شهدت الموارد المالية لدولة المماليك تقلبات وتحولات كبرى دفعتها إلى التوسع في فرض الضرائب واللجوء إلى المصادرات، الأمر الذي حمل الناس على البحث عن وسائل تحفظ أموالهم من المصادرة والتعسف، فبرز الوقف بوصفه أحد المخارج الشرعية. يتناول هذا البحث دراسة العلاقة بين الضرائب والمصادرات في دولة المماليك، وانتشار الوقف وتحوّل وظائفه، من خلال الإجابة على الإشكالية الآتية: ما مدى إسهام الضرائب والمصادرات في دولة المماليك في انتشار الوقف وتطوّر نظامه، ولا سيما الوقف الذري والمختلط؟ وقد اعتمد الباحث المنهج التاريخي والمنهج التحليلي، وتوصل إلى أن الضغط الجبائي وكثرة الضرائب والمصادرات أسهما إسهاماً مباشراً في انتشار الوقف الذري والمختلط، وتحويل الوقف – في جانب من تطبيقاته – من مؤسسة خيرية محضة إلى آلية حماية مالية واجتماعية. الكلمات المفتاحية: المماليك، الضرائب، المصادرات، الوقف.
المقدمة
نشأت دولة المماليك في سياق سياسي مضطرب أعقب انحسار الدولة الأيوبية، حيث ظهر المماليك ابتداءً بوصفهم طبقةً عسكرية من الرقيق الذين جلبوا صغاراً، وأحسن تدريبهم وتنظيمهم، حتى غدوا قوةً عسكرية ضاربة، وقد ساعدتهم جملة من الظروف السياسية والعسكرية على اعتلاء سدة الحكم في مصر، وتجاوز مأزق الشرعية التقليدية الذي واجه نشأتهم الأولى.
وقد دامت دولتهم أكثر من قرنين من الزمان استطاعوا خلالها أن يبنوا كياناً سياسياً قوياً، وأن يشيدوا حضارةً عمرانية وعلمية وعسكرية بارزة، كان من أبرز مظاهرها صد خطرين جسيمين هدّدا العالم الإسلامي آنذاك، هما التتار من الشرق والحملات الصليبية من الغرب.
وشهدت مصر في ظل دولتهم ازدهاراً اقتصادياً ملحوظاً، استفادت فيه من تحوّل طرق التجارة العالمية إليها، الأمر الذي انعكس على عمرانها ونشاطها المالي، غير أن هذا الوضع ما لبث أن تغيّر مع فقدان تلك الميزة التجارية، فتراجع الموارد المالية للدولة، واضطرت إلى البحث عن بدائل داخلية لتعويض هذا النقص.
وكانت الضرائب والمصادرات أحد أهم الوسائل التي اعتمدتها السلطة المملوكية لتعزيز مواردها، وسدّ حاجاتها، وهو ما ألقى بأعباء ثقيلة على كاهل الناس ودفعهم إلى التماس مخارج تحفظ أموالهم من التعرّض والمصادرة، وكان الوقف – في جملة من صوره – أحد أبرز هذه المخارج التي لجأ إليها المجتمع في مواجهة الضغوط الجبائية، وقد لاحظ الباحث هذا الارتباط الوثيق؛ فكان سبباً إلى دراسته وتحليله في إطار تاريخي فقهي في بحثه الذي وسمه بـ «الجباية والوقف في دولة المماليك دراسة تاريخية فقهية».
إشكالية البحث
ينطلق البحث من السؤال المركزي الآتي: ما مدى إسهام الضرائب والمصادرات في دولة المماليك في انتشار الوقف وتطوّر نظامه، ولا سيما الوقف الذري والمختلط؟
أسئلة البحث
وقد تفرع عن إشكالية البحث الأسئلة الآتية:
- ما طبيعة السياسة الجبائية في دولة المماليك، وما أبرز صور الضرائب والمصادرات وأسباب شيوعها؟
- كيف أسهمت السياسة الجبائية في تحوّل الوقف من مؤسسة خيرية محضة إلى آلية حماية مالية واجتماعية، ولا سيما في صورتيه الذرية والمختلطة؟
- ما موقف السلطة المملوكية والفقهاء من اتساع الأوقاف، وكيف انعكس هذا الصراع على واقع الوقف ومكانته؟
أهداف البحث
يهدف البحث إلى:
- بيان طبيعة السياسة الجبائية في دولة المماليك، وصور الضرائب والمصادرات وأسباب انتشارها.
- تحليل أثر الضرائب والمصادرات في انتشار نظام الوقف، ولا سيما الوقف الذري والمختلط.
- إبراز التحول الوظيفي للوقف من مؤسسة خيرية إلى وسيلة لحماية الأموال وصيانتها.
- بيان موقف السلطة المملوكية والفقهاء من توسع الأوقاف وأثر ذلك في واقعها.
- الكشف عن أثر انتشار الوقف في موارد الدولة المالية وعلاقته بالسياسة الجبائية.
أهمية البحث
تبرز أهمية البحث في إظهار مرونة الفقه الإسلامي في التعامل مع الواقع المالي الضاغط، من خلال ما أتاحه نظام الوقف من مخارج شرعية لحفظ المال عند الخوف عليه من المصادرة، كما تكمن أهميته في كشف الأثر العكسي للسياسات الجبائية القاسية على الدولة نفسها، حيث أسهمت الضرائب والمصادرات في توسيع ظاهرة الوقف، وما ترتب على ذلك من إضعاف الموارد المالية للدولة، وهو ما يكشف عن التفاعل بين السياسة المالية والسلوك الاجتماعي وآثاره في موارد الدولة.
الدراسات السابقة
كثرت الدراسات التاريخية حول دولة المماليك ولا سيما المتعلقة بنظمها المالية ومواردها، وسياساتها الجبائية، سواء في عصر المماليك أم بعدهم، ونالت مؤسسة الوقف نصيباً وافراً من تلك الدراسات بوصفها مؤسسة مالية ذات أبعاد دينية واجتماعية، سواء من حيث نشأتها، أو تطوّرها، أو وظائفها المختلفة، ومن تلك الدراسات:
- كتاب: (مصادرة الأملاك في الدولة الإسلامية عصر سلاطين المماليك) إسماعيل الشربيني البيومي (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، د. ط، 1997/1418) تناول فيه الباحث الحديث عن ظاهرة المصادرة باعتبارها إحدى الأدوات المالية الأساسية التي استخدمتها السلطة المملوكية، وأوضح أن المصادرة لم تكن مجرد إجراء عقابي، بل كانت وسيلة منظمة لإعادة توزيع الثروة، وتعزيز الموارد المالية للدولة.
