ملخص البحث
أهداف البحث:
يهدف البحث إلى توجيه الدارسين وطلبة العلم، وإثارة اهتماماتهم بالبحث والتعمق في قضايا الأسرة؛ لما تتعرض له من تحديات في وقتنا الراهن، باعتبارها اللبنة الأولى للمجتمع، ولما يثمره الحفاظ عليها من بقاء النوع البشري، وإعمار مادي ومعنوي للأرض، ولما يحققه بناؤها، وفق منهج سليم، من ترسيخ المودة والرحمة بين أفراد الأسرة البشرية.
منهج البحث:
جمع البحث بين المنهجين؛ الوصفي والاستقرائي في استعراض مفهوم الأسرة وأهمية بنائها، مع تتبع ضوابط ومحددات الحفاظ عليها، من خلال أحاديث النبي ﷺ في مظانها من كتب السنة، بغية استخلاص نتائج منضبطة وخلاصات مؤثرة ومفيدة.
النتائج:
من أبرز نتائج البحث أن المجتمعات اليوم بحاجة إلى عملية تحصين ديني وأخلاقي يعصمها من مؤثرات العولمة الجارفة وما تطفح به من فساد، كما أن تحقيق التوافق والانسجام المجتمعي تضمنه البرامج التوعوية الخاصة، مثل برامج تدريب المقبلين على الزواج، كما يضمنه جعل موضوع الأسرة في صدارة اهتمامات الباحثين وقادة الرأي سبيلًا إلى وضع استراتيجيات وخطط مدروسة لحمايتها من تسلل النظريات والتيارات المجافية للدين والقيم.
أصالة البحث:
استكشف البحث أن الهدي النبوي في قضايا بناء الأسرة، منهج يراعي الأبعاد المقاصدية للموضوع دون إغفال لامتداداته التطبيقية.
The Prophetic Model of Family Formation and Preservation: Principles and Normative Foundations
Abstract
Objectives: This research examines the Prophetic methodology and its foundational principles for establishing and preserving the family in light of contemporary challenges facing it as the corner-stone of society. Family preservation ensures the continuity of humanity, promotes material and moral development, and, when grounded in sound guidance, nurtures affection and compassion among its members.
Methodology: The research combines descriptive and inductive methods. It examines the concept of family and the significance of its proper formation, and derives principles for family preser-vation from the Prophetic tradition through an analysis of relevant narrations in the canonical collections of the Sunnah to formulate well-grounded conclusions and practical recommendations.
Findings: This research finds that contemporary societies urgently need ethico-religious fortifica-tion against the moral challenges associated with globalization. It emphasizes strengthening social cohesion through awareness initiatives, including premarital training programs, and by prioritizing family-related matters in public discourse and academic research, to develop strategies that protect the family from ideologies and trends that undermine faith and core values.
Originality: This research offers a foundational contribution to family studies by examining Pro-phetic guidance on family formation and preservation through a maqāṣid-oriented (higher objec-tives of Sharia) perspective.
مقدمة
انفرد دين الإسلام بخصائص ميّزته عن الأديان والملل والنحل الأخرى؛ إذ جمع من الوسطية والواقعية والربانية والشمول والخلود ما لم يحوه دين. فظهرت تشريعاته وضوابطه التي تقيم الحياة على مقتضيات الإيجابية، وتبني الإنسان على موجبات الاستقامة في الفكر والخلق. وكانت أركان الدين ونصوصه قائمة على التوسط في التكليف، مع اعتبار الطبيعة البشرية المخلوقة، واتسمت تكاليفه بالجمع بين النص والواقع، والفرد والجماعة، والدين والدولة، والمرأة والرجل، والدنيا والآخرة. ومن أبرز ما اعتنت به شريعة الإسلام نظام الأسرة؛ بما في ذلك قوامها وأسسها وشروط بنائها واكتمالها، فأحاطتها بسياج وقائي، وأحكمت أركانها وأدوارها بما يستلزمه صلاح الأمة، وما يقتضيه الاستخلاف في الأرض، وتأدية الأمانة، وتأمين المعاش، وتحقيق أمر المعاد.
ولما للأسرة من أهمية في الرؤية الإسلامية؛ باعتبارها اللبنة الأولى والأساس للمجتمع الناجح، ولما يثمره بناؤها على أسس قويمة من صلاح وتحقيق لمقاصد التشريع، وتأسيسٍ على مقتضيات النصوص الشرعية؛ بما تتضمنه من جلب للمصالح ودرء للمفاسد، وتحقيق للمودة والرحمة، وترسيخ لقيم التعايش والتعاون والتعاضد؛ ولما يتسم به المنهج النبوي من كمال وتفرد نابع من مرجعيته الإلهية كتنزيل من حكيم خبير؛ فإن دراسة «المنهج النبوي في بناء الأسرة تكتسي أهمية قصوى، وتشكل هدفًا أكيدًا. ومن أجل تحقيق هذا الهدف، انطلقت هذه الدراسة لاستكشاف ضوابط المنهج النبوي في بناء الأسرة ومحدداته.
إشكالية الدراسة:
يسود في الآونة الأخيرة نقاش حاد حول الأسرة المسلمة؛ بسبب تعدد المرجعيات واختلافها وتناقضها أحيانًا، بيد أن هذا النقاش يثير جدلًا في بلاد المسلمين؛ لكون المرجعيات المفترضة هي الكتاب والسنة، وما خصصه التشريع الإسلامي من ضوابط لإقامة الأسرة وصيانة قيمها وتنظيم وظائفها، الأمر الذي تنكرت له، أو تناسته بعض الدوائر، وبعض المنظمات الحقوقية المتأثرة بالطروحات النسوية وخطابها المناقض لمرجعيات الإسلام الصحيحة؛ مما يحتم علينا توضيح الصورة من خلال عرض المنهج الإسلامي الصحيح في بناء الأسرة، واستعراض ضوابطها ومحدداتها، بالاعتماد على أصل التشريع ونموذجه العملي الذي هو النموذج النبوي الصحيح.
ولتحقيق هذه الغاية، تنطلق الدراسة من السؤال الرئيس الآتي:
كيف أسّست السنة النبوية لبناء الأسرة المسلمة، وما دور منهجها التطبيقي في معالجة التحديات المعاصرة التي تواجهها؟
ويتفرع عن هذا السؤال الرئيس سؤالان فرعيان هما:
- ما الضوابط الشرعية التي قرّرتها السنة النبوية لبناء الأسرة وصيانة كيانها؟
- ما المحددات العملية لهذا البناء في ضوء الهدي النبوي، وكيف يمكن توظيفها في مواجهة الإشكالات المعاصرة؟
أهداف الدراسة:
تسعى هذه الدراسة إلى تحقيق مجموعة من الأهداف الأساس، منها:
- تحديد الضوابط الشرعية المنصوص عليها في السنة النبوية لبناء الأسرة وحمايتها.
- استعراض المحددات العملية للمنهج النبوي في بناء الأسرة وتنظيم وظائفها.
- توضيح دور المنهج النبوي في مواجهة التحديات المعاصرة التي تهدد استقرار الأسرة المسلمة.
- إبراز التكامل بين المرجعية الشرعية والحلول المعاصرة في تعزيز المودة والرحمة بين أفراد الأسرة.
- تقديم رؤية تطبيقية لكيفية استلهام الهدي النبوي في السياسات والبرامج الأسرية المعاصرة؛ بما يعزز الاستقرار الاجتماعي.
الدراسات السابقة:
القيم الأسرية في السنة النبوية: بيان وتأصيل(1)
تناولت هذه الدراسة أهمية القيم النبوية في بناء الأسرة؛ مثل: العدل، والرحمة، والاحترام. واستعرضت دورها في ترسيخ استقرار الأسرة والمحافظة على كيانها. ورغم استفادة البحث الحالي من هذه الدراسة في إبراز دور القيم النبوية، فإنها تبقى نظرية وتحليلية دون تقديم ضوابط واضحة لكيفية تطبيق هذه القيم عمليًا؛ أما بحثي هذا فيضيف بعدًا عمليًا وأكاديميًا آخر من خلال استنباط الضوابط الشرعية لتطبيق القيم النبوية، وربطها بالبرامج والمؤسسات الحديثة مثل: «وفاق» و«وتد»، وتحليل أثرها على الأسرة القطرية ووعي الشباب، مما يوفر بعدًا تطبيقيًًا واقعيًا يوضح كيفية تفعيل هذه القيم.
منهجية التعامل مع مشاكل الأسرة في ضوء السنة النبوية: دراسة تحليلية(2)
قدمت هذه الدراسة تحليلًا لنماذج محددة من المشكلات الزوجية، مع التركيز على حديث نبوي واحد لكل مشكلة لاستخلاص العبر والقيم منه. وقد استفادت من هذا المنهج في إبراز كيفية تطبيق بعض النصوص النبوية على حالات واقعية؛ إلا أن الدراسة تبقى محدودة من الناحية المنهجية لعدم وجود ضوابط عامة، أو إطار تطبيقي شامل.
بالمقابل، يحدد بحثي هذا الضوابط الشرعية الدقيقة، ويضع المنهج النبوي كإطار تطبيقي للتعامل مع المشكلات الأسرية المعاصرة، مع تحليل التحديات الواقعية للأسرة القطرية وربطها بالبرامج والمؤسسات العملية؛ مما يوفر نموذجًا عمليًا لتفعيل القيم النبوية وضمان استقرار الأسرة والمجتمع.
مصطلحات الدراسة:
– مصطلح المنهج النبوي: نعني به الصراط المستقيم والمحجة البيضاء التي أبان النبي ﷺ معالمها وحدودها، وهو المنهج الذي يصطبغ به عمل المؤمن.
