ارتبطت حركة الاجتهاد الفقهي بالدولة والمجتمع والأفراد، فهو علم (ديناميكي)، وليس علما جامدا، وليس الفقه هو ما يدرس في المدارس الدينية والجامعات فحسب، فذاك جانب من جوانب التأهيل في إحدى صوره ومجالاته، وهو التعليم، وقد أخذ هذا الجانب زخما كبيرا من حيث كثرة المؤلفات المكتوبة، والمحاضرات والدورات المشروحة، وهو تأهيل لابد منه في سلم التكوين، لكن من الظلم أن تحصر صورة الفقه في تدريس الكتب التراثية أو الحديثة، على أن الجانب الأكبر، والمجال الأهم هو تلاحم الفقه مع قضايا المجتمع الدولة والإنسانية، ذلك التلاحم الذي يبرز وجهه المشرق، ويبين أهم أدواره باعتباره أحد أهم أدوات البناء الحضاري للمجتمعات الإسلامية والإنسانية، وتلك وظيفة أصعب بكثير من تدريس كتب الفقه في مدارسه ومحافله المتعددة والمتنوعة؛ لأن تكوين الفقيه المجتهد صناعة ثقيلة، طويلة الأمد، من حيث أدوات التكوين والتدريب والتأهيل، وصولا إلى مرحلة الإنتاج الفقهي الذي يخرج في صورة قرار مجمعي، أو فتوى جماعية من إحدى مؤسسات ودور الإفتاء، أو حتى من آحاد كبار الفقهاء الذين قلوا في زماننا.

مراحل ما بعد الاجتهاد الفقهي

والحق أن هذا الإنتاج الفقهي ليس نهاية المطاف بالنسبة للفقهاء المجتهدين، فالكشف عن حكم الله تعالى في النوازل من خلال الاجتهاد وآلياته، يعقبه مراحل لا تقل أهمية عن مرحلة الاستنباط لحكم النوازل، ومن أهمها: اختبار صحة الاجتهاد من خلال عرضه على المقاصد لمعرفة مدى مواءمة الاجتهاد الموصول إليه بمقاصد الشريعة بأنواعها: الكبرى والكلية والخاصة والجزئية، لأن إنتاج الاجتهاد أشبه بالمنتج الذي يمر بمراحل، من أهمها:

الكشف عن وجود اجتهاد مماثل، ومعرفة درجة هذا الاجتهاد هل هو من المسائل الإجماعية أم لا؟، واختبار مدى صحة الإجماع، إذ ليس كل ما ادعي فيه الإجماع إجماعا، أما أنه من المسائل الظنية؟ وهل هو من المسائل الظنية التي سبق فيها النظر الاجتهادي، فيسعى الفقيه إلى الترجيح من الاجتهادات السابقة؟ وهل المسألة لابد أن تخضع لمرحلة التكييف فتلحق بباب من الأبواب، أم أن المسألة نازلة جديدة ليس فيها حكم سابق أو حكم مماثل أو شبيه في النظر، حتى يصل إلى الرأي الفقهي الذي يمثل ذروة الاجتهاد؟

الولع بالنقل من التراث الفقهي

فكثير من الفقهاء والمفتين مولعون بإلحاق أي مسألة جديدة بمسألة قديمة والنقل عن تراث الفقهاء، وقد حذر الفقهاء من ذلك، وقال ابن القيم: “من أفتى الناس بمجرد المنقول في الكتب على اختلاف عرفهم وعوائدهم وأزمنتهم وأمكنتهم وأحوالهم وقرائن أحوالهم فقد ضل وأضل،.. وهذا المفتي الجاهل أضر على أديان الناس وأبدانهم” [1] .