- كتاب: (النظم المالية في مصر والشام زمن السلاطين المماليك) إسماعيل الشربيني البيومي (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، د. ط، 1998/1408) تناول فيه الباحث الحديث عن البنية المالية للدولة المملوكية، وبين تعدد مصادر الإيرادات، وخاصة الضرائب والمكوس والمصادرات، وأشار إلى أن النظام المالي اتسم بدرجة عالية من الضغط على الموارد الخاصة، مما انعكس على طبيعة العلاقة بين الدولة والملكية الفردية.
- كتاب: (نظم دولة سلاطين المماليك ورسومهم في مصر) عبد المنعم ماجد، ت: 1420 هـ (القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، ط2, 1979م) تناول فيه الحديث عن موارد الدولة المالية، وتنظيم الدواوين مع تحليل تطوّر الضرائب والمكوس وأثرها في مالية الدولة.
- كتاب: (الأوقاف والحياة الاجتماعية في مصر)، محمد محمد أمين، ت: 1431هـ (القاهرة: دار الكتب والوثائق القومية، 2014م)، وهو من أوسع الكتب التي وقفت عليها في تناول الأوقاف زمن المماليك، وكل من كتب عنها بعده نهل منه، تناول في كتابه: نشأة الوقف وتطوّره وأنواعه، وركز على دوره الديني والاجتماعي والعمراني.
- بحث: (أوقاف التجار في دمشق وأثرها في الحياة العامة عصر سلاطين المماليك) عمر جمال علي، مجلة كلية الآداب بقنا، ع/48, 2018م، تناول فيه الباحث الحديث عن الوقف عموماً، وعن الوقف التجاري الذري وأثره في صله الأرحام ونحوه.
- بحث: (تأثير الضرائب على حركة الأسعار في العصر المملوكي في الفترة ما بين 1250 – 1300م) وان كمال موجاني، وآخرون، المجلة العربية للعلوم ونشر الأبحاث، ع/6, م/3, 2017م، تناول فيه الباحث الحديث عن الضرائب وأسبابها، وأثرها على حياة الناس.
ورغم أهمية هذه الدراسات وغيرها؛ إلا أنها عالجت السياسة الجبائية ونظام الوقف في دولة المماليك كلاً على حدة، دون بحث العلاقة التفاعلية بينهما، وهو ما يسعى هذا البحث إلى معالجته ودراسته من خلال دراسة أثر الضرائب والمصادرات في انتشار الوقف وتطوّر نظامه في دولة المماليك.
منهج البحث
اعتمد البحث المنهج التاريخي في تتبع الوقائع والنصوص المتعلقة بالضرائب والمصادرات والأوقاف في دولة المماليك، والمنهج التحليلي في دراسة آثار هذه السياسات وتفسيرها، تحليل مواقف العلماء وتكييف الظواهر الوقفية في ضوء القواعد والأصول الشرعية.
هيكلية البحث
- التمهيد
- المبحث الأول: السياسة الجبائية في دولة المماليك: الضرائب والمصادرات
- المطلب الأول: الإطار الفقهي والتاريخي للضرائب
- المطلب الثاني: المصادرات بوصفها مورداً مالياً استثنائياً
- المبحث الثاني: تحوّل الوقف إلى آلية حماية مالية واجتماعية
- المطلب الأول: أنواع الوقف في دولة المماليك
- المطلب الثاني: الوقف الذري والمختلط: نماذج تطبيقية
- المطلب الثالث: دوافع انتشار الوقف وأثر الجباية فيه
- المبحث الثالث: الصراع حول الوقف في العصر المملوكي بين السلطة والفقهاء
- الخاتمة
التمهيد
تُعدّ المؤسسة المالية ركيزة أساسية في بنيان الدولة، ومؤشراً صادقاً على استقرارها السياسي والاجتماعي، كما أنها تمثل القناة التي تُدار من خلالها شؤون الدولة الاقتصادية، وتموّل بها مشاريعها العسكرية والعمرانية والتعليمية وغيرها، ومن هنا لم يكن غريباً أن تحظى هذه المؤسسة باهتمام بالغ في دولة المماليك، التي تميزت في مراحلها الأولى بقوة مالية لافتة، ونظام إداري مركب تولى ضبط الموارد والنفقات تحت إشراف «ناظر الدولة» (1)، وهو المنصب الذي اكتسب أهمية خاصة بوصفه المشرف على ديوان النظر وما يتفرع عنه من دواوين مالية متخصصة (2).
وقد ساعد على ترسيخ هذا البناء المالي عدد من العوامل، كان من أبرزها تحول طرق التجارة العالمية إلى مصر بعد سقوط بغداد بيد المغول، مما جعل مصر مركزاً بديلاً لحركة التجارة الدولية بفضل موقعها على البحر الأحمر، وموانئها الحيوية التي صارت محطة رئيسة في خطوط التوريد العالمية، وقد انعكس هذا التحول على المجتمع المملوكي في صورة ازدهار تجاري وعمراني وتعليمي تجلى في نشاط اقتصادي واسع، وتأسيس منشآت عامة، ودعم مؤسسات الرعاية والعلوم وغيرهما، لا سيما من خلال الأوقاف، التي شكلت بعداً تكافلياً راسخاً في حياة الناس والدولة على السواء (3).
غير أن هذا الازدهار لم يستمر طويلاً؛ إذ ما لبث أن واجهت الدولة تحديات مالية متنامية مع اكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح، وتحول التجارة البحرية نحو المحيط الأطلسي، مما أدى إلى تراجع دور مصر كمركز للتبادل التجاري وتناقص وارداتها، وتزايد التزاماتها، وقد دفع هذا العجز المالي الدولة المملوكية إلى انتهاج سياسات جبائية جديدة امتدت لتشمل مختلف جوانب الحياة، حتى قيل إنَّها لم تبق شيئاً إلا وفرضت عليه ضريبة سوى الهواء، مما أثقل كاهل الناس، ودفعهم إلى البحث عن سبل للفرار من هذا العبء المتزايد (4).
في هذا المناخ المتحول؛ بدأ المجتمع يشهد تغيرات في أنماط التصرف بالمال، ومنها التوسع الملحوظ في الأوقاف الذرية، كأحد السبل التي لجأ إليها الناس لمواجهة ضغط الجباية وتقلب الأحوال، وقد كان لذلك أثر كبير على بنية النظام الوقفي ووظيفته واستقلاله، بل وعلى علاقة الفقهاء بالسلطة، ومواقفهم من شرعية الجباية وحدودها، وتداعياتها على أموال الرعية.