– مصطلح الضابط: نعني به القاعدة الكلية التي تنطبق على فروع باب فقهي معين، يقول السبكي: «والغالب فيما اختص بباب وقصِد به نظم صور متشابهة أن يسمى ضابطًا(3)» .
– مصطلح المحددات: يراد به غالبًا الإطار الناظم للبحث وحدوده.(4) ويقصد به هنا الإطار الناظم للمنهج النبوي وحدوده.
خطة الدراسة:
تتضمن الخطة المبحثين الرئيسين التاليين:
- المبحث الأول: ضوابط المنهج النبوي في بناء الأسرة.
- المبحث الثاني: المنهج النبوي في حماية الأسرة ومواجهة التحديات المعاصرة.
المبحث الأول: ضوابط المنهج النبوي في بناء الأسرة
المطلب الأول: مفهوم الأسرة وتطوره
الأسرة في دلالتها اللغوية؛ تطلق على الدرْع الحصينة، وَتطلق كذلك على أهل الرجل وعشيرته(5)، وأطلقت أسرة الرجل على عشيرته ورهطه الأقربين؛ لأنه يتقوى بهم.(6)
والمعجم الفلسفي حدد لها إطلاقات متعددة، منها:
- الجماعة المؤلفة من الأقارب.
- الجماعة المؤلفة من أفراد الأسرة الذين يعيشون في بيت واحد. -3 الجماعة المؤلفة من الوالدين والأولاد.
وقسمها إلى:
- الأسرة ذات الزوجة الواحدة (Monogamie)
- الأسرة متعددة الزوجات (Polygamie)
- الأسرة متعددة الأزواج (Polyandric) (7)
عرف مفهوم الأسرة تغيرات عميقة في العصر الحديث مع انتشار الفكر النسوي وما طفح به من توجهات مصادمة للفطرة وطبائع الأمور، فاتسع مفهوم الأسرة ليشمل الزواج بين رجل وآخر، وهو شذوذ عن مقتضى الفطرة وانتهاك لشرع الله، وقد جعل الله اللواط من أعظم الفواحش وأشنع الكبائر ، قال الله تعالى في حق قوم لوط: ﴿ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَالَمِينَ ﴾ [العنكبوت:28]، وقال لوط عليه السلام لقومه: ﴿أتأتون ٱلذكرَان مِنَ ٱلۡعلَمِيَن﴾ [الشعراء:165] وحكمت الشريعة على اللائط والملوط به بالقتل. فقد ورد في الحديث: «من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط، فاقتلوا الفاعل والمفعول به»(8)، كما أصبح مفهوم الأسرة يشمل «الزواج» بين امرأتين. وهو ما عرف بالسحاق، وهو محرم بالفطرة والشريعة، وقد ورد في الحديث: «السِّحاق بين النِّساء زنًا بينهن.(9)»
والرؤية الإسلامية للأسرة قائمة على الرابطة الزوجية وفق الضوابط الشرعية، باعتبارها رابطة مقدسة تضارع رابطة النسب في أهميتها، فقد عطف القرآن علاقة المصاهرة على علاقة النسب، قال تعالى: ﴿وهو ٱلِذي خلق مِن ٱلماءِ بشرا فَجَعَلَهُۥ نسَبٗا وَصِهۡرٗاۗ وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرٗا﴾ [الفرقان:54]، لكن مفرزات الحداثة الغربية وما بعدها لا تشترط في الزواج أن يكون بين رجل وامرأة، كما تقتضيه الفطرة ومقتضى الخلق والدين؛ بل تسمح بتكوين علاقات زوجية بين رجل ورجل، وامرأة وامرأة. لذلك فإن نظام الأسرة في الغرب لم يعد قادرًا على الحفاظ على توازنه وطبيعته.(10)
وفي الرؤية الإسلامية، تعتبر الأسرة النواة الأولى للمجتمع وأساس تشكله وبنائه، انطلاقًا من منظومة قيميّة تتحقق بها المودة والرحمة والتعاون المثمر، وتتحقق بها السعادة في الحياة الدنيوية والأخروية.
ويؤكد سيد قطب أن النظام الاجتماعي في الإسلام يرتكز على الأسرة بوصفها نظامًا ربانيًا منسجمًا مع الفطرة الإنسانية، ومنبثقًا من أصل الخلق؛ بما يحقق للإنسان توازنه واستقراره .(11) ولذلك، فإن اشتراط التدين ضمن خصال الكفاءة في الزواج هو الأولى لما في عدمه من الفجور والنقص عند الله وعند الخلق(12) وللأسرة ركنان أساسيان هما: الزوج والزوجة، وما ينتجانه من أبناء وبنات، وما يرتبط بهما من قرابة ورحم.
المطلب الثاني: أهمية بناء الأسرة
بما أن الأسرة هي اللبنة الأولى للمجتمع؛ فإن تشكيلها على أسس سليمة من أعظم المقاصد الشرعية التي حثت عليها النصوص. ورغم انتشار المصطلح بمعناه وشيوعه في مجال التداول؛ فلم يرد بهذا اللفظ في القرآن، أو السنة؛ إذ نجد مصطلح الأهل في قوله تعالى: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم:6] وفي الحديث: «خيركم خيركم لأهله(13)»؛ لكن لا نجد في النصوص مصطلح الأسرة. والقرآن نزل بلسان عربي مبين، واستخدم الكلمات التي كانت شائعة ومفهومة في بيئة النزول، مع إعطائها عمقًا جديدًا، وقد يكون القرآن الكريم في استخدامه «الأهل» يشير إلى أن الروابط الأسرية في الإسلام قائمة على المعنى لا على الشكل، وعلى المسؤولية لا على التقسيم الاجتماعي فقط.
ونستعرض بعض النصوص الدالة على أهمية بناء الأسرة الصالحة، مع بعض الإضاءات التوضيحية، سبيلًا إلى دراسة الموضوع بشكل تأصيلي يستحضر الهدي النبوي والمقاصد الشرعية.
أولًا: النصوص القرآنية الدالة على أهمية بناء الأسرة:
تبرز نصوص القرآن الكريم أهمية بناء الأسرة في الإسلام، مستندة إلى معلمين قرآنيين ضابطين:
1- السكن والمودة والرحمة:
توضح الآية الكريمة ﴿وَمِنۡ ءَاَٰيتِهِٓ أَنۡ خَلَقَ لَكُم مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ أَزۡواجٗا لِّتَسۡكُنُوٓاْ إِلَيهَا وَجَعَلَ بَيۡنَكُم مَّوَدَّةٗ وَرَحۡمةً إِنَّ فِ َٰذلِكَ لأَٓياتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم:21 ] أهمية الأسرة في الإسلام، فهي تعبير صريح عن مقاصد الزواج، المتمثلة في تحقيق السكن النفسي والطمأنينة، وإقامة المودة والرحمة بين الزوجين، وتنطوي هذه الآية على معانٍ سامية ومقاصد نبيلة، تتمثل فيما يلي:
أ- وحدة الأصل:5>
ذكرت الآية أن الله خلق للإنسان من نفسه زوجًا؛ ففي خلق حواء من ضلع آدم، وخلق النساء من ماء الرجال، ما يؤكد الألفة والمحبة بين الزوجين. وعلق الإمام البيضاوي على ذلك قائلًا: «انتماء الرجل والمرأة إلى جنس واحد هو سبب رئيس للألفة والترابط بينهما»، مؤكدًا أن التنوع في الصفات والوظائف داخل هذا الجنس الواحد هو ما يحقق التكامل بين الزوجين دون تعارض (14) .
وتكشف هذه الدلالة القرآنية عن أن العلاقة بين الرجل والمرأة قائمة على وحدة الأصل الإنساني والتكامل الوظيفي لا على الصراع والتنازع. ومن ثمّ، فالخطاب النسوي الحديث الذي يؤسّس العلاقة بين الجنسين على منطق الندية، أو إلغاء الفوارق الفطرية، يتعارض مع التصور القرآني الذي يجعل الاختلاف سببًا للتكامل وبناء الأسرة، لا مدخلًا للتفكيك، أو التقابل.
ب- الحكمة من خلق الأزواج:5>
جعل الله من تلك العلاقة أنسًا وتوازنًا نفسيًا ورحمة ومودة، ومحبة الرجل لزوجه، والشفقة عليها من أن يضرها بسوء ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾؛ أي ما ذُكِرَ في هذه الآية من حكمٍ وأسرارٍ يَشتمل على عِبَر عظيمةٍ لأولي الألباب، الذين يتفكّرون في عظمة الخالق وقدرته النافذة، ويستدلون بحكمته البالغة في خلقه وتدبير.(15)
ج- المنظور المقاصدي:5>
يؤكد ابن عاشور أن هذه الآية تنطوي على دلالات مقاصدية، منها:
– دعوة إلى التفكر في آيات الله؛ فقد جعلت الآية ما تضمنته من حكم آيات لعقول المتدبرين، وخصت بالذكر «لقوم يتفكرون» وهم الذين يستعملون نعمة العقل التي منحهم الله إياها، سواء كانوا مسلمين، أو من غيرهم من أصحاب الفطرة السليمة من غير المسلمين.
– تقنين نظام التكاثر البشري: أقرت الآية التزاوج بين الذكر والأنثى كأساس للتكاثر، بما يضمن استمرار النوع البشري بشكل منظم ومنضبط.
– تحقيق الأنس والتكامل الجنسي: حيث جعلت زوج الإنسان من جنسه ونوعه، مما يحقق الألفة والأنس الذيْن لا يتحققان مع الجنس المغاير، مع ما خص به كل جنس من خصائص تكاملية.
