البيتكوين هي إحدى العملات الرقمية المشفرة، والتي لا تخضع لأي رقابة حكومية، أو رسوم معاملات أو تحويلات، وقد نشأت عام 2009م من قبل شخص غير معروف، أطلق على نفسه اسم ساتوشي ناكاموتو، وقد تم طرح هذه العملة بقصد استخدامها في علميات الدفع التي لا تضع لأي رقابة. وهو عملة غير مغطاة بأي نوع من أنواع  المال الحقيقي أو الذهب والفضة.

عملة البتكوين – وأخواتها من العملات المشفرة- هي مجرد أرقام أو أشكال إلكترونية كتبت أو رسمت أو برمجت من خلال بعض الأشخاص بواسطة أجهزة الحاسب الآلي، وليس لها أصل محسوس، كما أنه ليس لها تكلفة إلا الكهرباء المستعمل في الأجهزة والوقت الذي أنفق فيها.

ومن أهم الفوارق بينه وبين العملة الورقية أن الأخيرة تصدر من قبل البنوك المركزية بخلاف البتكوين و العملات الرقمية غير الرسمية، كما أن البيتكوين وأخواتها عرضة للتذبذب الكبير بخلاف العملات الورقية.

الاجتهاد الفقهي في حكمها

اختلفت الاتجاهات الفقهية المعاصرة في حكم البيتكوين والعملات الرقمية المشفرة والافتراضية إلى ثلاثة اتجاهات:

الاتجاه الأول: وهو قول جمهور الفقهاء المعاصرين والذي يذهب إلى حرمة تصنيع وشراء البيتكوين والعملات الرقمية غير الرسمية، وعلة الحكم عندهم أن هذه العملة ليست نقدا ولا سلة ولا أصلا ماليا حقيقيا.

الاتجاه الثاني: القول بإباحة التعامل بالبيتكوين وأخواتها، فهي – عندهم- عملة؛ لاعتراف بعض الدول بها، ولأنها إن لم تكن عملة، فهي سلة؛ لشدة الإقبال عليها وتداولها.

الاتجاه الثالث: التوقف؛ لعدم وضوح الرؤية عند بعض الفقهاء، وكما هو معلوم؛ فإن التوقف ليس حكما شرعيا.

النظر الاجتهادي في البيتكوين والعملات الرقمية

العملات الرقمية الرسمية:

يجوز التعامل بالعملات الرقمية الرسمية إذا أصبحت بديلا عن العملات الورقية، وكانت خاضعة للبنوك المركزية بإشراف الدولة، وتعهدت الجهات بصرفها بقيمتها من أي أنواع البضائع أو الإنتاج المحلي؛ وبناء الجواز على دليل القياس على العملات الورقية التي تصدر من البنوك المركزية والتي يتعامل بها الناس، سواء كان لها رصيد من الذهب الفضة أو بأموال عينية أخرى، أو ليس لها رصيد من الذهب والفضة أو حتى الأموال العينية كما هو الحال في الدولار وغالب العملات بعد انفكاك العملة عن قيمتها الحقيقية، وهو المعمول به في غالب الدول الآن، وذلك لأن الناس قبلت التعامل بها كوسيط نقدي وليس له غطاء حقيقي؛ مع طبيعة الاستقرار النسبي له في سعر السوق.

العملات الرقمية غير الرسمية:

لا يجوز التعامل بالبتكوين – وأخواتها من العملات الرقمية المشفرة- وذلك لما يلي:

أولا- قيامهما على عملية خلق النقود: فالعملات الرقمية غير الرسمية قائمة على عملية ( خلق النقود) من لا شيء، وهو الوجه المقابل للربا، وذلك اشترط النبي في عقد الصرف التقابض، وهو وسيلة لمنع عملية خلق النقود؛ كما ورد في الحديث الصحيح:” الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلا بمثل، سواء بسواء، يدا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف، فبيعوا كيف شئتم، إذا كان يدا بيد.

فالربا تمنعه المماثلة، وخلق النقود يمنعه التقابض، وهناك ارتباط وثيق بين الربا وخلق النقود، وكلاهما محرم في الشريعة بنص كلام النبي .

كما أنه يترتب على الربا وخلق النقود من المفاسد ما يضر بالاقتصاد مما جعلهما من المحرمات في المجال الاقتصادي.

ثانيا-  أنها مال متوهم غير حقيقي: إن عملية خلق النقود التي من أهم صورها البيتكوين والعملات المشرفة يتولد عنه مال متوهم ليس حقيقيا، فتتكون الثروة في يد عدد محدود من الذين لهم قدرة على إيجاد البيتكوين والعملات الرقمية المشفرة، مما يغني غنى فاحشا لدى هؤلاء وفقر لدى الطوائف الأخرى، وهو نفس علة تحريم الربا، كما قال تعالى: {كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ} [الحشر: 7].

ثالثا- الاحتكار: كما أن تخليق العملة الالكترونية المشفرة من قبل أشخاص بدون رقابة يؤدي إلى احتكارها في عدد معين، وكما هو معلوم أن الاحتكار في الشريعة حرام لما يترتب عليه من ضرر، كما ورد في صحيح مسلم من حديث النبي :” لا يحتكر إلا خاطئ”.