تشكل هذه المرحلة من تاريخ دولة المماليك ميداناً خصباً للبحث في العلاقة بين السلطتين المالية والدينية، وبين السياسة الجبائية والمقاصد الوقفية، وهي علاقة تتسم بالتعقيد والتداخل، وتستدعي قراءة فقهية تاريخية متأنية، تُسهم في كشف أبعادها، وتفسير تحولاتها، وامتداداتها في الفكر والمؤسسات.
المبحث الأول: السياسة الجبائية في دولة المماليك: الضرائب والمصادرات
كانت الموارد المالية للدولة المملوكية مقسمة إلى قسمين، موارد شرعية وموارد غير شرعية، أما الشرعية فهي الزكاة والخراج والجوالي والمواريث الحشرية وغيرها (5)، والموارد غير الشرعية هي المكوس وهي على نوعين كما بين القلقشندي (ت: 821 هـ) (6)، نتناول في هذا المبحث الحديث عن الموارد غير الشرعية بوصفها انعكاساً لتحولات كبرى في دولة المماليك كان لها أثرها على الدولة والمجتمع، ومن ذلك أثرها على الوقف، وذلك على النحو الآتي:
المطلب الأول: الإطار الفقهي والتاريخي للضرائب
- الضريبة لغةً: الضريبة على وزن فعيلة بمعنى مفعولة أي مضروبة، وهي من مادة ضرب يضرب ضرباً، ومن معاني الضرب إيقاع شيء على شيء، وقيده بعضهم بأنه إيقاع بشدة، والضريبة واحدة الضرائب، وهي التي تؤخذ في الأرصاد والجزية ونحوها، ومنه ضريبة العبد أي غلة العبد (7).
- الضريبة اصطلاحاً: قبل الوقوف على حقيقة الضريبة وأنواعها في دولة المماليك؛ أقدم بين يدي ذلك بتعريف مختصر للضريبة أو ما يشببها قديماً وحديثاً، ثم ألج للحديث عن الضريبة في دولة المماليك.
لم يرد في كتب السياسة الشرعية تعريف صريح للضريبة التي وجدت زمن المماليك، وإنما جاء في كلام الفقهاء ما يدل على جواز، أو وجوب فرض شيء على الأغنياء الموسرين لسبب وحاجة، فمن ذلك أن الإمام ابن حزم الظاهري (ت: 456هـ) تناول الحديث عن وجوب فرض ما يشبه الضريبة على الأغنياء عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَءَاتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ [الإسراء: 26]، وقوله تعالى: ﴿وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَمَى وَالْمَسَكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾ [النساء: 36]؛
فقال: «وفرض على الأغنياء من أهل كل بلد أن يقوموا بفقرائهم، ويجبرهم السلطان على ذلك، إن لم تقم الزكوات بهم، ولا في سائر أموال المسلمين، فيقام لهم بما يأكلون من القوت الذي لا بد منه، ومن اللباس للشتاء والصيف بمثل ذلك، وبمسكن يكنهم من المطر، والصيف والشمس وعيون المارة… فأوجب تعالى حق المساكين، وابن السبيل، وما ملكت اليمين مع حق ذي القربى وافترض الإحسان إلى الأبوين، وذي القربى، والمساكين، والجار، وما ملكت اليمين، والإحسان يقتضي كل ما ذكرنا، ومنعه إساءة بلا شك» (8).
وأما الإمام الجويني (ت: 478هـ) فإنَّه تناول الحديث عما يفرضه الإمام أمير المؤمنين على الأغنياء في باب: «إذا صفرت يد راعي الرعية عن الأموال». وهي أشبه بضريبة تؤخذ منهم لسد حاجة الجند لقتال من يهدد ديار المسلمين من أعدائها، ومما قاله للإمام في ذلك: «فليشر على أغنياء كل صقع بأن يبذلوا من المال ما يقع به الاستقلال» (9). ورأى الجويني أن الأمر في ذلك يرجع للإمام، فإن رأى المصلحة أن يقسم الأغنياء إلى فئات يأخذ من كل فئة مالاً عند كل ملمة، أو يخصص أغنياء بأعيانهم يأخذ منهم على حسب مالهم وعيالهم؛ كان له ذلك عند الحاجة (10).
أما الإمام الغزالي (ت: 505هـ) فقال في تعريف معنى الضريبة: «أما إذا خلت الأيدي من الأموال، ولم يكن من مال المصالح ما يفي بخراجات العسكر، ولو تفرق العسكر واشتغلوا بالكسب لخيف دخول الكفار بلاد الإسلام، أو خيف ثوران الفتنة من أهل العرامة في بلاد الإسلام؛ فيجوز للإمام أن يوظف على الأغنياء مقدار كفاية الجند» (11).
وحديثاً عرف الباحثون الضريبة بتعريفات متنوعة، فمن ذلك تعريفهم بأنها: «الاقتطاع المالي العيني والنقدي الذي تقتطعه الدولة الإسلامية من أموال الأفراد قسراً وبصفة نهائية دون أن يكون مقابلها نفع معين مشترط، وتخصص لتغطية النفقات العامة، وفي نفس الوقت تستند فرضيتها إلى الأحكام والقواعد الكلية للشريعة الإسلامية» (12).
ومن خلال هذا المرور السريع على تعريفات الضريبة قديماً وحديثاً؛ نجد أنها مقيدة بالحاجة والعوز، ويكون نفعها للصالح العام، سواء لسد الثغور وحاجات الفقراء أم لغيرها من المصالح العامة، وليست لجيب السلطان أو أحد أمرائه، الشيء الذي يخالف تماماً ما كان عليه حال الضرائب زمن دولة المماليك من أنها كانت تجبى للمصالح الشخصية ولدواوين السلاطين، أو بدلاً من إنفاق المال الخاص بالسلطان وجنوده.
غير أن أقوال الفقهاء السابقة لا يمكن فهمها بوصفها تأصيلاً لنظام ضريبي دائم، ولا تعريفاً للضريبة بمعناها المؤسسي المستقر، وإنما جاءت تلك الأقوال في سياق معالجة حالات استثنائية مرتبطة بعجز بيت المال، أو ضرورة الدفاع عن ديار الإسلام، أو سد الحاجات الملحة للفقراء والمصالح العامة (13)، وعليه فإن تنزيل هذه الأقوال على الواقع الضريبي في دولة المماليك وغيرها دون اعتبار للفارق السياقي والمنهجي يُعدّ قياساً مع الفارق؛ إذ تحولت الجباية في العصر المملوكي من إجراء طارئ مقيد بالضرورة إلى سياسة مالية ممتدة ومنظمة، اتسمت في كثير من صورها بالدوام والتوسع والتعسف، وهو ما جعل العلماء يفتون بحرمتها كابن تيمية وغيره.