– إيجاد المودة والرحمة: فقد جعل الله في علاقة الزواج من المودة والرحمة ما يمكن من خلالهما تحقيق التعايش والتعاون بين الزوجين، وبالتالي استقرار الأسرة والمجتمع(16) .
وهكذا يبرز الشيخ ابن عاشور البعد الاجتماعي والمقاصدي لنظام الأسرة في الإسلام، الذي يقوم على الفطرة ويحقق المصالح الكبرى للأفراد والمجتمعات.
ومن ثمّ فإن هذا التصور المقاصدي لنظام الأسرة، القائم على الفطرة والتكامل وتحقيق المصالح العامة، يتباين مع بعض الطروحات الغربية المعاصرة في قضايا المرأة، التي تميل إلى إعادة تعريف العلاقة بين الجنسين خارج إطار الفطرة ونظام الازدواج، أو تفكيك البنية الأسرية التقليدية، بما يؤدي إلى إضعاف مركزية الأسرة في البناء الاجتماعي.
د- التفسير النفسي والاجتماعي:5>
يحرص المفسرون في تفسيرهم للآية على إبراز البعدين النفسي والاجتماعي؛ حيث يفسر ابن كثير المودة والرحمة بما ينشأ عن الزواج من وشائج وأواصر المودة والقربى، فيقول: «جعل بينكمَّ بالمصَاهَرة وَالختوّنَةۡ مودَةَ للتوُادّ بها، والتواصل من أجلها، )وَرَحْمةً( رحمكم بها، فيعطف بذلك بعضكم على بعض ﴿إِن فِ ٰذلِك لأَٰٓيتٖ لِقومٖ يتفكرون﴾ [الروم:21] ».
أما الشيخ الشعراوي، فيتوقف عند الدعوات المعاصرة المطالبة بحقوق المرأة ومساواتها بالرجل، لما قد يستبطنه ذلك من حالة تناقض، أو عداء، والحقيقة أن العلاقة بين الزوجين تكاملية، فكل منهما يكمل الآخر، ومن هذا التوازن تتأسس الأسرة السعيدة. ويؤكد الشعراوي أن اختلافهما الوظيفي لا يؤدي إلى تناقض، ويتعجب من يزعم أن على المرأة أن تحتل مكانة الرجل وتقوم بأعماله، ويعلق قائلًا: «لا يُمكن أن تتحمّل المرأة أعباءَ الرجل إلا إذا حمل الرجل أعباءَ المرأة، فيحمل كما تحمل، ويلد كما تلد، ويرضع كما ترضع، فدعونا من هذه الشعارات غير الواقعية» (17).
بذلك يتضح أن إبراز البعدين النفسي والاجتماعي في تفسير الآية يهدف إلى بيان حكمة التشريع في بناء الأسرة على أساس المودة والرحمة والتكامل بين الزوجين لتحقيق استقرارها وسعادتها.
2- الحث على تزويج الأيامى:
بعد أن استعرضنا أهمية المودة والسكن في تأسيس الأسرة وضمان استقرارها النفسي والاجتماعي، يكمّل القرآن الكريم الصورة بالحث على الزواج، كضرورة عملية لتحقيق الاستقرار الأسري والمجتمعي. فالترتيب القرآني – بدءًا بالمودة والسكن ثم الدعوة إلى الزواج – يظهر أن القرآن يحرص أولًا على إقامة الأساس العاطفي والنفسي بين الزوجين، ليكون تمهيدًا طبيعيًا لقبول الزواج وتحمل مسؤولياته. على عكس المفهوم الغربي الذي ربط الحب أحيانًا بعاطفة حرة متجردة من الزواج، يؤكد الإسلام أن المودة والرحمة بين الزوجين لا تتحقق إلا ضمن عقد الزواج الشرعي، فلا يكون الحب في الإسلام قائمًا دون زواج؛ بل يُختتم به ويحميه.(18)
أ- توجيه القرآن إلى تزويج الأيامى:5>
قَالَ تَعَالَى ﴿وَأَنكِحُواْ ٱلۡأيَٰم مِنكُمۡ وَٱلَّٰصلِحِيَن مِنۡ عِبَادِكُمۡ وإَمِآئِكُمۡۚ إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغۡنِهِمُ ٱلَّل مِن فَضۡلِهِۗۦ وَٱلَّل َٰوسِعٌ عَلِيمٞ﴾ [النور: 32] ، يبين الإمام الطبري أن الأيّم هو من لا زوج له من الرجال، أو النساء .(19)
ترشد الآية إلى تزويج القادرين من غير المتزوجين ومن الصالحين، مع تأكيد أن الفقر ليس عائقًا؛ لأن الله يغني من يشاء، في مقابل ظهور مفاهيم تبرز في الغرب، مثل «الأم العزباء» و«الثنائي المرتبط» التي تشْرعن علاقات خارج الزواج الرسمي وتهدد النسب واستقرار الأسرة.(20)
ب- المنظور المقاصدي:5>
يرى الإمام البيضاوي أن نكاح الأيامى والصالحين من العبيد يحقق مقاصد شرعية عليا، منها:
– تَرْسِيخ قيم الطهر والعفاف.
– صيانة المجتمع من السفاح واختلاط الأنساب.
– تحقيق الألفة والرحمة وصلة النسب.
– ضمان بقاء النوع الإنساني من خلال التناسل المشروع.
ج- توجيه الخطاب للأولياء:5>
في قوله تعالى: ﴿وَأَنكِحُواْ ٱلۡأيَٰم مِنكُمۡ وَٱلَّٰصلِحِيَن مِنۡ عِبَادِكُمۡ وإَمِآئِكُمۡۚ﴾ إلى الأولياء المؤتمنين على رعاية مصالح من تحت ولايتهم، وَيَتَوَقَّفُ الإمام البيضاوي عند كلمة «الصالحين» متسائلًا ؛ أَهُمُ الصالحون بأخلاقهم وأفعالهم، ويرى أن إحصان دينهم وإصلاح شؤونهم أهمّ، أو أن المراد بالصالحين من لديهم القدرة على الزواج بتحمل مسؤوليته وأداء حقوقه، مبرزًا أن الفقر ليس عائقًا عن الزواج، كما تُبيِّن الآيات ﴿وَإِنۡ خِفۡتُمۡ عَيۡلَةٗ فَسَوۡفَ يُغۡنِيكُمُ الله مِن فَضۡلِهِ﴾ [التوبة: 28] وقوله تعالى ﴿إِن يَكُونوُاْ فُقَرَآ ءَ يُغۡنِهِمُ الله مِن فَضۡلِهِۗۦ﴾. [النور:32] (21)
يبرز توجيه الخطاب للأولياء أهمية دورهم في حماية مصالح من تحت ولايتهم والإشراف على حقوقهم وشؤونهم؛ إذ يكفل حضور الولي عدم التلاعب، أو الاستغلال.
ثانيًا: النصوص النبوية الدالة على أهمية بناء الأسرة
ولأن القرآن والسنة يخرجان من مشكاة واحدة، فرسول الله ﷺ ما ينطق عن الهوى؛ بل هو وحي يوحى، لقد جاءت السنة النبوية المطهرة مفسرة للقرآن، ومؤكدة مبادئه، ومجسدة قيمه في واقع الحياة. فإذا كان القرآن الكريم قد وضع الأسس العامة لبناء الأسرة السليمة، فإن سنة النبي ﷺ جاءت لترسم الطريق العملي لتحقيق هذا البناء، وتزيل العقبات عنه، وتظهر حكمته ومقاصده العظيمة.
أ-الوعد الإلهي بالغنى وتيسير الزواج والإعفاف:
أكدت السنة النبوية الحث القرآني على تزويج الأيامى، وجعلت الزواج وسيلة لتحصين الأفراد وصيانة المجتمع، كما في:
الحديث الأول: توجيه الشباب إلى السكن والعفاف يقول ﷺ: «يَا مَعْشَر الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَر وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَم يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ.(22)» يدل الحديث على أن الزواج سبيلٌ إلى العفة وضبط الشهوة، وتحقيق السكن النفسي، مع توجيه تربوي بديل عند العجز المؤقت.
الحديث الثاني: بناء جيل المستقبل والاعتزاز بالأمة، وفي الحديث: «تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم(23)»، ويبرز هذا التوجيه البعدين الحضاري والاجتماعي للزواج، من حيث بناء الأسرة الصالحة، وتكثير الأمة، وتعزيز قوتها واستمرارها.
فهم صحابة رسول الله ﷺ هذا الوعد الإلهي فهمًا عميقًا، فحثوا الناس على الثقة والعمل به:
فقال أبو بكر الصديق – رضي الله عنه: «أَطِيعُوا الَّله فِيمَا أَمَرَكُمْ بِهِ مِنَ النِّكَاحِ، يُنْجِزْ لَكُمْ مَا وَعَدَكُمْ مِنَ الْغِنَى(24)» مُستشهدًا بقوله تعالى: ﴿إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ الَّله مِن فَضْلِهِ﴾. فجعل – رضي الله عنه – طاعة الأمر بالزواج السبب المباشر.
لم يقتصر التوجيه النبوي على الحثِّ النظري على الزواج؛ بل جسَّده ﷺ سلوكًا عمليًا في تيسير أسبابه وإزالة عوائقه؛ فقد ورد أن رجلًا جاءه يريد الزواج ولم يجد ما يقدِّمه مهرًا، فقال له ﷺ: «الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَما مِنْ حَدِيد(25)» ويُظهر هذا الموقف حرص النبي ﷺ على إزالة العقبات المادية أمام الزواج، وتشجيع التيسير العملي لتحقيقه.
