السخرية من الهموم هي حالة من التطبيع الغريب مع السخرية، وثقافة تتشكل بفعل التداول المحتدم للصور ومقاطع الفيديو على مواقع التواصل الاجتماعي، لتجعل مواقفنا من الأوضاع المختلة، والتراجعات المخيفة على مستوى السلوك والقيم، محكومة برد فعل واحد هو الاستهزاء، وتحريك الضحك، وتدبير المقالب!

صار كل شيء في عرف رواد السوشيال ميديا مدعاة للسخرية: الزواج، والطلاق، وأسرار البيوت، والجهد التعليمي، وحتى مسائل الشريعة واختلافات الفقهاء، وعززت الفضائيات العربية هذا المسعى من خلال برامج ومسابقات، وإنتاجات درامية تبسط الفكاهة على جل تفاصيل واقعنا اليومي. لقد كان التفكير حتى وقت قريب منصبا على فهم المشكلة للعمل على حلها، وتفكيك الهموم باستحضار اللطف الإلهي، والإرادة الإنسانية التي تتحمل مشاق الحياة. أما اليوم فنحن أمام ميل غريب إلى تطوير أسلوب للسخرية من المشاكل والبلايا، وإشباع حس الشماتة مما نشعر بعجزنا عن مواجهته أو تغييره.

إن من جملة ما تصدى القرآن لمعالجته، منذ بدء نزوله، هو إضفاء معنى على الحياة الإنسانية، وذلك باستعراض مظاهر التكريم الإلهي للإنسان والغاية من خلقه، وتحريره من حتميات زائفة تشلّ إرادته وملكاته. وكانت الحياة المحمدية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، برنامجا تدريبيا لألوان المشاق والصعوبات التي يمكن أن يواجهها كل مسلم. لذا تتردد في ثنايا كتب السيرة مفردات من قبيل الخوف، والحزن، والهم، والجوع، والغدر، والتآمر، وغيرها من الابتلاءات التي صهرت الضعف الإنساني في بوتقة الإيمان، وعلّمت جيل الصحابة ومن بعدهم معاني الصبر والرضا والبذل، والارتقاء بالهمم من حرث الدنيا إلى حرث الآخرة.

شكّل الانتصار لهموم الإنسان وقضاياه موضوع النبوة ومحور اهتمامها. وتعرض السنة النبوية في هذا الباب جملة من الأحاديث التي ترشد المسلم إلى كيفية إدارة همومه ومشكلاته بأسلوب معتدل ووسطي، فلا يكتفي بالتفرج أو السخرية، ولا يقع تحت وطأتها على نحو يشل قدرته؛ منها على سبيل المثال:

حديث أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما مرفوعا: “ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب، ولا هم ولا حزن، ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفر الله بها من خطاياه.” متفق عليه.

هذا الترتيب النبوي لمتاعب الحياة، من النصب حتى “الشوكة”، ينزع عن الدنيا وهم الراحة الأبدية التي تطمح إليها النفوس. فقد جرت مشيئة الله بأن يتقلب الإنسان بين أحوال عديدة تستفز ملكات البحث عن السبب ثم العلاج. وبالنسبة للمسلم فإن التوجيه النبوي يربط متاعبه النفسية والبدنية بالخطايا، وهكذا تكون لاحتمالها والصبر عليها ثمرة هي التكفير،  وطي صفحة مثقلة بالأوزار.

إنها إذن ثمرة توجب على الإنسان أن يعيد النظر في ردود أفعاله، فيجعل الاحتمال بديلا عن الشكوى، والرضا بديلا عن التذمر، والامتنان بديلا عن السخرية من تجليات اللطف الإلهي.

حديث صهيب بن سنان رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن: إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له.” رواه مسلم.

وهو حقا أمر عجب أن يكون في البلاء والمكروه خير! أي عقل هذا الذي يستوعب أن الحوادث والكوارث، وكل ما يعترض مسار البشرية من آفات ومصائب فيه خير؟ إن العقل الدنيوي الذي تعود أن يُجري حسابات ضيقة، لا يرى الخير إلا فيما يتحقق من منفعة. وليست المنفعة سوى مكاسب تضمن له الغنى، والقوة، والنفوذ، ووهم الخلود. هنا يستوقفنا الحديث لتبيان أن إدراك المنحة في طيات المحنة مرتبط ببصيرة لا يتمتع بها غير المؤمن. فمن أركان الإيمان المعروفة أن يؤمن المرء بالقدر خير وشره، بمعنى أن يستقبل ألوان البلاء بالصبر والرضا والتسليم، وأن الآمر بذلك هو أرحم الراحمين.

حديث أبي هريرة رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” من يرد الله به خيرا يُصب منه.” رواه البخاري.

