“تفسير القرآن العزيز” لابن أبي زَمَنِين: عرض وتعريف

تفسير القرآن العزيز

شكّل القرآن الكريم للبشرية دستوراً مُحكَماً ومنبعاً صافياً ثرياً، فأقبل عليه المتعطّشون للهداية والسعادة والحكمة لينهلوا من مَعِينه الذي لا ينضب، يتقدمهم علماء التفسير الذين كانت لهم اليد الطُّولَى في تقريب وتبسيط معاني هذا الكتاب العزيز للناس عامة وخاصة، حيث بذلوا جهوداً جبَّارة وتنافسوا في هذا الميدان الشريف تنافساً إيجابياً، فتعدّدت كتب التفاسير مثل: “تفسير القرآن العزيز” حتى صار من الصعب حصرها والكشف عن حقيقتها وأهميتها ومصادرها ومناهجها ومذاهبها في كتاب أحرى في مقالة.

والحقيقة التي لا مِراء فيها أن هناك مجموعة من التفاسير القرآنية ذاعَ صيتها بين الناس عامة وخاصة، فأصبح الباحثون والمهتمون بالقرآن وعلومه يعودون إليها من أجل فهم مضامين النص القرآني وما يتعلق به من علوم جليلة نافعة، ولكن في المقابل هناك تفاسير قرآنية مهمة لم تأخذ القدر الكافي من الشُّهرة والعناية والدراسة مقارنة ببعض التفاسير المشهورة بيننا اليوم، ومن التفاسير القديمة التي ينبغي أن نُعرّف بأهميتها وقيمة أفكارها ومنهجها “تفسير القرآن العزيز” للإمام القدوة الزاهد شيخ قرطبة أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن أبي زمنين (324-399 هـ).

وحرصاً على الإسهام في التعريف بأعلام علم التفسير، سنحاول في هذه المقالة أن نقدّم نبذة موجزة عن المفسّر السنّي المالكي المعروف اختصاراً بـ “ابن أبي زمنين”، حيث سنعرّج على حياته ومكانته العلمية وكتبه المتعدّدة ومصادر ترجمته، ثم نركّز بعد ذلك على التعريف بتفسيره المهم الذي يتألف من خمسة أجزاء، يتناول الأول (الفاتحة – النساء)، والثاني (المائدة – النحل)، والثالث (الإسراء – الأحزاب)، فيما يتناول الرابع (سبأ – الطلاق)، والخامس (التحريم – النساء).

أولاً، نبذة عن الإمام ابن أبي زمنين

صاحب “تفسير القرآن العزيز”، الذي نحن بصدد الحديث عنه، هو محمد بن عبد الله بن عيسى بن محمد المري الإمام أبو عبد الله الإلبيري المعروف اختصاراً بـ “ابن أبي زَمَنِين” بفتح الزاء والميم وكسر النون، نزيل قرطبة سمع وروى، وكان عارفاً بمذهب الإمام مالك بن أنس (ت: 179 هـ)، متفنناً في الأدب والشعر، مقتفياً لآثار السلف[1].

يعتبر ابن أبي زمنين من علماء التفسير في القرن الرابع الهجري، ولهذا فهو قريب عهد بالقرون الثلاثة الأولى المفضلة، له مكانة مرموقة عند علماء التفسير والحديث والفقه والعقيدة والشعر والأدب والاجتهاد والفلسفة، وكان ابن رشد يعزو له، قال ابن السالك: “ورأيت ابن رشد يعزو له ويعبّر عنه ببعض أهل النظر، ويعني بأهل النظر أهل الاجتهاد”[2].