لم يخطئ من وصف عصر المماليك بأنه عصر الضرائب بامتياز؛ إذ ما من مرفق من مرافق الحياة، ولا نشاط من أنشطة المجتمع ولا مكان من أماكنها؛ إلا وقد طالته الجباية، حتى غدت الضرائب سمةً غالبة للنظام المالي في دولة المماليك، وشملت كل شيء إلا الهواء الذي أخلي سبيله وحده وبقي حراً» (14).
يظهر ذلك من خلال الوقوف على نماذج كثيرة من أنواع الضرائب التي كانت مفروضة أو تفرض وتلغى زمن المماليك، وقد عد الدكتور عبد المنعم ماجد (ت: 1420هـ) من أنواع الضرائب والمكوس مما لخصه عن المقريزي (ت: 845هـ) فقال: «فقد كان المكس مقرراً على البيوت والحوانيت (15)، والخانات والحمامات والأفران والطواحين، والبساتين والمراعي، ومصائد الأسماك والمعاصر، والحجاج والمسافرين، والمراكب والصيد، والأغنام والجاموس، والبقر والأفراح، والفواحش وكسح الأوساخ، وحتى على هدايا الفلاحين، فكان الماكس ومعه المستوفون والكتاب يبقون على سواحل مصر القديمة وبولاق لجبايتها …
أو يتكفل بتحصيلها الضمان أو الضامنات مثل ضامنة الأفراح، أو ضمان الحشيش….، إضافة إلى ضرائب التجارة الواردة على الثغور وغيرها كثير من الضرائب التي كانت تدر على الدولة كل يوم أكثر من سبعين ألف درهم (16)، بل لقد فرضت مرةً ضريبة على الصلعان، فكان العامل يقف في السوق يكشف عن رؤوس الناس، فمن وجده أصلع أخذ منه ضريبة» (17).
ويكشف هذا الاتساع اللافت في دائرة الضرائب عن طبيعة الأزمة المالية التي كانت تعانيها الدولة المملوكية، كما يعكس منطقاً جبائياً قائماً على استنزاف الموارد الممكنة كافة، دون اعتبار واضح للفوارق الاجتماعية أو الآثار الاقتصادية بعيدة المدى، ولم تعد الجباية مقتصرة على الأنشطة الكبرى، بل شملت تفاصيل الحياة اليومية، بما يعكس تحوّل الضريبة إلى مورد دائم لسد عجز بنيوي في مالية الدولة، نشأ في الغالب عن سوء الإدارة واستنزاف الموارد لصالح السلطان وأعوانه، لا عن خدمة المصالح العامة.
وقد كثرت وتعددت أسماء الضرائب والمكوس في دولة المماليك، ولعل من أسباب ذلك: السعي إلى التخفيف من وقعها في النفوس؛ إذ ارتبطت ألفاظ كالضريبة والمكس بدلالات سلبية لدى العامة، فجرى الالتفاف عليها بتسميات أخرى أقل نفوراً، مثل: الهلالية، والرسوم، والموجب، والحقوق السلطانية، والمعاملات الديوانية، مع بقاء الحقيقة المالية واحدة، وإن اختلفت الأسماء والصيغ (18)، يقول المقريزي: «والمال الهلالي عدة أبواب، كلها أحدثها ولاة السوء شيئاً بعد شيء» (19).
وقد حمل سلاطين المماليك على الإكثار من فرض الضرائب أسباب كثيرة، من أبرزها:
- أولاً: حالة الحرب التي كانت تعيشها الدولة، متمثلة بالتصدي لأكبر خطرين تعرضت لهما الأمة الإسلامية عبر تاريخها، وهما التتار والمغول من الشرق والصليبيون من الغرب، وكانت خطورتهما أنهما ربما اجتمعا سوياً على ضرب دولة المماليك في نفس الوقت؛ فكان المماليك يلجؤون لفرض الضرائب على الناس بحجة الاستعداد للحرب، وأول من لوح بذلك السلطان قطز (ت: 658هـ) قبيل خروجه لملاقاة المغول في عين جالوت، وكان لسلطان العلماء العز بن عبد السلام (ت: 660هـ) موقفه من ذلك، فقد واجه محاولة السلطان قطز فرض الضرائب على العوام إبان استعداده لملاقاة التتار، وطلب منه العز ومن أمرائه بيع ما بأيديهم من الحلي، وإحضار أموال الدولة كلها، فإن لم تف تلك الأموال بحاجات الحرب؛ يفتي لهم بعدها بجواز أخذ الضريبة من العوام، وكان ما أراده العز (20)، ولكن الأمر بعد العز وقطز قد تغير كثيراً (21)، فقد أصبحت الضريبة تؤخذ دون شرط، وأصبح الاستعداد والتهيؤ للحرب سلاحاً بأيدي عدد من السلاطين يشهرونه لأخذ الضرائب من الناس، وقد أجحف السلطان بيبرس (ت: 676هـ) والناصر بن قلاوون (ت: 741هـ) وغيرهم في فرض تلك الضرائب على العوام كثيرا (22).
- ثانياً: ترف عدد كبير من سلاطين المماليك، وإقبالهم على اللهو والمجون؛ حملهم على فرض المزيد من الضرائب على الناس تجاراً وعواماً لينفقوا على لهوهم، ويسدوا عجز ميزانية الدولة التي أفلسوها (23)، وقد قيل في وصف حالهم ذاك: «غرسوا أنيابهم في أجساد رعيتهم لامتصاص ما لديهم من مال بشتى الطرق والوسائل؛ حتى يعيشوا حياة الترف غير مبالين بآثار تلك الضرائب على الأغلبية الساحقة من مواطنيهم» (24).
- ثالثاً: اكتشاف البرتغاليين لطريق رأس الرجاء الصالح، فقد كان ذلك من أبرز العوامل التي أسهمت في تضخم العبء الضريبي في دولة المماليك؛ إذ مثل هذا الاكتشاف تحولاً جذرياً في مسارات التجارة العالمية، وأاصاب العصب المالي للدولة المملوكية بصدمة عنيفة، فمنذ سقوط بغداد في يد المغول واضطراب طرق التجارة البرية عبر العراق والشام؛ انتقلت تجارة الشرق بين الهند وأوروبا إلى مصر عبر البحر الأحمر، فغدت مصر وسيطاً تجارياً عالمياً، وحقق هذا التحول للدولة المملوكية موارد مالية ضخمة، شكّلت أساس قوتها الاقتصادية وعمرانها الحضاري، غير أن التفاف البرتغاليين على هذا المسار باكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح أفقد الدولة تلك العوائد تدريجياً، وأدى إلى تراجع مواردها التقليدية، الأمر الذي دفع السلطة المملوكية إلى البحث عن بدائل مالية داخلية، فكان التوسع في فرض الضرائب والجبايات أحد أهم هذه البدائل (25).