عن جابر بن عبد الله – رضي الله عنهما – قال: قال رسول الله ﷺ: «أيما شاب تزوج في حداثة سنه إلا عج شيطانه:
يا ويله، يا ويله، عصم مني دينه(26)»، وقول رسول الله ﷺ «يا عياض لا تَزَوّجن عجوزًا ولا عاقرًا، فإني مكاثر بكم.(27)»
وتبين هذه الأحاديث حرص النبي ﷺ على ترسيخ الزواج كركيزة أساس لبناء الأسرة، وحماية الفطرة، وضمان استمرارية النسل الصالح، مما يعكس الأهمية الكبرى لبناء الأسرة.
ب- التأكيد على فضل الزواج وبناء الأسرة:
تتواتر الأحاديث النبوية التي تؤكد أهمية الزواج وبناء الأسرة، منها: – حديث «من أحب فطرتي فليستن بسنتي ومن سنتي النكاح.(28)»
ويركز سيد قطب على إزالة العوائق المادية باعتبارها عقبة كأداء في بناء البيوت وتحصين النفوس. ولم يفرض الإسلام العفة إلا وقد وفر لها الظروف، حتى لا ينحرف إلا متهتك. فأمر بتزويج الأيامى، وهم من لا أزواج لهم من الجنسين(29)،
ج. المرأة الصالحة: أساس استقرار الأسرة
لم يقتصر المنهج النبوي على الحث على الزواج فحسب؛ بل امتد ليرسم معالم اختيار الزوجة الصالحة التي تقوم مع الرجل بتأسيس هذه اللبنة الأساس في المجتمع، مظهرًا فضلها العظيم وأثرها في تحقيق السعادة والاستقرار.
عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «ثلاثة كلهم حق على الله عونه؛ المجاهد في سبيل الله، والناكح الذي يريد العفاف، والُمكَاتَبُ الذي يريد الأداء.(30)» وفي انتظار قيام الجماعة بتزويج الأيامى يأمرهم بالاستعفاف حتى يغنيهم الله بالزواج: ﴿وَلۡيَسۡتَعۡفِفِ ٱلَّذينَ لَا يَجدُونَ نِكَاحًا حَّتى يُغۡنِيَهُمُ الله مِن فَضۡلِهِۗ ﴾ [النُّور: 33] ، فلا يجب التضييق على طالب العفة، وهو يدري نيته وسعيه وصلاحه(31)، وهكذا نلاحظ أن المنهج النبوي يدعو إلى إزالة العوائق المادية أمام الأيامى، ويرغب في الزواج باعتباره من سنن المرسلين، فقد روى مسلم في صحيحه مِن حَدِيثِ عَبدِالِله بنِ عَمرِو بنِ العَاصِ رضي الله عنهما: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الدُّنْيَا مَتَاعٌ، وَخَيْر مَتَاعِ الدُّنْيَا الْمرْأَةُ الصَّالِحة» (32)، وعن إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ: «أربع من السعادة: المرأة الصالحة، والمسكن الواسع، والجار الصالح، والمركب الهنيء، وأربع من الشقاوة: الجار السوء، والمرأة السوء، والمسكن الضيق، والمركب السوء(33)» وقد تَزَوَّجَ النَّبِيُّ ﷺ بِأَكثَرَ مِنَ امرَأَةٍ، وَقَالَ: «إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني.(34)»
ثالثًا: ضوابط المنهج النبوي في بناء الأسرة
الزواج في الإسلام وفق المنهج النبوي وسيلة للتعفف، وحفظ الدين، وصيانة القيم، وقد شرع الله عز وجل لهذا الغرض النبيل قواعد محكمة وضوابط متينة تهدف إلى تحقيق المودة والرحمة، وبناء أسرة يسودها الاستقرار والسعادة.
- اختيار الزوجة: وضع المنهج النبوي معايير لهذا الضابط تتمثل فيما يلي:
الدين والخلق الحميد:5>
ورد في حديث: أبي هريرة – رضي الله عنه – عن النبي ﷺ قال: «تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها وجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين، تربت يداك»(35)؛ حيث تؤكد النصوص على أهمية المواصفات المعنوية لبقاء الأسرة واستدامتها، وقد قال رسول الله ﷺ «لا تزوجوا النساء لحسنهن، فعسى حسنهن أن يرديهن، ولا تزوجوهن لأموالهن، فعسى أموالهن أن تطغيهن، ولكن تزوجوهن على الدين، ولأمة خرماء سوداء ذات دين أفضل» (36)، يبين الحديث أن المواصفات المعنوية من دين وحسن خلق هي الأساس لاستقرار الأسرة وسعادتها، بينما المعايير الشكلية والمادية وحدها لا تضمن ذلك.
السن والوصف المناسب:5>
يدخل في المواصفات الشكلية المطلوبة للزوجة، أو الزوجة المستقبلية، مراعاة السن وما يناسب من صفات. يهدف المنهج النبوي إلى تحقيق التوافق الأسري والسعادة والمودة من خلال اختيار الزوج، أو الزوجة بما يوازن البعد المادي والمعنوي، وفي الحديث: عليكم بالأبكار، فإنهن أعذب أفواها، وأنتق أرحاما، وأرضى باليسير(37)، وقوله ﷺ لجابر بن عبد الله – لما أخبره أنه تزوج :- «)فهلا جارية تلاعبها وتلاعبك»، قلت: إن أبي توفي، وترك بنات، فأردت أن أنكح امرأة قد جربت خلا منها(38)، قال: «فذلك(39)(»، وحين يجتمع الجانب المادي مع البعد المعنوي الذي يمثل القاعدة والمرتكز الأساس، يتكامل البناء وتتحقق السعادة والألفة والمودة والرحمة.
ب-تيسير أمر الزواج: يشكل تيسير الزواج أحد الضوابط المهمة في المنهج النبوي، ويشمل جوانب عملية تهدف إلى إزالة العقبات وتحقيق المقاصد الشرعية منها:
– عدم المغالاة في المهور: حث النبي ﷺ وأصحابه على التيسير، وقد قال عُمَرَ بْنُ الْخطَّابِ: «إياكم والمغالاة في مهور النساء، فإنها لو كانت تقوى عند الله، أو مكرمة عند الناس لكان رسول الله ﷺ أولاكم بها، ما نكح رسول الله ﷺ شيئًا من نسائه، ولا أنكح واحدة من بناته بأكثر من اثني عشر أوقية وهي أربعمائة درهم وثمانون درهًما وإن أحدهم ليغالي بمهر امرأته حتى تبقى عداوة في نفسه فيقول: لقد كلفت لك علق القربة(40) . وعَنْ عَبْدِالَّله بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَجَازَ نِكَاحَ امْرَأَةٍ عَلَى نَعْلَيْن(41)، وعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الَّله ﷺ: خَيْر الصَّدَاقِ أَيْسَرهُ(42)، ونقل عن ابن عباس قوله: ما استحل علي فاطمة إلا ببدن من حديد(43) ويبين كلامه ما ورد في صحيح ابن حبان: أن عليًا – رضي الله عنه – لما تزوج فاطمة قال له النبي ﷺ: «أعطها شيئًا»، قال: ما عندي شيء، قال: «فأين درعك الحطمية» فكان مهر فاطمة تلك الدرع.(44)
– مقصد التكاثر وبناء النسل: يحقق تيسير الزۡوُاجُ اۡلمقَصٗد اَلشَرعُيۡ للتكاثر، وذكر شعيب قومه بما امتن الله به عليهم من كثرة بعد قلة. قال سبحانه عنه: ﴿وٱذكروا إِذ كنتم قلِيل فكثركمۖ﴾ [الأعراف:87]
ويثبت حديث معقل بن يسار أهمية التكاثر، وإنجاب الولد، فقد روى أن رجلا جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إني أصبت امرأة ذات حسب وجمال، ولكنها لا تلد، أفأتزوجها؟ فنهاه، ثم أتاه الثانية، فقال مثل ذلك، فنهاه، ثم أتاه الثالثة، فقال مثل ذلك، فقال ﷺ: «تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم» .(45)
في المقابل، يُشير ظهور مفهوم الأم العزباء في المجتمعات الغربية إلى نمط من العلاقات خارج إطار الزواج، مما يعيق تحقيق مقاصد التكاثر وحفظ النسب، ويضعف استقرار الأسرة.(46)
من هذا يتّضح أن المنهج النبوي في تأسيس الأسرة أسس لبناتها الأولى على أركان سليمة، من خلال الحث على الزواج، واختيار الشريك الصالح، وتيسير أسباب الزواج، وبيان مقاصده النبيلة.
لذا فإن المنهج النبوي لم يقتصر على مرحلة البناء فحسب؛ بل امتد ليشمل الحفاظ على الأسرة واستمرارها، وهو ما سيتناول المحور الثاني.
المبحث الثاني: المنهج النبوي في الحفاظ على الأسرة
يروم هذا المبحث إبراز المنهج النبوي في الحفاظ على كيان الأسرة، وبيان الوسائل الكفيلة بتعزيزه وسيتناول المبحث ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: الحفاظ على كيان الأسرة
الحفاظ على كيان الأسرة مسؤولية مشتركة بين الزوج والزوجة، كما جاء في الحديث الشريف: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته(47)»، فكما للرجل وظيفته الرعوية، كذلك للمرأة وظيفتها فهي راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعية شؤونها، وقد بين المنهج النبوي حقوق الزوج وحقوق الزوجة، ومسؤولية كل منهما، مبرزًا الواجبات والحقوق، لتتسنى المحافظة على هذا الميثاق الغليظ.