رابعا- القمار: أن العملات الرقمية المشفرة تتعرض للتذبذب الكبير والسريع؛ مما يجعلها نوعا من أنواع القمار المحرم؛ لقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } [المائدة: 90]، وعلة التحريم من جهة كونه قمارا أنه كسب مبني على اللعب بالحظ، فحين يشتري الإنسان البيتكوين – أو إحدى أخواتها- فإن كسبه مبني على الحظ؛ فقد يرتفع السعر جدا، أو ينخفض جدا، والأصل في العملة الاستقرار والانضباط ولو نسبيا.

عدم تكييف البيتكوين وأخواتها من كونها نقد؛ لأنها – حتى الآن- ليست وسيطا للتبادل؛ وهي أهم وظائف النقود، فالبيتكوين لا يتوافر فيها خصائص النقود، التي من أهمها:

1 – أنها وحدة لقياس السلع والخدمات بوحدات نقدية.

2 – أنها وسيط للتبادل، فمن خلالها يسهل الحصول على السلع والخدمات.

3 – أنها قابلة للادخار ومحفظة مالية لحفظ القيمة المالية لها.

4 – أنها أداة للمدفوعات الآجلة، فلابد من الثبات في القوة الشرائية.

والبيتكوين – وأخواتها من العملات المشفرة غير الرسمية-لا تتصف بهذه الصفات للنقد.

خامسا- ليست سلعة: كما أن البيتكوين وأخواتها لا تعد سلعة، لأن المقصود بها التبادل وليست مقصودة لذاتها؛ كما هو الحال في السلع.

سادسا- ليست أصلا ماليا: فالبيتكوين وأخواتها لا تعد أصولا مالية حقيقة، فليست هي موجودات أو أصول عينية أو خدمات ونحو ذلك.

سابعا- عدم صدورها من السلطات المختصة: فهذه العملات تصدر عن جهات أو أشخاص مجهولين، وليس من قبل الحاكم، جاء في فتح العزيز بشرح الوجيز = الشرح الكبير للرافعي (6/ 13): ط ويكره للرعية ضرب الدراهم وإن كانت خالصة فانه من شأن الإمام”.

وفي “الأحكام السلطانية” ص 281: ” ونقل جعفر بن محمد عن الإمام أحمد قوله : لا يصلح ضرب الدراهم، إلا في دار الضرب بإذن السلطان؛ لأن الناس إن رخص لهم ركبوا العظائم.

وفي الموسوعة الفقهية الكويتية (25/ 105): ” نص الفقهاء على أن لإمام المسلمين ولاية ضرب الفلوس والدراهم والدنانير للناس في دار الضرب وأن تكون بقيمة العدل في معاملاتهم تسهيلا عليهم وتيسيرا لمعاشهم، ولا يجوز له أن يضرب المغشوش للحديث الصحيح: من غشنا فليس منا (رواه مسلم) كما لا يجوز لغير الإمام أن يضرب لأنه من الافتيات عليه ولأنه مظنة للغش والإفساد بتغير قيم الدراهم والدنانير ومقاديرها”.

ثامنا- عدم استقرار السعر: فعدم وجود الاستقرار النسبي للبيتكوين وأخواتها من العملات الرقمية غير الرسمية، وهذا الاستقرار للعملة يحقق العدل بين البائع والمشتري ويحفظ العقود التي بين الناس خاصة في الآجال الطويلة.

وقد نص عدد من الفقهاء على وجوب الاستقرار للعملة، قال ابن أبي العز الحنفي في التنبيه على مشكلات الهداية (4/ 413): ” أما الدراهم والدنانير فهي أثمان المبيعات وبها يعرف تقويم الأموال فيجب أن تكون محدودة لا ترتفع قيمتها ولا تنقض، وقد حرم فيهما ربا النساء لما فيه من الضرر بالمحاويج، وهو الأصل في تحريم الربا ، ولذلك قال --: “إنما الربا في النسيئة” رواه البخاري ومسلم والنسائي.

ويقول ابن القيم في إعلام الموقعين عن رب العالمين (2/ 105): فإن الدراهم والدنانير أثمان المبيعات، والثمن هو المعيار الذي به يعرف تقويم الأموال، فيجب أن يكون محدودا مضبوطا لا يرتفع ولا ينخفض؛ إذ لو كان الثمن يرتفع وينخفض كالسلع لم يكن لنا ثمن نعتبر به المبيعات، بل الجميع سلع، وحاجة الناس إلى ثمن يعتبرون به المبيعات حاجة ضرورية عامة، وذلك لا يمكن إلا بسعر تعرف به القيمة، وذلك لا يكون إلا بثمن تقوم به الأشياء، ويستمر على حالة واحدة، ولا يقوم هو بغيره؛ إذ يصير سلعة يرتفع وينخفض، فتفسد معاملات الناس، ويقع الخلف، ويشتد الضرر، كما رأيت من فساد معاملاتهم والضرر اللاحق بهم حين اتخذت الفلوس سلعة تعد للربح فعم الضرر وحصل الظلم، ولو جعلت ثمنا واحدا لا يزداد ولا ينقص بل تقوم به الأشياء ولا تقوم هي بغيرها لصلح أمر الناس.

الخلاصة:

أن العملات الرقمية إذا صدرت من الدول وحلت محل الأوراق المالية بما لها من قوة؛ فهي مباحة، أما العملات الرقمية غير الرسمية؛ فلا يجوز التعامل بها؛ لما في ذلك من الضرر والمفاسد الشرعية التي بينت سابقا.