المطلب الثاني: المصادرات بوصفها مورداً مالياً استثنائياً
- المصادرة لغة: من صدر بمعنى وقع وتقرر، قال ابن منظور: «ومن كلام كتاب الدواوين أن يقال: صودر فلان العامل على مال يؤديه أي فورق على مال ضمنه» (26). وصادرت الدولة الأموال: استولت عليها عقوبة لمالكها (27).
- المصادرة اصطلاحاً: عرف بعض الفقهاء المصادرة بأنها: «حكم ولي الأمر بانتقال ملكية أشياء معينة من الشخص إلى بيت المال» (28).
وكما تختلف الضريبة في دولة المماليك عما سبق وذكر في كلام فقهاء السياسة الشرعية، فإن المصادرة مثلها بل أشد اختلافاً؛ إذ إنَّ أصل المصادرة قد ورد في الشرع من باب التعزير عقوبةً على جناية في حدود معينة، ثم اختلف الفقهاء في جواز التعزير المالي، فنقل الصاوي الإجماع على حرمة التعزير بالمال (29)، وذهب ابن تيمية وغيره إلى جواز التعزير المالي (30).
غير أن كثيراً من المصادرات التي قامت في دولة المماليك تجاوزت حدود وأسباب التعزير الشرعي، وبلغت مراحل لم تشهدها الدولة الإسلامية قبلهم؛ إذ تطورت المصادرة من كونها عقوبة استثنائية إلى أن غدت مصدراً من مصادر الدولة المالية (31)، ولم يسلم منها أحد؛ فلا سلطان سابق، ولا أمير، ولا تاجر، ولا جندي، ولا غيرهم (32). ولذا وصف بعض الباحثين هذه المصادرة بأنها: «عمل تعسفي مجاف للعدالة، ودليل على فساد الإدارة» (33)؛ ولما كان القائمون على جباية أموال المصادرات يستشعرون شناعة هذا الاسم وما يحمله من دلالة سلبية، أطلقوا عليها أسماء متعددة، منها: الترسيم، والحوطة، والغرامة، والعقوبة والجناية، وغيرها (34)؛ على نحو مماثل لما فعلوه في الضرائب، إذ أطلقت عليها تسميات متعددة، كما سبق بيانه.
وقد وقع في تاريخ دولة المماليك أكثر من (3300) مصادرة، كان أكثرها في دولة المماليك الثانية (دولة الجراكسة)، وقد وقفت وراء تلك المصادرات أسباب متعددة، منها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ومنها ما ظل مجهول الدوافع (35)، غير أن الذي يعنينا في هذا المقام هو الوقوف على الأسباب الاقتصادية التي كانت هي الباعث الأول والأساسي على تلك المصادرات، حيث وقع نحو (1486) حالة مصادرة لأسباب اقتصادية (36).
فقد كانت الأوضاع الاقتصادية للدولة المملوكية نعمةً ونقمة على الموسرين من بعض الوجوه؛ ذلك أن ازدهار الوضع الاقتصادي للدولة، بعد تحول طريق التجارة العالمية إلى مصر عبر البحر الأحمر، فتح على السلاطين والأمراء موارد مالية كبيرة إما نتيجة كثرة الضرائب المفروضة على حركة التجارة، أو لكون بعضهم كان يزاول التجارة بنفسه، فجمعوا من وراء ذلك ثروات طائلة.
ثم إن اكتشاف البرتغاليين لطريق رأس الرجاء الصالح، وتحول طريق التجارة العالمية عبر المحيط الأطلسي، أفقد دولة المماليك جل تلك الموارد، بل كان هذا الاكتشاف إيذاناً بسقوطها؛ حيث عجزت في كثير من الأحيان عن تجهيز الجيوش لمواجهة أعدائها؛ الأمر الذي حمل السلاطين على البحث عن موارد مالية أخرى، فكان مصادرة أموال السلاطين السابقين والأمراء ومن دونهم من الناس أحد أهم تلك الموارد، ولا سيما مع علمهم أن كثيراً من هذه الأموال قد أخذ ظلماً وزوراً من عوام الناس والتجار ونحوهم.
وكما كانت السلطة تفرض الضرائب بحجة الاستعداد للحرب أو التلويح بها، فتجبى الأموال ولو لم تقع الحرب فعلياً، كان الحال نفسه في المصادرات؛ إذ جرت مصادرة أموال الأمراء والتجار، وربما بعض العوام، بذريعة تمويل الجيوش وسداد مرتبات الجند، سواء وقعت الحرب أم لم تقع (37).
وعلى محدودية هذه المصادرات واقتصارها على فئات معينة مقارنة باتساع دولة المماليك وكثرة عدد سكانها، فإنَّها كانت تدر على الدولة أموالاً طائلة، ربما قاربت أو فاقت أموال الضرائب المفروضة على عموم الشعب، يتبين شيء من ذلك من خلال الوقوف على نماذج من تلك المصادرات.
فمن ذلك: أنه صودرت أموال التاجر الدمشقي: سيف الدين السرمري (ت: 696هـ) مرتين (38)، الأولى كانت في زمن الظاهر بيبرس (ت: 676هـ)، حيث صودرت تجارته القادمة من اليمن، وغرّم بثلاثين ألف دينار إضافة للمواد العينية من البهار والتوابل وغيرها، ثم صودر في المرة الثانية في عهد المنصور قلاوون (ت: 689هـ) بتهمة أنه اشترى قرية من غير راشد؛ فغرم باسترجاع غلال عشرين سنة بقيمة مائتي ألف دينار (39).
ومن ذلك مصادرة أموال قاضي قضاة دمشق علاء الدين علي بن الصابوني (40) في زمن السلطان الأشرف قايتباي (ت: 901هـ) على مبلغ وقدره مائة ألف دينار، فاعتقل هو وأبوه لأجل سدادها ومات أبوه تحت التعذيب، فقال السخاوي (ت: 902هـ) بأن المصادرة وقعت بدون سبب ظاهر ورسم عليه….، اعتقل والده هناك ثلاثة أشهر متصلة بموته الكائن في محرم التي تليها، وكان ذلك باعثاً على الحث في استخلاص المال بحيث ضرب صاحب الترجمة في ربيع الأول التالي له بقاعة الدهيشة على رجليه، إلى أن أذعن للمطلوب منه، وهو فيما قيل مائة ألف دينار (41).