وتتحقق المحافظة على الأسرة بتمثُّل منظومة القيم التي أرساها المنهج النبوي بالقيم الآتية:
أولًا: قيمة المعاشرة بالمعروف:
تُعدّ المعاشرة بالمعروف من أهم القيم التي يقوم عليها البناء الأسري في الإسلام، وهي تعني حسن المعاملة، واَلتَلطُفُ فَّي الۡقَوۡلُ والفَعل، و صيانة الَكرامٓة،وكف الأذى والتحلي بالصبر، والحلم عند وقوع الخلاف. قال تعالى: ﴿وعاشِروهن بِٱلمعروفِۚ فإِن كرِهتموهن فعسى أن تكرهوا شيـٔا ويجعل الله فِيهِ خيرا كثِيرا﴾ [النساء:19] ، وعن عبد الله بن عبد الله بن عمر عن إياس بن عبد الله بن أبي ذباب، قال: قال النبي ﷺ: «لا تضربو إماء الله» فجاء عمر إلى النبي ﷺ فقال: «يا رسول الله، قد ذئر النساء على أزواجهن» فأمر بضربهن. فضربن فطاف بآل محمد ﷺ طائف نساء كثير، فلما أصبح قال: «لقد طاف الليلة بآل محمد سبعون امرأة، كل امرأة تشتكي زوجها، فلا تجدون أولئك خياركم(48)» ومعنى ذئرن: ساءت أخلاقهن على أزواجهن. وفي الحديث «خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي(49)» و«خياركم خياركم لنسائهم.(50)»
ثانيًا:ظهار المحبة:
تُعدّ المحبة الصادقة بين الزوجين من الركائز الأساس في استقرار الأسرة، ولا تقتصر على المشاعر القلبية فحسب؛ بل تمتد لتشمل التعبير الصريح عنها قولًا وفعلًا. وقد جسّد نبينا محمد ﷺ أسمى صور هذه القيمة في حياته الزوجية، فكان يُظهر مودته لنسائه ويُعلن حبه دون تكلّف، أو حرج. وقد صرح بحبه لعائشة لما سأله عمرو بن العاص قائلًا: أي الناس أحب إليك؟ قال: «عائشة» قلت: من الرجال؟ قال: «أبوها» قلت: ثم من؟ قال: «عمر» فعد رجالا، فسكت مخافة أن يجعلني في آخرهم(51) وكان الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة، قالت عائشة: فاجتمع صواحبي إلى أم سلمة، فقلن: يا أم سلمة، والله إن الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة، وإنا نريد الخير كما تريده عائشة، فمُري رسول الله ﷺ أن يأمر الناس أن يهدو إليه حيث ما كان، أو حيث ما دار، قالت: فذكرت ذلك أم سلمة للنبي ﷺ قالت: فأعرض عني، فلما عاد إلي ذكرت له ذاك فأعرض عني، فلما كان في الثالثة ذكرت له فقال: «يا أم سلمة لا تؤذيني في عائشة، فإنه والله ما نزل علي الوحي وأنا في لحاف امرأة منكن غيرها(52)»، وعن أنس بن مالك – رضي الله عنه – قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «فضل عائشة على النساء، كفضل الثريد على سائر الطعام.(53)»
قصة الفارسي التي أشار إليها السائل تحمل في طياتها دروسًا عظيمة في أدب المعاشرة وحسن الصحبة. فقد ذكر الإمام النووي – رحمه الله – أن قصة الرجل الفارسي الذي دعا النبي ﷺ إلى طعامه، محمولة على حصول عذر مانع من إجابة الدعوة، فكان النبي ﷺ مخيًرا بين القبول والترك فاختار أحد الجائزين ولم يحضر الدعوة إلا بعد إذن الداعي لعائشة معه لما كان بها من جوع كره رسول الله ﷺ معه أن يتص بطعام دونها، وهذا من كمال المروءة، وحسن الصحبة، ومراعاة المشاعر.(54)
ولا ينبغي للزوج أن يركز على الجوانب السلبية في زوجه؛ بل ينبغي أن يستحضر محاسنها، ويتأمل ما فيها من خصال طيبة، وأن يتذكر محاسنها وما يُرغِّب فيه لا ما ينفر ويؤدي إلى الكره. وقد وجه النبي ﷺ إلى هذا المعنى الرفيع فقال: «لَا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِي مِنْهَا آخَر(55) »؛ أي لا ينبغي للمؤمن أن يُبغض مؤمنةً بكاملها إن كره منها خُلُقًا، فإنه سيرضى منها خُلُقًا آخر.
ولا يعني زوال الحب انتهاء العشرة، فالعلاقات لا تبنى على الحب وحده، ولكن على الخلق والتذمم(56)، وقد قال عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – : «ليس كل البيوت تبنى على الحب، ولكن الناس يتعاشرون بالإسلام والأحساب.(57)»
والحقيقة الجليّة أن المنهج النبوي اعتبر العلاقة الزوجية ميثاقًا غليظًا، وهي علاقة روحية ونفسية ووجدانية عميقة، لا يمكن اختزالها في بعد مادي مؤقت، فعمادها قيّم خلقية مكينة أساسها المودة والرحمة.
ثالثًا: التعامل الحكيم مع الغيرة:
من توجيهات المنهج النبوي في الحفاظ على استقرار الأسرة وسعادتها، التعامل الحكيم مع الغيرة، ولا سيما غيرة الزوجات، وذلك بلطف ورحمة لا بعنف أو تأنيب. فالغيرة شعور فطري جبلت عليه النفوس، وحسن التعامل معه يقي الأسرة كثيًرا من التوتر والخصام.
وقد كان النبي ﷺ قدوة عملية في كيفية احتواء هذه المشاعر الإنسانية الفطرية، وتحويل لحظة التوتر إلى موقف يعلم الرحمة والعفو. وقد كان ﷺ يتعامل مع غيرة نسائه برحمة ولطف، ففي الحديث أنه ﷺ كان عند بعض نسائه، فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين بصحفة فيها طعام، فضربت التي النبي ﷺ في بيتها يد الخادم، فسقطت الصحفة فانفلقت، فجمع النبي ﷺ فلق الصحفة، ثم جعل يجمع فيها الطعام الذي كان في الصحفة، ويقول: «غارت أمكم»، ثم حبس الخادم حتى أتي بصحفة من عند التي هو في بيتها، فدفع الصحفة الصحيحة إلى التي كسرت صحفتها، وأمسك المكسورة في بيت التي كسرت(58) وفي بعض الروايات أن التي أرسلت الطعام هي أم سلمة، وأن التي كسرت القدح هي عائشة جاءت مُلتفَّةٌ بكساءٍ ومعها فِهرٌ ففلقتِ الصحفة. فالنبي ﷺ ما أنّبها ولا عنفها؛ بل كان تعامله معها في غاية اللطف والرحمة، لم يزد على قوله غارت أمكم فحمل الفعل على محمل لا يستهجن معه، لما جبلت عليه النساء من الغيرة. علق الحافظ ابن حجر على قول النبي ﷺ: «غارت أمكم» جاء كاعتذار منه ﷺ، ليبين أن تصرفها لم يكن مذموما، وإنما هو شعور طبيعي بالغيرة، فهي فطرة موجودة في النفس يصعب دفعها أحيانًا، كما هو معتاد عند النساء في مثل هذه المواقف .(59)
ويعد هذا الموقف نموذجًا فريدًا في:
– الفهم العميق للطبيعة البشرية، والاعتراف بأن بعض المشاعر، كالغيرة، قد تدفع إلى تصرفات غير مقصودة.
– العدل والحكمة؛ إذ عوّض المتضررة )أم سلمة( بحقها دون أن يعاقب الأخرى )عائشة( عقوبة تزيد الموقف سوءًا. – الحفاظ على المشاعر وعدم إحراج الطرفين، بما يحفظ الود ويمنع الحقد.
فكان ﷺ بذلك يُعلّم أمته كيف تكون الأسرة وحدة متراحمة، قائمة على التسامح والعطف، لا على المؤاخذة والقطيعة.
رابعًا: المشورة وأخذ الرأي:
من أروع الأمثلة على حكمة المشورة وأخذ الرأي في المنهج النبوي، ما حدث في عام الحديبية عند عقد الصلح مع قريش حين أمر النبي ﷺ المسلمين بالتحلل وفق شروط الصلح، تردد بعضهم وتحفّظوا على التنفيذ، وكانوا متحفزين لدخول مكة، فقال لهم: «قوموا فانحروا ثم احلقوا»، قال: فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة، فذكر لها ما لقي من الناس، فأبدت له رأيها السديد، الذي جمع بين الفطنة النفسية والفهم العميق لطبيعة الناس، فقالت: يا نبي الله، أتحب ذلك؟ اخرج ثم لا تكلم أحدًا منهم كلمة، حتى تنحر بدنك، وتدعو حالقك فيحلقك، فخرج فلم يكلم أحدا منهم حتى فعل ذلك، نحر بدنه، ودعا حالقه فحلقه، فلما رأوا ذلك قاموا، فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضا(60)»، وبذلك الرأي السديد والحكمة البليغة نجى الله المسلمين من فتنة مخالفة نبيهم.
ويُبرز هذا الموقف جملة من الدلالات التربوية:
– أهمية المشورة حتى من القائد الأعلى؛ فاستشارة النبي ﷺ لزوجته دليل على قيمة الرأي السديد أينما وجد. – تقدير عقل المرأة وحكمتها، وإشراكها في صناعة القرار الأسري والاجتماعي.
– الحكمة في معالجة الأزمات بالفعل العملي الهادئ بدل المواجهة المباشرة.