ثم يأتي اختبار صحته بمدى مواءمته لمقاصد الشريعة، فإن وافق المقاصد القطعية أو القريبة من القطع اطمئن إلى اجتهاده وأمضاه، وإن رآه مخالفا لمقاصد الشريعة القطعية والقريبة من القطع أعاد النظر مرة أخرى، حتى يخرج لنا اجتهادا أكثر مواءمة، فالاجتهاد يبدأ بالنظر في النصوص والأدلة، فينتج عنه الرأي، ثم يقاس صحة الرأي على ميزان المقاصد الثابتة والقواعد المقررة.

الاجتهاد وفق منظومة المعارف الإسلامية

ولعل كثيرا من الفقهاء – فضلا عن غيرهم- يرون أن هذه هي آخر مراحل الاجتهاد والنظر، والأمر – عند التحقيق- ليس بذاك، فالاجتهاد الفقهي وإن خرج من عباءة الفقه، إلا أنه لابد أن يسكن في منظومة النظر الواسع للمعارف الإسلامية التي تمثل جوهر الدين، وهو اختبار آخر لصحة الاجتهاد غير عرضه على مقياس المقاصد، لتعرف مواءمته لشيء آخر، وهو تناغم الاجتهاد مع كليات الشريعة، وألا يترتب على تطبيق الاجتهاد ما يعود على الحادثة بالبطلان من جهة النظر الكلي للشريعة، فإن صحة الاجتهاد لا تتوقف على معرفة النصوص والأدلة، ولا على فهمها لاستخراج الحكم فحسب، بل – أيضا- على مدى تناغم الاجتهاد مع المنظومة الكلية للشريعة، بناء على ميزان المصالح والمفاسد، ولهذا وجدنا الخلفاء الراشدين يضربون أروع الأمثلة في اجتهاداهم الفقهية في مراعاة هذا الشأن، حتى إن بعض من ينظر بسطحية إلى اجتهاداتهم العميقة ليقرؤها على أنها تصادم النص، وليس بذاك، بل هو فهم لمقصود خطاب الشارع، لأن فهم مقاصد الشارع من خطابه مقدم على استنباط الحكم من الخطاب.

مقاصد الخطاب ومقاصد الأحكام

ولهذا كانت صيانة الاجتهاد الفقهي تمر بمرحلتين، مرحلة سابقة على الاجتهاد، وهو إدراك مقاصد خطاب الشارع، وبعد الوصول إلى الحكم من خلال النظر في النصوص والأدلة يأتي دور مقاصد الأحكام، فالحكم مستنبط ابتداء من النص، ثم تقاس صحته بمدى توافقه مع مقاصد الشريعة، والمقاصد في مقام الاجتهاد نوعان: مقاصد خطاب، وهي سابقة لاستنباط الحكم، ومقاصد أحكام، وهي تلي الحكم.

المقصود بمقاصد الخطاب: معرفة مراد الله تعالى من كلامه، ومعرفة مراد رسول الله ﷺ من حديثه، وهو باب ذهل عنه غالب الفقهاء، واعتنوا بإظهار بيان الأحكام أكثر من عنايتهم ببيان مقاصد الخطاب. فاللفظ قد يستعمل لغير الظاهر أو الحقيقة، وقد يكنى عنه، وقد يذكر لازمه دونه، وقد يترك بعض الكلام، وقد يراد باللفظ ضده، “فالتقصير في فهمه والزيادة عليه يفسد الفهم من بدايته، فآخذ الأمور ببادئ الرأي وببادئ النظر وبالخواطر الأولى، دون النظر في القرائن الأخرى وإعمال الفكر فيها، عادة لا ينجو من الزيادة في المعنى، والنقصان منه” [2].