ومن ذلك مصادرة السلطان الأشرف خليل (ت: 693هـ) أموال القاضي ابن بنت الأعز (ت: 699هـ) وسجنه عقوبة له، وذلك بعد أن اتهمه الوزير ابن السلعوس (ت: 693هـ) بالكفر، وكان القاضي بريئاً من كل ما اتهم به (42).
ومن ذلك أيضاً أنَّ الناصر محمد بن قلاوون (ت: 741هـ) صادر أموال نائب حلب الأمير أسندمر الكرجي (ت: 769هـ) وسجنه، وذلك عقوبة له بسبب شكوى العوام منه (43)، وصادر ابن قلاوون أموال شهاب الدين النويري صاحب التاريخ (ت: 733هـ) عقوبة له بتهمة النميمة (44)، وكل ذلك درّ على خزائن الدولة أموالاً كثيرة، فمصادرة تاجر واحد، أو أمير بمائة ألف دينار كانت تزيد على الضريبة التي تجمعها الدولة من قرية أو قرى كاملة، وقد بلغ إجمالي ما تم مصادرته من أموال الناس في دولة المماليك (627,854,210) دنانير (45).
وأمام هذا الاتساع الكبير في الضرائب والمصادرات، وما ترتب عليهما من اضطراب في استقرار الأموال والملكيات؛ لم يكن عجيباً أن يتجه الناس ولا سيما أهل اليسار والتجارة، إلى التماس سبل مشروعة تحفظ أموالهم من الضياع، وتقيها تقلبات السلطان وتدخلاته، فكان الوقف بما قرره الفقهاء وجرى عليه العمل في عصور الإسلام من أبرز الوسائل التي وظفت في هذا السياق، إذ أتاح إبقاء المال في وجه مشروع، مع إخراجه عن دائرة الاستهلاك المباشر والتصرف السلطاني، وهذا ما سنتناوله بالدراسة في المبحث الآتي.
المبحث الثاني: تحوّل الوقف إلى آلية حماية مالية واجتماعية
ورث المماليك نظام الوقف عن الدولة الأيوبية التي استولوا على حكمها، وكان الوقف زمن الأيوبيين يمر بمرحلة بناء جديدة في كل شؤونه؛ نظراً لتحول مصر في عهدهم من المذهب الفاطمي إلى المذهب الشافعي، أما في زمن المماليك فقد استوى نظام الوقف وازدهر وتطور تطوراً كبيراً سواء في ذلك أنواعه ونظمه، وأسبابه أيضاً، حتى قال محمد أمين: «حتى إنه ليحق لنا أن نقول إنَّ عصر المماليك في مصر يمثل العصر الذهبي لنظام الأوقاف» (46)، وقد تناول البحث دراسة ذلك على النحو الآتي:
المطلب الأول: أنواع الوقف في دولة المماليك
تعددت أنواع الوقف في دولة المماليك وتنوعت نظمه وطرق إدارته، إذ توزعت الشؤون الوقفية على ثلاثة دواوين رئيسة هي ديوان الأحباس، وديوان الأوقاف الحكمية، وديوان الأوقاف الأهلية، ولم يعد قاضي الشافعية – كما كان في زمن الأيوبيين – منفرداً بالنظر في جميع القضايا الوقفية، بل أشرك معه قضاة المذاهب الثلاثة الأخرى، فتوزّعت الاختصاصات القضائية فيما بينهم، مع بقاء قاضي الشافعية مختصاً بالنظر في أموال الأيتام وبعض شؤون بيت المال، وهو ما يعكس تطور البنية الإدارية والقضائية للأوقاف في العصر المملوكي (47).
من خلال الوقوف على ما دونه علماء الفقه والتاريخ عن الوقف في دولة المماليك؛ يتبين لنا أن الوقف كان في زمنهم منقسماً من حيث مصارفه إلى ثلاثة أنواع رئيسة هي:
- الوقف الخيري: وهو ما يُصرف ريعه ابتداءً إلى جهة من جهات البر، كالحرمين الشريفين، والمساجد والمدارس، ودور العلم، ورعاية الأيتام، وغيرها من وجوه الخير، ويُطلق عليه في اصطلاح بعض الفقهاء الأحباس أو الأوقاف الحكمية.
- الوقف الأهلي (الذري): وهو ما يكون ريعه للواقف نفسه، ومعه أو بعده أولاده وذريته من بعده، ثم يؤول – بعد انقراضهم – إلى جهة خيرية، ويكون له ناظر من أولاد الواقف أو من يقوم مقامهم، يُعرف بناظر الوقف.
- الوقف المختلط: وهو نوع جامع بين الوقف الخيري والذري، وحقيقته أن يجعل الوقف على جهة بر معينة، فإذا فاض الريع عن حاجة الموقوف عليهم عاد إلى الواقف وذريته (48)، وسيأتي مزيد بيان لحقيقة الوقف وأسباب شيوعه في العصر المملوكي.
المطلب الثاني: الوقف الذري والمختلط: نماذج تطبيقية
كثرت نماذج الوقف الذري والوقف المختلط في دولة المماليك، سواء عند التجار أو رجال الدولة من السلاطين والأمراء، ويُعدّ الوقف الأهلي (الذري) من أكثر أنواع الوقف انتشاراً في ذلك العصر.
- نماذج من الوقف الذري: فمن ذلك: وقف السلطان قايتباي على أخته وولديها، ثم على ذريتهما من بعدهما (49)، ومنه: وقف شمس الدين محمد بن علي القونسي، إذ نص في وقفيته على أن يكون ثلاثة أربع الريع لأمه، ثم له إن كان على قيد الحياة، ثم لأولاده ونسلهم من بعده (50)، ومن ذلك أيضاً وقفية محمد بن عيسى القاري، حيث أوقفها على نفسه، ثم على أولاده وذريته، ثم على إخوة الواقف وأولادهم وأعقابهم، ثم على من يوجد من أقاربه ونسلهم (51)، وأمثلة ذلك كثيرة جداً، وتكشف هذه النماذج وغيرها، عن شيوع الوقف الذري بين مختلف فئات المجتمع، إذ لم يقتصر على طبقة بعينها، بل صار كل من يملك بيتاً، أو عقاراً يتطلع إلى وقفه على نفسه وذريته وأقارب، لما يتيحه ذلك من تحصين للمال، وتخفيف العبء الضرائب، واتقاء للمصادرة، وهو ما يفسر اتساع هذا النوع من الوقف وانتشاره في الدولة المملوكية (52).