خامسًا: مراعاة الجوانب العاطفية والوجدانية في التعامل مع الزوجة:
من قيم المنهج النبوي العظيمة التي تُرسِّخ دعائم الحياة الزوجية، وتُسهم في تجاوز الأزمات بحكمةٍ ورويّة، مراعاة الجوانب النفسية والعاطفية في نظام الأسرة المسلمة، ما روي عن الخليفة الراشد عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – حين كان يطوف ليلةً في المدينة لتفقد أحوال الرعية، فسمع امرأة تنشد:
ألا طال هذا الليل واسود جانبه *** وأرقني إذ لا خليــل ألاعبــه
فـوالله لولا الله تخشــى عواقبـه *** لزعزع من هذا السرير جوانبـه
مخافـــة ربي والحيـــاء يكفّنـي *** وأكرم زوجي أن تنال مراكبـه
وفي الغد استدعاها عمر – رضي الله عنه – وقال لها أين زوجك؟ فقالت بعثت به إلى العراق فاستشار النساء في الفترة التي تستطيع فيها المرأة أن تصبر عن زوجها، فقلن شهرين، ويقل صبرها في ثلاثة، ويفقد صبرها في أربعة، فجعل عمر مدة غزو الرجل أربعة أشهر، فإذا مضت أربعة أشهر، استرد الغازين ووجه بقوم آخرين(61) .
إن موقف الخليفة عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – لَيُعَدُّ نموذجا فريدا في إرساء المنهج النبوي للاستقرار الأسري، والاهتمام بالحالة النفسية والطبيعية للمرأة. لقد ألمح الخليفة بفعله هذا أن الأسرة ليست مجرد لبنة في المجتمع؛ بل هي عالمٌ قائم بذاته، يحتاج إلى رعايةٍ وحمايةٍ وتفهمٍ، وأن سعادة المرأة واستقرارها النفسي والعاطفي ليس ترفًا؛ بل هو أساسٌ لسلامة المجتمع وقوته. فكان قراره بتحديد مدة الغياب تشريعًا رحيمًا، يستند إلى فهم عميق لفطرة المرأة وطبيعة العلاقة الزوجية للحفاظ على المودة والرحمة بين الزوجين، حتى في أحلك الظروف وأصعب الابتلاءات.
سادسًا: المودة والرحمة:
من أهم القيم للحفاظ عىل الأرسرة قيمة المودة وقيمة الرحمة، وقد أسلفنا الحديث عن الآية المؤسسة لهذه القيم، وهي قوله تعالى: ﴿ومِن ءايتِهِ أن خلق لكم مِن أنفسِكم أزواجا لِتسكنوا إِليها وجعل بينكم مودة ورحمة إِۚن فِي ذلِك لأَيٓاتٖ لِقومٖ يتفكرون﴾ [الروم: 21]
لم تكن هذه القيم مجرد نصوص نظرية؛ بل تجسدت في المنهج النبوي العملي الذي أرسى قواعد الاستقرار الأسري، ومن ذلك:
– توفير الظروف الملائمة لتحقيق الاستقرار النفسي والعاطفي.
-تعجيل العودة إلى الأسرة بعد السفر: يتجلى ذلك من خلال ندب الأزواج إلى تعجيل الأوبة إلى نسائهم إن أجبرتهم.ظروف الحياة على السفر والضرب في الأرض
– النهي عن الطروق ليلًا: وفي العودة من السفر لا ينبغي للرجل أن يطرق أهله ليلا، أي يباغتهم بالعودَة فجأةً في الليل، فقد نهى رسول الَّله ﷺ أَنْ يَطْرُقَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ لَيْلًا يَتَخَوَّنُهمْ، أو يَلْتَمِسُ عَثَرَاتِهمْ(، وقال: «إذا أطال أحدكم الغيبة فلا يطرق أهله ليلا(62)»، ولما قدم ﷺ المدينة من غَزَاة، قال لأصحابه: «أمهلوا حتى تدخلوا ليلًا – أي عشاء – لكي تمتشط الشعثة وتستحد المغيبة.(63)»
وتبعًا لما سبق؛ يمثل المنهج النبوي رعاية للجانب النفسي للزوجة، وحرصًا على أحاسيسها، وصونًا للكرامة المتبادلة بين الزوجين، مما يُوطِّد العلاقة ويبعد عنها سوء الظن والريب، لتبقى المودة والرحمة هي الصفة السائدة في العلاقات الأسرية المسلمة.
إن المنهج النبوي في الحفاظ على الأسرة لا يقف عند حدود بيان الأهمية والوقاية فحسب؛ بل يمتد ليشمل اعترافًا صريًحا بحقيقة الطبيعة البشرية التي جبلها الله على الخطأ والنقص، وقد يعتريها الانحراف، أو تصيبها المشاكل. فالمنهج النبوي يقر أن الخلافات الأسرية مُعرّضة للوقوع، ولا يغفل عن معالجتها؛ بل يقدّم لها حلولًا عملية راشدة.
المطلب الثاني: معالجة المشاكل الأسرية
اعتنت الشريعة الإسلامية بصيانة الأسرة وحمايتها من التفكك، مستندة إلى المنهج النبوي الذي وضع ضوابط عملية لمعالجة الخلافات الزوجية. فقد حذّر النبي ﷺ من الطلاق، وسمّاه «كسًرا» (64)، لما يترتب عليه من أضار على الزوجين والأبناء والمجتمع.
أولًا: القوامة وتنظيم الولاية في عقد النكاح:
قررت الشريعة مبدأ القوامة، وفي ذلك ما لا يفى من الحكمة والسداد، فلو كانت عصمة النكاح بيد المرأة لأنهتها عند كل ثورة غضب ونزوة جموح، ولتفكك المجتمع، وتعطلت مصالح الأولاد، ولكن الله – جل جلاله – بحكمته ولطفه جعل عصمة النكاح بيد الرجل، وفي ذلك حفاظ على استمرارية الأسرة، ومن المقرر لدينا أن الرجل بطبيعته أكثر تحكمًا في عواطفه، وأكثر ضبطًا لانفعالاته، كما أنه أكثر نظرًا للمآلات؛ مما يجعل قراراته تتسم بالحكمة والتبصر. والله – جل جلاله – أمر بالمعاشرة بالمعروف، وجعل «أبغض الحلال إلى الله الطلاق.»
وتتأسس القوامة على المرجعية القرآنية، كما في قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ الَّله بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهمْ فَالصَّالِحاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ الَّله ۚ﴾ [النساء: 34]
و«قَوَّامُون» جمع «قَيِّم»، وتعني القائمين على أمر من أمرهم، ويقوم الرجل على زوجته قيام الولي على رعيته، وفق ما ذكره الإمام البيضاوي، الذي يرى أن القوامة تعود إلى سببين:
- سبب وهبي: خص الله الرجال بكمال العقل، وجودة التدبير، والنبوة، والإمامة، والولاية.
- سبب كسبي: ما ينفقونه من أموالهم في المهر والنفقة.(65)
ويضيف الزمخشري أن القوامة تشمل الإمامة الكبرى والصغرى، والحمل والقسامة، والولاية في النكاح والطلاق والرجعة.(66)
ويؤكد الشيخ ابن عاشور أن قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ هو أصل تشريعي كلي تتفرع عنه الأحكام في الآيات التالية(67)، فالقوامة في الأسرة للرجل وهي مرتبطة بمعاني العدل والتدبير.(68)
وتنعكس هذه المعاني في بنية الأسرة القطرية وغالبًا ما يكون للأب الدور الأبرز في توجيه شؤون الأسرة واتخاذ قراراتها.(69) وهكذا اعتمدت القوامة في قطر على مبدأين رئيسين: الأول، تقرير أحقية الرجل بقيادة الأسرة، والثاني، قيام القوامة على المسؤولية والأعباء التي يتحملها الرجل تجاه الزوجة والأبناء، بما يحقق استقرار الأسرة.(70)
ثانيًا: التأديب الراشد:
نصت الآية الكريمة على معالجة حالة النشوز، و هُو الإخۡلَال الجسَيم بواجبات الحياة الزوجية – بمنهج متدرج في قوله تعالى: ﴿ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ ۖ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا ﴾ [النساء: 34] والنشوز العصيان وعدم طاعة الزوج، ويعرّفه الشيخ محمد أبو زهرة النشوز بأنه تخلّي الزوجة عمّا تقتضيه مقتضيات الحياة الزوجية من طاعةٍ بالمعروف، وأداءٍ لواجباتها في إدارة شؤون بيتها، بما يُفضي إلى اختلال نظام العلاقة الأسرية. وأصل اللفظ مأخوذ من النَّشَز، وهو ما ارتفع وبرز من الأرض المستوية على وجهٍ شاذٍّ عنها؛ فكذلك يكون نشوز المرأة خروجًا عن السكينة الزوجية المألوفة، وارتفاعًا عن مقتضى العشرة الحسنة، أو إعراضًا يلّ بتوازن الحياة المشتركة(71) ، وحتى لا تتفكك الأسرة، وضع الشارع بعض الزواجر التي تمنع المرأة من الانحراف، وتعيدها إلى جادة الحق والصواب، وهذه الزواجر كما بينتها الآية، هي:
1- الوعظ الأسري: ويعرفه ابن سيده بأنه تذكير الإنسان بما يلين قلبه من ثواب وعقاب، بحيث تكون الموعظة عبرة لغيره، وقبول الإنسان لها دليل على تأثيرها، كما أن لكل مسلم واعظ في قلبه يذكره بما نهاه الله عنه وحرّمه عليه.(72) فالوعظ الأسري أداة إصلاحية وقائية تحافظ على الاستقرار، وتمنع تفاقم الخلافات، وتغرس القيم الفاضلة في النفوس بطريقة رحيمة وبناءة.