القياس على الاستخلاف والبناء الحضاري

ثم لابد من قراءة آثار هذا الاجتهاد على الأفراد والمجتمعات والدول، بما يحقق غايات الشريعة العظمى في الاستخلاف والبناء الحضاري للأمة والإنسانية، وإن بعض العلماء رأى أن باب الاجتهاد قد أغلق، فإن هذه دعوى باطلة لا أساس لها من الصحة، وإنما كان المقصود ألا يتجرأ على الاجتهاد إلا المجتهدون، فلا يخرج اجتهاد إلا من أهله وفي محله، فلم يخل عصر من عصور الأمة من وجود فقهاء مجتهدين في النوازل والحوادث، ولم تمر نازلة على الأمة إلا وفيها اجتهاد حاضر.

ثغرات الاجتهاد المعاصر

على أن هذا لا يعني عدم وجود قصور في الاجتهاد، فهناك ثغرات في عملية الاجتهاد، لكنها لا تمنع خروجه، فلم يتوقف المنتج الفقهي في يوم ما، ولا في بلد ما، ولا في واقعة ما، وإنما الإشكال في نوع الاجتهاد، فقد يكون اجتهادا سطحيا، أو اجتهادا يسيرا، أو اجتهادا جزئيا، ومع وجود المجامع الفقهية وهيئات ودور الإفتاء في العالم ظهرت الاجتهادات الجماعية، إلا أن كثيرا من تلك الاجتهادات المباركة لا ترقى أن تمثل (الاجتهاد الحضاري) الذي يراعى كل الأبعاد في إنتاج الرأي الفقهي في النوازل، وهو ما يفسر وجود أزمة خفية حقيقية، ففي الظاهر ليس هناك مسألة إلا وفيها اجتهاد، لكن هل هذا الاجتهاد يمثل (الاجتهاد الحضاري) مثل الذي كان ينتج زمن الصحابة والتابعين؟ بالطبع لا.

خلل المنهج لا الإنتاج

إن كل العلوم تبدأ صغيرا ثم تكبر، ولكن في نظري أن الاجتهاد الفقهي على عكس ذلك تماما، فقد بدأ اجتهادا مؤيدا بالوحي من الله زمن الرسول ﷺ، ثم اجتهادا حضاريا بامتياز زمن الصحابة ثم التابعين، وبدأ الاجتهاد يقل زمنا بعد زمن، فمع وفرة الوصول إلى النصوص الأدلة والآثار واجتهادات العلماء التي دونت جميعها في مصنفات شتى، إلا أن مستوى الاجتهاد يضمحل زمنا بعد زمن، وذلك لخلل في مناهج الاجتهاد وضعف الملكة الفقهية، والذي يعود إلى خلل في التكوين والتأهيل لأسباب عديدة.

دلالة الاجتهاد الحضاري المنشود

وإن كان البعض يرى أن مفهوم الاجتهاد الحضاري أوسع دلالة من الاجتهاد الفقهي ليشمل جانب الفكر والاعتقاد والعلوم الإنسانية والاجتماعية والتكنولوجيا وغيرها من علوم الحياة، بهدف تمكين العقل المسلم من مواجهة التحديات وصناعة النهضة والحضارة، فإننا لا أقصد توسيع مفهوم الفقه الحضاري أو الاجتهاد الحضاري عن دائرته التشريعية، بل أقصد به الاجتهاد الفقهي الحضاري الذي يستصحب كل تلك الأدوات وفهمها ابتداء للوقوف على تصور صحيح واقعي، وذلك بهدف الإسهام في الوصول إلى اجتهاد فقهي تشريعي يساهم المنظومة الكلية للإسلام، فتكون تلك الأدوات مصاحبة له ابتداء في التصور والفهم، كما يساهم هذا الاجتهاد في تقديم خطاب فقهي أكثر شمولا من حدود اختطاف حكم من ظاهر النص، إلى حكم يستوعب كل المعطيات، وينطلق من إدراك مقاصد النصوص، مستصحبا في فهمه الدوائر المتنوعة التي تحيط بالنازلة؛ ليحصل إلى حكم شرعي يسهم في البناء الحضاري للإنسان والمجتمع والدولة والأمة.