- نماذج من الوقف المختلط: غير أن فئةً من رجال الدولة ونحوهم في دولة المماليك لم يجدوا في الوقف الذري وحده طمأنينةً كافية لحفظ أموالهم، فاتجهوا إلى الوقف المختلط، واتخذوه ستاراً أكثر إحكاماً لتحصين ممتلكاتهم، كما تقدم بيانه.
وقد كثرت نماذج هذا النوع من الوقف عند السلاطين وكبار المتنفذين، وهو ما يظهر جلياً في وثائق أوقافهم وشروطها، فمن ذلك وقف السلطان قايتباي حيث نص في وقفيته على أن فاضل ريع الوقف يصرف للواقف وذريته (53)، ومنه: وقف السلطان برسباي (ت: 841هـ)، إذ أوقف على جامعه أراضي واسعة، واشترط أن يعود ريع الفاضل عن حاجة الجامع إليه وإلى ذريته، ثم لما استقل ذلك العائد، أوقف أراضي أخرى على الشرط نفسه، وهو في حقيقته وقف ذري، غير أنه صيغ في قالب خيري لما يوفره من حصانة أكبر للمال من المصادرة (54).
بل لقد وجد من السلاطين من حدّد مقدار ما يُصرف للموقوف عليه من المال، حتى لا يزيد بزيادة الحاجة؛ ليضمن بذلك أكبر قدر ممكن من العائد لنفسه ولذريته (55)، وتدل هذه الممارسة مع غيرها، على أن الوقف في كثير من صوره لم يكن خالصاً لوجه الله تعالى بقصد القربة وحدها، بل امتزج فيه الدافع التعبدي بهاجس تحصين المال وحفظه من المصادرة، ويؤكد هذا المعنى ما ورد في نصوص وثائق الوقف من اشتراطات دقيقة ومتنوعة، تعكس شدة حرص الواقفين على صيانة أوقافهم.
فمن الواقفين من اشترط ألا يُغيّر الناظر في الوقف شيئاً من شروطه، وألا يستبدل عيناً من أعيانه، وإلا عزل عن نظارته، ومنهم من ألزم ناظر الوقف بتعاهد كتاب الوقف لدى القضاة كل عشر سنين؛ توثيقاً له وضماناً لدوامه وعدم ضياعه، بل لقد تجاوز بعض الواقفين ذلك، فجعل ناظر وقفه من الموقعين لدى القضاة ليبقى الوقف متعاهداً محفوظاً، وبالغ آخرون فنقشوا شروط أوقافهم على الحجر، أو الخشب في جدران منشآتهم، أو أعلنوا عنها على الملأ، أو أكثروا من الشهود عليها؛ وكل ذلك زيادة منهم في الاطمئنان على أوقافهم لأنفسهم ولذريتهم من بعدهم (56).
ومن وسائل التحصين التي لجأ إليها بعض أولئك الواقفين: توظيف عدد من العلماء وذوي الوجاهة والمكانة الاجتماعية في مؤسساتهم الوقفية؛ ليضمنوا بقاء الوقف وصيانته. وقد أشار ابن تغري بردي (ت: 874هـ) إلى هذا المسلك في حديثه عن المعزّ الشهابي أحمد بن الرحيم العيني (ت: 882هـ)، فقال: «ليكون كل منهم مساعداً له في إبقاء الوقف ….. ففاته الحزم فيما قصد، لكون الأقرب فيما قصده تقرير من هو فقير مستحق؛ لما يكون عنده من الإلحاح في الطلبة والمنازعة في الحق، بخلاف الأغنياء المستكفين عن هذا المعلوم، لا يبالون منه إن حصل أو لم يحصل» (57).
ومن محاسن الوقف أن نجح في الغالب في تحقيق هذه الغاية، فلم يتمكن السلاطين من حل تلك الأوقاف، أو الاستيلاء عليها إلا في حالات نادرة، وكان للفقهاء والقضاة دور بارز في حماية الأوقاف وصيانتها، مما شجع أصحاب الثروات على التوسع في الوقف الذري والمختلط، وأسهم في تضخم حجمهما في الدولة المملوكية (58).
المطلب الثالث: دوافع انتشار الوقف وأثر الجباية فيه
تعددت أسباب ازدهار الوقف في دولة المماليك، وتداخلت دوافعه بين الديني والاقتصادي والاجتماعي والسياسي، غير أن العاملين الاقتصادي ثم السياسي كانا من أكثر هذه الأسباب تأثيراً، وفي مقدمتهما كثرة الضرائب والمصادرات؛ إذ أسهمت الاضطرابات الاقتصادية التي أعقبت اكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح، إلى جانب الاضطرابات السياسية وتكرار الصراع على السلطة في زيادة فرض الضرائب، وشيوع مصادرة أملاك الخصوم لأدنى وشاية أو سبب.
فدفع هذا الواقع الميسورين من عوام الناس، ورجال الدولة، وكبار المتنفذين إلى اللجوء إلى التحايل المشروع لحفظ أموالهم، فكان الوقف الذري أحد أهم الوسائل التي اعتمدها الناس اتقاء للمصادرة، وتأميناً لمورد مالي دائم لهم ولذريتهم، ثم مع تصاعد الخوف على الأموال تطوّر هذا المسلك، فأسهم في ظهور نوع ثالث من الوقف، هو الوقف المختلط الجامع بين الخيري والذري (59).
إذ لم ير كثير من رجال الدولة في الوقف الذري وحده ضماناً كافياً لأموالهم من المصادرة والحوطة، فاختبؤوا خلف الوقف المختلط، فراحوا يقفون الأراضي والعقارات الواسعة على جامع أو مدرسة، ثم يشترطون أن يكون ما فضل عن حاجة الجهة الموقوف عليها عائداً إلى الواقف وذريته، مع علمهم أن عقاراً واحداً منها كاف لتغطية نفقات الجامع والقائمين عليه.
وقد عبّر ابن خلدون عن هذه الظاهرة تعبيراً دقيقاً حين قال: «وذلك أن أمراء الترك في دولتهم يخشون عادية سلطانهم على من يتخلفونه من ذريتهم لما له عليهم من الرّق أو الولاء، ولما يخشى من معاطب الملك ونكباته؛ فاستكثروا من بناء المدارس والزوايا والربط، ووقفوا عليها الأوقاف المغلة يجعلون فيها شركاً لولدهم ينظر عليها، أو يصيب منها، مع ما فيهم غالباً من الجنوح إلى الخير والتماس الأجور في المقاصد والأفعال؛ فكثرت الأوقاف لذلك وعظمت الغلات والفوائد» (60).