2- الهجر في المضاجع: وهو القطيعة، وهجره قاطعه (73) ، والهجر محرم في أصله، لحديث أبي أيوب «لا يحل لمسلمٍ أن يهجر أخاه فوق ثلاثٍ، يلتقيان فيُعرض هذا، ويُعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام(74)» ، لكن الزوجة إذا خرجت عن طاعة الزوج، وأخلت بواجباتها، أباح الله للزوج تأديبها لإصلاح حالها، وللمحافظة على طمأنينة وسكينة الأسرة، فمن لم تنتفع بالوعظ والكلام اللين والرفق في التعامل، وظلت منتهكة لحدود الله، متمردة رافضة للقيام بوظائفها التي أوجبها الله عليها، يحق لزوجها أن يهجرها، لقول الله ﴿وَٱهۡجُرُوهُنَّ فِي ٱلۡمَضَاجِعِ﴾ والمضاجع هي المراقد، قال ابن عباس: «يوليها ظهره في الفراش ولا يكلمها، وقال غيره: يعتزل عنها إلى فراش آخر.(75)»
3- الضرب غير المبرح: إذا لم يفد الوعظ ولا الهجران، يحق للزوج أن يضرب زوجته ضربا غير مبرح ولا شائن. وفي الترتيب القرآني، يأتي الضرب آخر إجراء تأديبي، وله شروطه وضوابطه.
يقضي المنهج النبوي في باب التربية والتأديب أن يكون التأديب وسيلة لتقويم السلوك، لا أداة للانتقام، أو إيذاء الفرد.(76) فحدوده الشرعية وضعت لضمان الإصلاح وتحقيق المقاصد، مع حماية الفرد من الظلم والعنف الممنوع. وقد قال عطاء رحمه الله: «إن الضرب يكون خفيفًا بالمسواك(77)»، وقد جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: «تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيتَ، ولا تضرب الوجه، ولا تُقَبِّحْ، ولا تهجر إلا في البيت(78)»، وهذا يجعل الضرب مع جوازه المقرر في النص، غير مرغوب ولا محمود من الناحية الشرعية، وقد مر بنا آنفا قوله ﷺ في حق من يضربون نساءهم: «ليس أولئك بخياركم(79)»، وعبارة «ليس أولئك بخياركم» فيها زجر وتقريع لمن يمارس ذلك الفعل. وإن عادت المرأة إلى رشدها، لا يجوز توبيخها ولا هجرها بدليل قول الله تعالى ﴿فَلَا تَبۡغُواْ عَلَيۡهِنَّ سَبِيلًاۗ﴾ فالتائب من الذنب كمن لا ذنب له. وأختم هذه الفقرة بحديث عن عروة بن الزبير، أن عائشة قالت: «والله ما ضب رسول الله ﷺ بيده امرأة له قط، ولا خادما له قط، ولا ضب بيده شيئا قط؛ إلا أن يجاهد في سبيل الله، ولا خير بين أمرين قط إلا اختار أيسرهما ما لم يكن مأثما، فإن كان إثما كان أبعد الناس، ووالله ما انتقم لنفسه من شيء قط يؤتى إليه حتى ينتهك من حرمات الله فينتقم لله.(80)»
ثالثًا: التحكيم الأسري:
إذا تفاقم الشقاق بين الزوجين، ولم تُجدِ الوسائل السابقة، انتقل المنهج النبوي إلى مرحلة التحكيم، هو عبارة عن اتخاذ الخصمين حاكمًا برضاهما، يفصل خصوماتهما، ويقال له: الَحكَم والمحكَّم(81)، والتحكيم بين الزوجين لتفادي ما يحدثه الشقاق من تفكك أسري، يؤثر على مكون هام من مكونات المجتمع هو الأسرة، ويؤثر على التوافق المجتمعي.
وقد شرع التحكيم في فقهنا الإسلۡامي باعتبارها الأداة المثلى للم شتات أفراد الأسرة، ومعالجة ما قد يحدثه الشقاق من إحن وبغضاء. يقول الله تعالى: ﴿وإَنِ خِفتم شِقاق بينِهِما فٱبعثوا حكما مِن أهلِهِۦ وحكما مِن أهلِها إِن يُرِيدَآ إِصۡلاحٗا يُوَفِّقِ الله بَيۡنَهُمَآۗ إِنَّ الله كَانَ عَلِيمًا خَبِيٗرا﴾ [النساء: 35] والحكمان أقدر على النظر في المآلات، وإصدار الحكم الصحيح من الخصمين؛ لما بينهما من تنافر يفقدهما توازنهما النفسي. والتوازن النفسي ضوري لسلامة القرارات،
ولذلك نهي القاضي عن الحكم وهو غضبان «لا يقضين حكم بين اثنين وهو غضبان(82)»، وحين تكون لدى الحكمين إرادة طيبة ورغبة في إصلاح ذات البين، سيلتئم الشمل وتحل الألفة والمودة والرحمة محل الخصام ﴿إِن يُرِيدَآ إِصۡلاحٗا يُوَفِّقِ الله بَيۡنَهُمَا﴾ فحين يقع الخلاف بين الزوجين، ويتفاقم أمره، فعلى القاضي أن يتار حكما ثقة من أهل الرجل، وحكما ثقة من أهل المرأة؛ ليتخذا ما يراه أصلح تفريقًا، أو توفيقًا.
إن المنهج النبوي في علاج الخلافات الزوجية تقتضي الإصلاح والتوفيق بين الزوجين صونًا لكيان الأسرة من التفكك، وللعلماء خلاف في حكم الحكمين. هل مهمتهما قاصرة على التوفيق فقط؟ أم بالتفريق إذا تعذر الإصلاح؟.(83)
ومع أن الحفاظ على تماسك الأسرة مقصد شرعي مكين، لكنه إن استحال وكانت المصلحة تقتضي فك العلاقة الزوجية يكون المقصد الشرعي هو التسريح بإحسان، وقد يكون ذلك أصلح للزوجين وللأبناء وأهنأ لحياة الجميع، وقد شرع الخلع مراعاة لمن لا تستطيع تحمل الارتباط الزوجي من النساء، فقد ورد عن ابن عباس، أن امرأة ثابت بن قيس أتت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله ثابت ما أعتب عليه في خلق، ولا دين، ولكني أكره الكفر في الإسلام، فقال رسول الله ﷺ «أتردين عليه حديقته»، قالت: نعم، قال رسول الله ﷺ: «اقبل الحديقة وطلقها تطليقة(84)» ، وورد أنها قالت للنبي ﷺ: «بي من الجمال ما ترى، وثابت رجل دميم.(85)» ويبقى الواجب الشرعي الأخلاقي يلزم الرجال بمراعاة ظروف النساء النفسية، والتعامل معهن برفق ورحمة، فقد خلقن من ضلع أعوج من أراد أن يقيمه كسره، وفي الحديث: «إن المرأة خلقت من ضلع لن تستقيم لك على طريقة فإن استمتعت بها استمتعت بها وبها عوج وإن ذهبت تقيمها كسرتها وكسرها طلاقها.(86)» وقال ﷺ: في خطبة حجة الوداع: «فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمان الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله ولكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه فإن فعلن ذلك فاضبوهن ضبًا غير مبرح ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف(87)»، ولتأمين حقوقهن رخص لهن رسول الله ﷺ بالتصرف بالمعروف في أموال أزواجهن فعن عائشة رضي الله عنها: أن هند بنت عتبة قالت «يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح وليس يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم» فقال «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف.(88)»
ففي ختام هذا المطلب، يتجلى لنا أن المنهج النبوي في معالجة المشكلات الأسرية لم يغفل طبيعة البشر الُمعرَّضة للخطأ والاختلاف؛ بل قدم لها حلولا سديدة، ترتقي بالعلاقات من دائرة الصراع إلى فضاء الإصلاح والتسامح. فجمع بين الواقعية والمثالية، وبين الثبات على المبادئ والمرونة في التطبيق، مما يجعله نظاما متكاملا صالحا لكل زمان ومكان، يحقق المودة والرحمة، ويحفظ كيان الأسرة الذي هو أساس بناء المجتمعات القوية المتماسك.
المطلب الثالث: استلهام المنهج النبوي في صيانة الأسرة في دولة قطر
استلهامًا للمنهج النبوي القويم في حفظ كيان الأسرة، وتماشيًا مع مقاصد الشريعة السامية في تحقيق المودة والرحمة بين الزوجين، تبنت الدولة القطرية رؤية شاملة؛ للحفاظ على تماسك النسيج الأسري، ووضعت استراتيجيات متعددة المستويات؛ لمعالجة ظاهرة التفكك الأسري.
أولًا: التكامل المؤسسي
يشكّل استلهام المنهج النبوي في معالجة المشكلات الأسرية مسؤولية وطنية تشاركية، تتكامل فيها مؤسسات الدولة ضمن رؤية موحّدة تهدف إلى تعزيز التماسك الأسري في ضوء المرجعية الإسلامية ومقاصد الشريعة في حفظ الأسرة وصونها. ويتجلّى هذا التكامل من خلال المبادرات المشتركة بين وزارة التنمية الاجتماعية والأسرة ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية؛ حيث تتضافر الجهود بين البعدين الاجتماعي والدعوي لترسيخ قيم الرحمة والتكافل، وتعزيز الوعي الأسري. ويشمل ذلك إطلاق برامج لدعم رعاية اليتيم وتعزيز نظام الاحتضان الأسري، استنادًا إلى الهدي النبوي القائم على صون الكرامة الإنسانية وتحقيق الاستقرار المجتمعي.
ويمتد هذا التكامل ليشمل مؤسسات إرشادية متخصصة، من أبرزها مركز الاستشارات العائلية «وفاق»، الذي تأسس في 13 نوفمبر ٢٠٠٢، وبدأ تقديم خدماته في ٢٤ أغسطس ٢٠٠3، ليخدم جميع المقيمين على أرض دولة قطر بمختلف أطيافهم وأديانهم وفئاتهم العمرية.
