حين تولى عثمان بن عفان رضي الله عنه الخلافة كانت الدولة الإسلامية قد خرجت من طورها العربي المحدود، وأصبحت قوة كبرى تواجه بقايا الإمبراطورية الفارسية شرقًا، والدولة البيزنطية شمالًا وغربًا، ولم تتوقف حركة الفتح بوفاة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، بل استمرت في عهد عثمان واتسعت جغرافيًا، حتى بلغت أرمينية وخراسان، وتقدمت في شمال إفريقية، ودخل المسلمون البحر لأول مرة بقوة منظمة؛ ومن هنا تمثل فتوح عثمان مرحلة جديدة في تاريخ الدولة؛ فلم تعد القضية إسقاط مراكز الإمبراطوريتين الكبيرتين فحسب، وإنما تثبيت ما فتحه المسلمون، ومواجهة محاولات استرداده، ثم الانتقال إلى مناطق أبعد من الحدود التي بلغتها الجيوش في عهد عمر.
تثبيت الفتوح والتقدم شرقًا
كان من أول التحديات التي واجهت خلافة عثمان أن بعض المناطق التي خضعت للمسلمين في فارس نقضت العهود أو اضطرب أمرها بعد مقتل عمر، فكان على قادة عثمان إعادة إخضاعها، ثم متابعة التقدم شرقًا، ومن البصرة انطلقت جيوش عبد الله بن عامر بن كريز والي عثمان عليها نحو بلاد فارس، فاستكملت إخضاع مناطق واسعة من فارس وكرمان وسجستان، ووصلت الفتوح إلى خراسان، ودخل المسلمون نيسابور وهراة ومرو وغيرها من المدن، كان بعضها يفتح صلحًا وبعضها بعد قتال، وربما نقضت بعض المدن صلحها فأعيد فتحها؛ ولذلك يصعب النظر إلى الفتح الشرقي زمن عثمان باعتباره خطًا عسكريًا واحدًا يتحرك باستمرار إلى الأمام؛ فقد كان مزيجًا من تثبيت مناطق سابقة، وفتح مناطق جديدة، وعقد مصالحات مع أهل البلاد؛ وبهذا التوسع أصبحت خراسان من الأقاليم التي دخلت في المجال السياسي للدولة الإسلامية، واقترب المسلمون من مناطق آسيا الوسطى، وهي جبهة ستصبح في العصور التالية من أهم ميادين الفتوحات الإسلامية.
أرمينية والقوقاز
وفي الشمال كانت أرمينية وما حولها تمثل منطقة شديدة الأهمية؛ فهي تقع بين النفوذ البيزنطي والمناطق التي كانت خاضعة للفرس، وتشرف على طرق ومسالك تصل العراق والشام ببلاد القوقاز، وقد أمر عثمان حبيب بن مسلمة الفهري بالتوجه إلى أرمينية، وكان من القادة الذين ظهرت كفاءتهم في فتوح الشام وغزو الروم. ويذكر البلاذري أن عثمان كتب إلى حبيب يأمره بغزو أرمينية، فتوالت العمليات العسكرية والمصالحات في مدنها ونواحيها، كما تحركت الجيوش الإسلامية في مناطق أذربيجان وما حولها، ولم تكن تلك الجبهة سهلة لبعدها وطبيعتها الجبلية وتداخل القوى المحلية فيها، فضلًا عن قربها من المجال البيزنطي.
يكشف هذا الاتجاه شمالًا عن تحول مهم في طبيعة الدولة زمن عثمان؛ فحدودها أصبحت تمتد في مناطق بعيدة تحتاج إلى جيوش دائمة وولاة وقادة قادرين على الجمع بين الحرب والصلح، وإدارة البلاد بعد دخولها تحت سلطان المسلمين.