هذه الظاهرة أي زيادة الأوقاف الذرية والمختلطة كانت استجابة ذكية لواقع الظلم لكنها في الوقت نفسه أدت إلى انكماش وعاء الخراج والضرائب التي تجبيها الدولة؛ مما فاقم مشكلات الخزانة العامة مع مرور الوقت (61)، أي أن المجتمع بهذا الأسلوب كان يفر بنفسه من النار إلى الرمضاء؛ يحمي أمواله نعم، لكنه يحرم الدولة من موارد ربما تحتاجها فعلاً للدفاع والخدمات، فتلجأ الدولة لمزيد من الضرائب على من تبقى من الأملاك غير الموقوفة، وهكذا دواليك في حلقة مفرغة من الفعل ورد الفعل المالي.
المبحث الثالث: الصراع حول الوقف في العصر المملوكي بين السلطة والفقهاء
آثرت أن أختم هذا البحث ببيان موجز لموقف سلاطين المماليك من انتشار الوقف وكثرته، ومحاولاتهم المتكررة الاستيلاء عليه، وموقف العلماء والقضاة من تلك المحاولات، وذلك على النحو الآتي:
لم يكن شيوع الأوقاف واتساعها أمراً مرضياً عند سلاطين المماليك في الجملة، لما يترتب عليه من حرمانهم موارد مالية كبيرة، سواء من الضرائب والمكوس عموماً، أم في أزمنة الأزمات والحروب والحاجة الشديدة إلى المال خصوصاً. ولذلك ظهرت محاولات التعرّض للأوقاف منذ العهد الأول للدولة المملوكية في زمن الظاهر بيبرس ومن بعده من السلاطين، غير أن هذه المحاولات كانت أشد وأوسع نطاقاً في العهد الثاني عصر المماليك الجراكسة؛ نظراً للتحولات الاقتصادية العميقة والضائقة المالية التي مرت بها الدولة، كما سبق بيانه.
وقد كان للعلماء والقضاة عموماً مواقف معارضة ورافضة لمحاولات بعض السلاطين الاستيلاء على الأوقاف، سواء أثمرت هذه المواقف أثراً عملياً أم لم تثمر؛ غير أن تتبع هذه الوقائع يكشف أن مواقف العلماء كانت مسموعةً ومعمولاً بها في الغالب في العهد الأول من الدولة كموقف العز بن عبد السلام (ت: 660هـ) مع قطز (ت: 658هـ)، والنووي (ت: 676هـ) مع بيبرس (ت: 676هـ) وغيرهما، بينما ضعف أثرها في العهد الثاني، حيث لم يلتزم كثير من السلاطين باعتراضات العلماء وفتاواهم (62)، وهو ما يُعزى إلى شيوع الفساد وضعف الوازع الديني، إضافةً إلى اشتداد الحاجة المالية التي دفعت بعض السلاطين إلى التعرض لأموال الوقف.
ومن أبرز مواقف الإنكار العلمي في العهد الثاني ما صدر عن شيخ الإسلام سراج الدين البلقيني (ت: 805هـ)، حين حاول السلطان برقوق الاستيلاء على بعض الأوقاف، فصرح برفضه وقال ما ملخصه: «أوقاف الجوامع والمساجد والمدارس والخوانق التي هي على علماء الشريعة وفقهاء الإسلام، وعلى المؤذنين وأئمة الصلوات ونحو ذلك، لا يحل لأحد أن يتعرّض بحلها بوجه من الوجوه» (63).
ومع ذلك لم يلتزم بعض السلاطين بهذه المواقف العلمية، ومن أوضح أمثلة ذلك ما فعله السلطان فرج بن برقوق عند استعداده لملاقاة تيمورلنك في دمشق؛ إذ جمع العلماء وقضاة المذاهب ليستفتيهم في أخذ أموال الأوقاف فلم يوافقوه، غير أنه لم يعبأ بقولهم، وفوض الأمير يلبغا السالمي (ت: 791هـ) بجمع المال، فاستولى على أموال كثيرة من الناس، وكان مما أخذه أوقاف الجوامع والمساجد، قال ابن تغري بردي: «وأخذ جميع ما وجد من حواصل الأوقاف…، قال المقريزي: فاشتد ما بالناس، وكثر دعاء الناس على السالمي» (64).
ومثل هذه الوقائع وغيرها تكشف عن توتر مستمر بين السلطة والفقهاء في شأن الوقف انتهى في بعض مراحله إلى تجاوز الحكم الشرعي تحت ضغط الواقع السياسي والمالي، مع استمرار الاعتراض العلمي الذي عكس ما للوقف من مكانة راسخة وحصانة معتبرة في الوعي الديني والاجتماعي في دولة المماليك.
الخاتمة
النتائج:
خلص الباحث إلى جملة من النتائج، من أبرزها:
- إن السياسة الجبائية في دولة المماليك تجاوزت إطار الحاجة الاستثنائية والضوابط الشرعية التي قررها الفقهاء، وتحولت إلى ممارسة مالية ممتدة.
- إن الضرائب والمصادرات في دولة المماليك أوجدت شعوراً واسعاً بعدم الأمان على المال، مما دفع الناس إلى الفرار إلى الوقف بوصفه وسيلة تحصين مشروعة.
- إن الوقف في دولة المماليك شهد تحولاً وظيفياً، فانتقل من كونه مؤسسة خيرية محضة إلى آلية حماية مالية.
- إن انتشار الوقف الذري والمختلط في دولة المماليك كان في جوهره نتيجة مباشرة للضغط المالي والتعسف الجبائي، ولا سيما كثرة الضرائب والمصادرات.
- إن موقف العلماء والفقهاء كان في عمومه رافضاً لمحاولات السلاطين التعرض للأوقاف، ومدافعاً عن حرمتها الشرعية، سواء أخذ بآرائهم أم لم يؤخذ بها.
التوصيات:
يوصي الباحث في ضوء نتائج هذه الدراسة، بما يأتي:
- دراسة أثر الفساد الإداري في إدارة الأوقاف على توجه الناس نحو الوقف أو إحجامهم عنه، وذلك من خلال نماذج تاريخية ومعاصرة.
- الاهتمام بدراسة الوقف من زاوية كونه استجابةً لظروف واقعية معينة، كالتعسف أو الفقر، أو الفساد، أو التحوّلات الاقتصادية والسياسية، وعدم الاقتصار على تناوله في إطار أحكامه الفقهية المجردة، بما يبرز أبعاده الوظيفية والاجتماعية.
- دراسة أثر التعسف الجبائي قديماً وحديثاً في توجيه سلوك الأفراد وإضعاف موارد الدولة من الفرار إلى الوقف في العصر المملوكي إلى صور الهروب الضريبي المعاصرة، كالهجرة المالية، ونقل الأصول إلى الخارج، واللجوء إلى الأرصدة الرقمية ونحوها.