ويجسّد المركز نموذجًا عمليًا للتكامل المؤسسي من خلال منظومة متكاملة تهدف إلى حماية الأسرة وصون استقرارها، انسجامًا مع المنهج النبوي القائم على الإصلاح والرفق والتدرّج في معالجة الخلافات، بما يعزّز التماسك الأسري ويدعم الاستقرار المجتمعي.
ويقدم المركز خدماته عبر محورين رئيسين:
– الخدمات الوقائية والتوعوية: تشمل البرامج والأنشطة والدورات التدريبية وورش العمل والمحاضات التي تهدف إلى نشر الثقافة الأسرية السليمة والوقاية من تفاقم المشكلات.
– الخدمات الإرشادية والعلاجية: تشمل الاستشارات النفسية والاجتماعية والتربوية والشرعية والقانونية، إضافة إلى الإرشاد الزواجي، وإرشاد ما قبل الزواج، وخدمات ما بعد الطلاق، سواء بالحضور الشخصي، أو عبر الوسائل الهاتفية والإلكترونية.
كما يضطلع المركز بدور محوري في الإصلاح الأسري بالتنسيق مع محكمة الأسرة، من خلال الوساطة وجلسات الصلح والتوعية بحقوق الزوجين والأبناء، والسعي لإعادة الحياة الزوجية متى أمكن، إضافة إلى خدمة الرعاية الوالدية التي تُعنى بتنفيذ أحكام الرؤية، والمبيت والحضانة، وتقديم الدعم النفسي والسلوكي لأبناء المطلقين. ويؤكد المركز التزامه بالمنهج النبوي من خلال ترسيخ قيم القوامة بالمسؤولية، والتسامح، والتعاون، باعتبارها مفاتيح أساس للسعادة الزوجية والاستقرار الأسري.(89)
كما يسهر على معالجة المشكلات الأسرية من خلال الإصلاح الأسري، ليكون مكملًا لدور المحاكم في الفصل بالخصومات، مع تقديم الإرشاد الأسري لمساعدة الأفراد على فهم طبيعة الحياة الأسرية وتعزيز شعورهم بالأمان والاستقرار النفسي. وتشمل مهامه: الإصلاح الأسري، الرعاية الوالدية، التوعية المجتمعية.(90)
نجد هناك خدمة «وتد» بإشراف وزارة التنمية الاجتماعية والأسرة وبالتعاون مع مركز وفاق، تقدم الاستشارات التربوية والأسرية المتخصصة لدعم الأزواج والأسر في مواجهة التحديات، بما يحترم الخصوصية وينمي مهارات التواصل وحل النزاعات.
وإلى جانب ذلك، يسهم برنامج وتد في تقديم استشارات تربوية وأسرية متخصصة تراعي الخصوصية وتنمّي مهارات التواصل وحل النزاعات، بما يعزز ثقافة الاحتواء والحوار. كما تتكامل هذه الجهود مع المؤسسات القضائية، بحيث يجمع النظام القطري بين النهج الوقائي والإصلاح الأسري من جهة، واللجوء إلى التقاضي عند الضرورة من جهة أخرى، تحقيقًا للتوازن بين المبادئ الشرعية ومرونة التطبيق في مواجهة تحديات العصر. وبهذا تقدم دولة قطر نموذجًا معاصًرا لتفعيل المنهج النبوي في إطار مؤسسي متكامل يوازن بين الثوابت الشرعية ومتطلبات الواقع الاجتماعي.(91)
وتتضافر هذه الجهود مع المؤسسات القضائية، بحيث يجمع النظام القطري بين النهج الوقائي والإصلاح الأسري، وبين اللجوء للتقاضي عند الضرورة، بما يحقق التوازن بين المبادئ الشرعية ومتطلبات الواقع المعاصر، ليكون نموذجًا عمليًا لتفعيل المنهج النبوي في إطار مؤسسي متكامل.
ثانيًا: الأبعاد الوقائية والتنموية للرؤية القطرية
تتجلى الأبعاد الوقائية والتنموية للرؤية القطرية في حرص الدولة على بناء منظومة قيم أسرية متوازنة، مستندة إلى رؤية قطر الوطنية ٢٠3٠ التي تؤكد إقامة مجتمع عادل وآمن، تشكل فيه القيم الإسلامية والروابط الأسرية ركيزة أساس للتنمية الاجتماعية المستدامة. ولا يقتصر هذا التوجه على صياغة السياسات العامة؛ بل يمتد إلى قياس أثرها في وعي الأجيال الصاعدة ومدى انعكاسها على واقع الأسرة القطرية.
وفي هذا الإطار، أظهرت دراسة جامعية على طلاب جامعة قطر أن الطلبة يشعرون بأن أسرهم توفر لهم الأمان والاستقرار، وتراعي رغباتهم الشخصية في التخطيط للحياة المستقبلية، وتحترم خصوصياتهم الفردية. كما عبّر بعضهم عن رفضهم للأفكار التي تُغلَّف بالدين لكنها تتعارض مع العدالة الأسرية، مثل تفضيل حقوق أحد الوالدين على الآخر، أو المفاضلة غير المنصفة بين الأبناء والبنات، خاصة في حالات المعاملة القاسية، وهو ما يدل على وعي نقدي متزن يستند إلى فهم صحيح لمقاصد العدل في الإسلام .(92)
كما أبرزت الدراسة حضور قيم الحوار والتفاهم داخل الأسرة، واعتبار الاختلاف أمرًا طبيعيًا يُدار بالنقاش الهادئ، إضافة إلى الدور الإيجابي لكبار السن كالجد والجدة في تعزيز التقارب بين الأجيال وتنمية ثقافة الاحترام المتبادل. وتجسدت كذلك قيم التسامح في الاعتزاز بالأصول الاجتماعية مع احترام الآخرين من مختلف الخلفيات، إلى جانب ترسيخ المساواة في فرص التعليم والتشاور الأسري دون تمييز بين الذكور والإناث، بما يعزز التوازن الاجتماعي والاقتصادي داخل البيت القطري.(93)
وتدعم المؤسسات التعليمية هذا التوجه من خلال مناهج التربية الإسلامية التي تعنى بمفاهيم الأسرة والعلاقات الأسرية وتعزيز القيم الدينية والتقاليد المحلية، بإشراف وزارة التربية والتعليم العالي وبمشاركة أكاديمية من جامعة قطر، بما يسهم في ترسيخ الهوية الثقافية وتنمية مهارات التفكير النقدي لدى الطلاب. ويؤكد ذلك نجاح مؤسسات الدولة في غرس قيم الأسرة وفق المنهج النبوي القائم على الرحمة والعدل والتوازن، بما يضمن استدامة الاستقرار الأسري وترسيخ رفاه المجتمع. في المقابل، تواجه كثير من الدول الأوروبية تحديات كبيرة ناجمة عن التفكك الأسري وآثاره الاجتماعية السلبية.(94)
رغم الصورة الإيجابية التي تتميز بها الأسرة القطرية من حيث الترابط وقيامها على المنهج النبوي، فإن ذلك لا يعني إغفال بعض التحديات المعاصرة التي قد تواجهها. فقد أشارت دراسة ميدانية إلى أن من أبرز هذه التحديات انشغال الأب والأم لساعات طويلة في العمل، أو انشغالهما بالتزامات اجتماعية أخرى على حساب الوقت المخصص للأبناء، إضافة إلى ما أفرزته التكنولوجيا الحديثة من مظاهر الإدمان التي قد تؤثر في طبيعة العلاقات داخل الأسرة.(95) ومن هنا تبرز أهمية الاستفادة من توجيهات المنهج النبوي وتطبيقاته في معالجة هذه المشكلات وتعزيز التماسك الأسري.
خاتمة
وفي ضوء ما تقدّم من تأصيلٍ للمنهج النبوي في بناء الأسرة وبيان أهميته في حفظ كيانها وصون استقرارها، يمكن إجمال أبرز نتائج هذا البحث في النقاط الآتية:
- يتسم المنهج النبوي في استقرار الأسرة بوجود ضوابط ومحددات متكاملة تُنظم بنيتها وتحفظ توازنها واستمراريتها.
- أنَّ تحصيَن المجتمعات المسلمة دينيًا وأخلاقيًا، وتحقيقَ انسجامها المجتمعي، مرهونان بالعودة إلى المنهج النبوي في بناء الأسرة ورعايتها.
- التصدي للفكر النسوي الغربي الدخيل، لما يحمله من تهديد مباشر للأسرة من خلال السعي إلى تقويض بنيانها وإشاعة الفاحشة وتدمير القيم، وهو ما يفضي في النهاية إلى أفول المجتمع وانهياره.
- المنهج النبوي في معالجة المشكلات الأسرية يجمع بين الواقعية والمثالية، بما يحفظ كيان الأسرة ويجعل هذا المنهج صالًحا لكل زمان ومكان.
- التحفظ على المواد المخالِفة للقيم الدينية، خصوصًا ما يمس منظومة الأسرة كما قررها المنهج النبوي، والعمل على مناهضتها في المحافل الدولية صونًا لثوابت المجتمع.
- تعزيز دور المؤسسات التعليمية والإرشادية في مكافحة الانحراف الأخلاقي، من خلال تأهيل منسوبيها علميًا وفكريًا وأخلاقيًا.
- يُسهم استلهام المنهج النبوي في معالجة المشكلات الأسرية في تعزيز استقرار الأسرة القطرية وترسيخ المودة بين أفرادها، مع تحقيق التوازن بين الحقوق والواجبات، وذلك بدعم وتكامل مؤسسات الدولة القطرية المتخصصة مثل «وفاق» و«وتد»، التي تجمع بين المرجعية الشرعية والحلول المعاصرة.