أصول ومنطلقات الاجتهاد الحضاري

إن من أهم منطلقات الاجتهاد الحضاري ما يلي:

أولا: توسيع مفهوم أدلة الأحكام:

وعدم قصرها على ما اشتهر، بل عودها على ما كان عليه الصحابة والفقهاء المجتهدون سلفا وخلفا، وهو ما عبر عنه الإمام القرافي الذي فرق بين نوعين من الأدلة.

الأول: أدلة مشروعية الأحكام، وهي محصورة، وهي نحو العشرين، (وهي الأدلة المشتهرة).

والثاني: أدلة وقوع الأحكام، وهي غير محصورة.

ثانيا: الموازنة بين النص والواقع، وكيفية تنزيل النص الثابت على الواقع المتغير

وذلك من خلال:

  • إعمال حكم النص قطعي الثبوت والدلالة على الواقع، لأن الحكم هنا لا يتغير بتغير الواقع، بل الواقع لا يصلح إلا بهذا الحكم.
  • الاجتهاد في فهم النص ظني الدلالة بما يصلح الواقع ويتواءم معه.
  • تجدد فهم النص بناء على الواقع.

ثالثا: مراعاة المصالح، والموازنة بينها وبين المفاسد

فكثير من الاجتهادات بحاجة إلى فقه المصالح والمفاسد، وقد عبر عنها ابن القيم بقوله: “…. القرآن وسنة رسول الله (ﷺ) مملوءان من تعليل الأحكام والمصالح وتعليل الخلق بها، … ولو كان هذا في القرآن والسنة في نحو مائة موضع أو مائتين لسقناهما، ولكنه يزيد على ألف موضع بطرق متنوعة” [3].

رابعا: اعتبار المآل الذي هو ذرة اجتهاد الفقيه

وليس كل فقيه يقدر عليه، فلا ينال منه نصيبا إلا عباقرة الفقهاء والمفتين، فقد يكون الشيء مشروعا لجلب مصلحة، أو ممنوعا لدرء مفسدة؛ ثم يكون مآلاه على عكس ما شرع له، وساعتها لا يصلح إطلاق القول بالمشروعية فيما ظاهره المشروعية أو إطلاق القول بالتحريم فيما ظاهره أنه حرام، “وهو مجال للمجتهد صعب المورد، إلا أنه عذب المذاق، محمود الغب، جار على مقاصد الشريعة” [4]. وقد جعل الشاطبي اعتبار المآل أصلا لكثير من الأصول والقواعد، منها: قاعدة الذرائع، وقاعدة الحيل، ومراعاة الخلاف، وقاعدة الاستحسان [5].

خامسا: العمل بالسياسة الشرعية

وهو باب دقيق جدا؛ امتاز به الصحابة من الخلفاء الراشدين عن غيرهم من الفقهاء بعدهم. وفسره ابن عقيل بأنه الحزم، وقال: السياسة ما كان فعلا يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح، وأبعد عن الفساد وإن لم يضعه الرسول ﷺ، ولا نزل به وحي، لكنه لم يخالف ما نطق به الشرع، وقد جرى من الخلفاء الراشدين من القتل والتمثيل ما لا يجحده عالم بالسنن. وهي من السياسات الجزئية التابعة للمصالح، فتتقيد بها زمانا ومكانا، وليست من الشرائع الكلية التي لا تتغير بتغير الأزمنة [6].

إن الأزمات التي تمر بها الأمة، وبخاصة الأزمات التشريعية لتحتم على الفقهاء إعادة النظر في إنتاج الاجتهاد وتوسيع مداركه وأنواعه، ليشمل – بجوار ما هو عليه- الاجتهاد الحضاري الذي يثبت المسلمين في زمن الفتن، ويكون مرآة لغير المسلمين لمعرفة الوجه المشرق للتشريع الإسلامي الذي يلتحم بالحياة، ولا يتوقف عند كشف الحكم، بل يتعداه للبناء والإصلاح.