إفريقية: التقدم غرب مصر
أما في الغرب فقد بقيت الدولة البيزنطية قادرة على تهديد مصر من البحر، وظهر ذلك مبكرًا حين حاول الروم استعادة الإسكندرية في بداية خلافة عثمان، فخرج إليهم عمرو بن العاص وأعاد المدينة إلى سلطان المسلمين، ولم يكن تأمين مصر ممكنًا مع بقاء المناطق الواقعة غربها قواعد يمكن أن تنطلق منها القوات البيزنطية؛ ولذلك اتجهت الأنظار إلى إفريقية، والمقصود بها يومئذ مناطق واسعة من تونس الحالية وما جاورها؛ وكان عبد الله بن سعد بن أبي السرح قد تولى مصر، واستأذن عثمان في غزو إفريقية، فلم يتعجل عثمان الإذن بالتوغل فيها؛ بل شاور أصحابه في الأمر ثم أذن بالحملة، وفي سنة سبع وعشرين للهجرة على المشهور خرج جيش المسلمين إلى إفريقية، وفيه جماعة من الصحابة وأبنائهم كالحسن والحسين وابن عباس وابن الزبير وغيرهم، وواجه القوات التي كانت تقودها السلطة البيزنطية المحلية، وانتهت الحملة بانتصار المسلمين ومقتل جرجير حاكم إفريقية البيزنطي، ثم صالح أهلُ البلاد عبدَ الله بن سعد على مال يؤدونه للمسلمين؛ ولكن هذا الفتح لم يؤد يومئذ إلى استقرار إسلامي كامل ودائم في إفريقية؛ لأن ذلك يحتاج إلى مراحل وحملات لاحقة حتى قيام القيروان، لكنه أزال حاجزًا مهمًا أمام تقدم المسلمين غربًا، وأظهر أن مصر لم تعد نهاية المجال الإسلامي في شمال إفريقية.
من البر إلى البحر
لم يكن التحول الأكبر في فتوح عثمان في المسافة التي قطعتها جيوش المسلمين على اليابسة، وإنما في الانتقال للقتال في البحر؛ فقد ظلت الدولة البيزنطية بعد فقدانها الشام ومصر قوة بحرية ضخمة، تستطيع استخدام أسطولها لمهاجمة السواحل واستعادة بعض المواقع، في حين لم تكن للدولة الإسلامية قوة بحرية تضاهيها، وكان معاوية بن أبي سفيان قد طلب من عمر الإذن بغزو البحر، فلم يأذن له خشية على المسلمين من مخاطره؛ فلما تولى عثمان أعاد معاوية طلبه، فأذن له بعد أن اشترط ألا يجبر الناس على ركوب البحر، وإنما يخرج إليه من اختار ذلك، وقال له: “لا تنتخب الناس، ولا تقرع بينهم، خيرهم، فمن اختار الغزو طائعًا فاحمله وأعنه”.
وفي سنة ثمان وعشرين للهجرة خرج المسلمون إلى قبرص، وشارك في الحملة عدد من الصحابة، منهم عبادة بن الصامت وزوجته أم حرام بنت ملحان رضي الله عنها، التي تحقق فيها ما أخبرها به النبي ﷺ حين قام من نومه يضحك فقالت له: “ما يضحكك يا رسول الله؟ فقال: (ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله، يركبون ثبج هذا البحر، ملوكًا على الأسرة، أو قال: مثل الملوك على الأسرة) فقلت: ادع الله أن يجعلني منهم، فدعا” رواه البخاري. ودخلت قبرص في صلح مع المسلمين، وبدأ بذلك حضور بحري إسلامي منظم في شرقي البحر المتوسط.
ولم يكن إنشاء القوة البحرية زمن عثمان ترفًا توسعيًا، بل فرضته طبيعة المواجهة مع الروم؛ فالدولة التي امتلكت الشام ومصر بسواحلهما الطويلة لا تستطيع الدفاع عنهما بقوات برية وحدها، ما دام خصمها يملك أسطولًا قادرًا على الحركة في المتوسط؛ ولهذا يمكن النظر إلى الفتوحات في عهد عثمان باعتبارها انتقالًا من مرحلة إسقاط القوى الكبرى في المشرق إلى مرحلة تثبيت الدولة وتوسيع مجالها الاستراتيجي.
الخاتمة
وهكذا لم تتوقف حركة الفتوح في عهد عثمان رضي الله عنه؛ وإنما اجتمع فيها تثبيت ما سبق فتحه زمن عمر مع الوصول إلى مناطق جديدة، ثم كان التحول الأبرز دخول المسلمين ميدان البحر، لتكتمل بذلك قدرتهم على مواجهة الدولة البيزنطية في البر والبحر.