصر المماليك وانتشار التعليم فيه انتشاراً واسعاً بسبب ازدهار الوقف. أما ابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ = ١٣٤٩م) أحد أبرز أعيان ذلك العصر، وصاحب موسوعة مسالك الأبصار في ممالك الأمصار، فيقول: «وأبتدئ بالقاهرة التي هي اليوم أم الممالك وحاضرة البلاد، وهي من وقتنا دار الخلافة وكرسي الملك ومنبع العلماء رضي الله عنهم، ومحط الرحال، وتبعها كل شرق وغرب، وبعد وقرب، خلا الهند فإنه نائي المكان بعيد المدى» [160].

ولعبد الرحمن بن خلدون رأي عن مصر في ذلك العصر، وكان قد سأل عنها أحد العلماء قبل قدومه إليها عام ٧٤٠هـ = ١٣٣٩م: «كيف هذه القاهرة؟ فقال: من لم يرها لم يعرف عز الإسلام» [161]. ويقول عنها: «ونحن لهذا العهد نرى أن العلم والتعليم إنما هو بالقاهرة من بلاد مصر، لما أنَّ عمرانها مستبحر، وحضارتها مستحكمة منذ آلاف السنين، فاستحكمت فيها الصنائع وتفننت، ومن جملتها تعليم العلم… فاستكثروا من بناء المدارس والزوايا والربط، ووقفوا عليها الأوقاف» [162]. ويقول: «ولا أوفر اليوم في الحضارة من مصر، فهي أم العالم وإيوان الإسلام وينبوع العلم والصنائع» [163]. ويُجمل القلقشندي نهضة ذلك العصر بقوله: «ولم تزل القاهرة في كل وقت تتزايد عمارتها حتى صارت على ما هي عليه في زماننا من القصور العلية، والدور الضخمة، والمنازل الرحيبة، والأسواق الممتدة، والمناظر الترهة، والجوامع البهجة، والمدارس الرائعة، والخوانق الفاخرة، مما لم يسمع بمثله في قطر من الأقطار، ولا عهد نظيره في مصر من الأمصار» [164]. وبالنسبة للشام، فكما أن المقريزي في خططه قد أرَّخ للنهضة العلمية في عصر المماليك في القاهرة وما حولها، فإن النعيمي (توفي ٩٢٧ هـ = ١٥٢٠م) قد أرَّخ للنهضة العلمية في دمشق وما حولها من خلال كتابين رائعين، الأول هو «الدارس في تاريخ المدارس»، والثاني هو «تنبيه الطالب والدارس في أحول دور القرآن والحديث والمدارس».

هذان الكتابان يصوران الحياة العلمية والثقافية في دمشق من القرن الخامس وحتى العاشر الهجريين، وأشار أستاذنا الدكتور صلاح الدين المنجد إلى الأهمية القصوى لهذا الكتاب بقوله: «ما أعرف بعد كتاب تاريخ دمشق لابن عساكر كتاباً أجل منه». وقد ازدهرت دمشق في هذه الفترة بمئات المدارس الكبيرة المختلفة، التي أسست لتلقي الثقافة الإسلامية الدينية، وما يتصل بها من علوم العربية، فكان فيها مدارس للقرآن والحديث، وللمذاهب الفقهية الأربعة وللطب. وقد أسس هذه المدارس ملوك دمشق وسلاطينها وأمراؤها وولاتها وأزواجهم وأخواتهم من الأميرات والخواتين، ونساؤها العالمات، وعلماؤها وقضاتها وتجارها، وقد وقف أولئك جميعاً على هذه المدارس المتعددة أوقافاً وافرة من الأموال والقرى والضياع والبساتين والحوانيت والخانات والقاعات، حتى أصبحت دمشق وأرباضها أوقافاً لهذه والمدارس المبثوثة في كل حي من أحيائها، فكانت هذه الأوقاف تدر المال عليها وترغب الطلاب في التعلم بها. ولعل دمشق قد تفردت في ذلك الزمن بعدد المدارس الذي نافت على مائة وخمسين مدرسة، وفاق بذلك مدارس بغداد والقاهرة والقدس وجميع مدن العالم الإسلامي، ونظرة إلى كتابي النعيمي «الدارس في تاريخ المدارس» و «تنبيه الطالب» تبين أننا لا نبالغ فيما نقول. وكما يقول الدكتور المنجد بأن دمشق تفردت بمجد آخر من بين بغداد والقاهرة والقدس، فقد كانت أسبق هذه المدن الثلاث إلى تأسيس مدارس خاصة بالعلوم، أي الأمكنة التي تتخذ لتلقي علم واحد على أيدي شيوخ موقوفين عليه، متميزة بذلك عن حلقات المساجد [165].

الخاتمة

إن التاريخ الإسلامي بعصوره المختلفة ليس هذه البضاعة الهينة الرائجة في السوق كما يقول أستاذنا الدكتور شاكر مصطفى، وليس ذلك التكرار أو الأوهام والأساطير، أو ما يلوكه الناس من ذلك التاريخ كل يوم حتى ملّ منه الملل، إنه أكبر بكثير وأوسع من كل ما نتوهم، إنه ليس عدة دول، ولا بضعة عصور، ولكنه تاريخ الدنيا كلها خلال عشرة قرون، وتحمل هذه المدة في طواياها إنجازات وبطولات، أجمل ما فيها ما نسميه التاريخ الحضاري الإسلامي الذي يشكل بدوره محيطاً هائلاً من البناة ورجال الفكر والفقه وأهل الأدب والفن ورواد الفلك والطب والهندسة والرياضيات والجغرافيا… وهذا هو تاريخ الإسلام الحقيقي، وما التاريخ السياسي الطافي على السطح إلا الهامش الهين اللين والعرض العابر الزائل. وإن أكبر سر صنع هذا التاريخ هو سر الوقف، الذي كان بمقام الدم في جسم الإنسان، ولا زال هناك تقصير في إبراز فعالية الوقف الإسلامي وإعادة بعثه وخاصة في الظروف التي تعيشها الأمة اليوم، ويشمل تقصيرنا أوجهاً كثيرة، منها أن أبحاثنا ودراساتنا لم تصل في كثير من الأحيان إلى المستوى الحقيقي للتاريخ الإسلامي، فما زال بحث تطبيق الوقف العلمي على التاريخ الإسلامي في حاجة ماسة إلى من يتناوله بالبحث والاستقصاء، وهو يحتاج إلى مزيد من الأقلام لإبراز النشاطات الفكرية الواسعة النطاق التي دارت من خلاله، بعد أن صالت الأقلام وجالت في دراسة موضوعات الحياة السياسية وحتى الحياة الفكرية. إن تراث الوقف الإسلامي بحاجة ماسة إلى من يكشف عنه وخاصة في أيامنا هذه، وهو بحاجة أشد إلى إظهار جوانبه المحاطة بسحب من الإبهام، فلا تزال هكذا مواضيع هامة بعيدة عن البحث و التنقيب. واللـه أعلم، والحمد للـه رب العالمين.


* الصورة مع الدراسة هي لوحة “داخل مدرسة في القاهرة” (Interior of a School, Cairo) للرسام البريطاني جون فريدريك لويس (John Frederick Lewis) خلال منتصف القرن التاسع عشر (تحديداً في فترة إقامته بمصر بين عامي 1841 و1851)، توثق مشهداً حياً لكتّاب أو مدرسة تقليدية في القاهرة.