لقد جرت العادة أن نتلقى الخير من الأهل و الأحبة في صورة واحدة ووحيدة هي العطاء. وسواء كان هذا العطاء ماديا أو معنويا فإنه يُحدث في النفس فرحا وسرورا، ويُسهم في تمتين الروابط، وتعزيز الأواصر، واحتمال ضغوط العيش المشترك. أما أن يكون البلاء و المكروه دليلا على المحبة فهذا ما لا تدركه سوى أرواح لامسها شعاع من النور الإلهي.

لم يسلم الأنبياء من صنوف الأذى والبلاء، بل كانوا هم الأمثل والأشد تعرضا لها، كما دل على ذلك القرآن و نصوص الحديث. وهذه الحقيقة تبطل الوهم السائد لدى فئة عريضة من الناس بأن البلاء عقاب على شر فحسب، أو هو شر أريد بمن في الأرض، بينما تؤسس قصص الأنبياء وجهودهم في تبليغ رسالة التوحيد لمعانٍ جليلة، ودروس في الصبر و اليقين، وحسن التوكل، وتجريد المحبة لله مهما ضاق الأمر واشتد العناء.

حديث أبي هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه ويلم:” ما يزال البلاء بالمؤمن و المؤمنة في نفسه وولده وماله، حتى يلقى الله تعالى وما عليه خطيئة.” رواه الترمذي.

سبقت الإشارة إلى أن إحدى ثمار البلاء هي تكفير الخطيئة، بيد أن ما يعرضه الحديث هنا يتعلق بتجليات البلاء وصوره العديدة. ولو شئنا أن نُمثّل لحياة أي إنسان برسم لقلنا إنها عبارة عن تداخل وتكامل بين دوائر ثلاث: نفسه، وماله، وولده. بها يتعلق القلب مع تفاوت في الحظوظ، فهناك من يحب ماله أكثر مما يحب نفسه وولده، بينما آخر يُقدّم نفسه على كل شيء وهكذا. فكان من الحكمة الإلهية أن يطرق البلاء كل هذه المحبوبات ليجدد المؤمن افتقاره إلى ربه، ويحقق معاني الصبر والتسليم والثبات سلوكا وفعلا، كما عرفها آيات تُتلى  وأحاديث تُروى.

حديث أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:” لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه.” متفق عليه.

 قال النووي : أي من الخيرات والطاعات. وهذا سهل على القلب السليم لأن أساس الأخوة هو صفاء القلب الذي يثمر طمأنينة بين المؤمنين، حيث لا خوف، ولا غدر، ولا ضغينة.

يُنسب إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه قوله: إنه ليمرّ بخاطري الرجل من إخواني وأنا في الليل، فأقوم لأدعو الله وأقول: يا طولها من ليلة! فإذا أصبحت بادرت والتزمته. إن مثل هذه الأخوة هي الروح التي تعين على تبديد الهموم و المصاعب، حين يشعر المرء أنه ليس بمفرده في أتون الحياة، وأن له من إخوانه سند وظهير.

 أن يحب المرء لأخيه ما يحب لنفسه يعني أن يكون مرآته الإيمانية، فينصحه ويوجهه، ويعينه على الطاعة، ويحول بينه وبين المعصية ما استطاع إلى ذلك سبيلا. يفرح لفرحه ويشاطره ما يعتري قلبه من حزن وهم وضيق.

 أخرج الإمام أحمد والحاكم عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه أنه قال: ” ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قضى صلاته أقبل علينا بوجهه فقال:” يا أيها الناس اسمعوا واعقلوا، واعلموا أن لله عبادا ليسوا بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم النبيون والشهداء على منازلهم وقربهم من الله. فجاء رجل من الأعراب من قاصية الناس، وألوى بيده إلى نبيه صلى الله عليه وسلم فقال: ” يا نبي الله، ناس من الناس ليسوا بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء والشهداء على مجالسهم وقربهم من الله؟ انعتهم لنا ! فسُرّ وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم لسؤال الأعرابي فقال:” هم ناس من أفناء الناس ونوازع القبائل، لم تصل بينهم أرحام متقاربة، تحابوا في الله وتصافوا، يصنع الله لهم يوم القيامة منابر من نور فيجلسهم عليها، فيجعل وجوههم نورا، وثيابهم نورا، يفزع الناس يوم القيامة ولا يفزعون، وهم أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.

وتلك ثمرة عظيمة من ثمار البلاء، حين يتحرك إخوانك لإسنادك، وشد أزرك وعضدك!

ليس الغرض هنا هو التضييق على ميل الإنسان إلى المرح، لكن شتان بين فكاهة تحقق الإضحاك، وبين سخرية قوامها التجريح و التهكم،  والتشفي العميق من روابط الحياة الاجتماعية وقيمها، وأسباب تماسكها.

إنه المسلك الذي يُخشى على صاحبه أن يكون ممن عناهم قوله تعالى: ﴿‌وَاتَّبِعُوا ‌أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٥٥) أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ [الزمر: 55-56].