قدّم ابن أبي زمنين خدمات جليلة للحضارة الإسلامية، نكتشف ذلك من خلال ثناء كثير من علماء السلف الصالح عليه، حيث قال عنه أبو عمر الداني (ت: 444 هـ): “كان ذا حفظ للمسائل، حسن التصنيف، وله كتب كثيرة ألّفها في الوثائق والزهد والمواعظ (..)، وكان من الورعين البكائين الخاشعين”، تحدث عنه محمد بن علي بن أحمد الداوودي (ت: 945 هـ)، فقال إنه من المفاخر الغرناطية، كان من كبار المحدثين، والعلماء الراسخين، وأجلّ أهل وقته قدراً في العلم والرواية والحفظ للرأي[3].

كما تحدث علماء آخرون عن ابن أبي زمنين نكتشفهم من خلال مصادر ترجمته التي منها: طبقات المفسرين للسيوطي، وطبقات المفسرين للداودي، والوافي بالوفيات للصفدي، وسير أعلام النبلاء للذهبي، والأعلام للزركلي، وتاريخ الإسلام وطبقات المشاهير والأعلام للذهبي، وترتيب المدارك للقاضي عياض، وشجرة النور الزكية في طبقات المالكية لابن مخلوف، وتاريخ الأدب لكارل بروكلمان، وتاريخ التراث العربي لفؤاد سزكين.

وقد أثرى ابن أبي زمنين المكتبة الإسلامية بمؤلفات مهمة، من أهمها: المغرب في اختصار المدونة وشرح مشكلها، ومنتخب الأحكام، وأدب الإسلام، وأصول السنة، واختصار شرح الموطأ لابن مزين، و”المشتمل” في علم الوثائق، وحياة القلوب، والنصائح المنظومة، والمذهب في الفقه، وقدوة الغازي، وتفسير القرآن العزيز الذي هو موضوع هذه المقالة.

ثانياً، أهمية تفسير ابن أبي زمنين

الكشف عن أهمية تفسير ابن أبي زمنين لا يحتاج إلى عناء كبير، إذ يبدو أن هذا التفسير كان مصدراً مهماً عند عدد من علماء السلف، فقد نقل عنه بعض علماء التفسير مثل أبي إسحاق الثعلبي (ت: 427 هـ)، وابن عطية (ت: 546 هـ)، والقرطبي (ت: 671 هـ)، وأبي حيان الأندلسي (ت: 745 هـ)، كما نقل عنه بعض علماء الحديث مثل ابن بطال (ت: 449 هـ).

والحقيقة أن نقل هؤلاء العلماء عن ابن أبي زمنين ليس بغريب، نظراً لأنه سبق كثيراً من المفسرين المشهورين بيننا اليوم؛ هذا إذا استثنينا الطبري الذي توفي عام (310 هـ) في حين ولد ابن أبي زمنين عام (324 هـ)، ويأخذ تفسير ابن أبي زمنين هذا أهميته من كونه عبارة عن تهذيب جميل ومفيد لتفسير يحيى بن سلام (ت: 200 هـ)، الذي يعدُّ من أقدم رواد التفسير، وأدرك نحو عشرين من التابعين وروى عنهم.

ورغم هذه الأهمية الكبيرة، فقد ظل تفسير ابن أبي زمنين بعيداً عن متناول أيدي القراء على مدى قرون طويلة حتى صدرت طبعته الأولى عام 2002، وقارئه سيكتشف أنه تفسير جليل “يمتاز بالإيجاز، وسهولة العرض، وعدم الخوض في الخلافات الفرعية، مع عمق الفهم وأصالة الاستدلال، والسلامة من البدع”[4]، ومناسب لكل الطبقات، وتلك لعمري مميزات مهمة جداً.

ومع كل ما سبق ذكره من إيجابيات، فإن تفسير ابن أبي زمنين -كعمل بشري- لا يخلو من بعض المآخذ، ومن تلك المآخذ: ذكره بعض الإسرائيليات المنكرة، والأحاديث الضعاف والمنكرة، والإكثار من ذكره لتفسير محمد بن السائب الكلبي المُتّهم في روايته[5].

ثالثاً، منهج ابن أبي زمنين في التفسير

عندما ألّف ابن أبي زمنين تفسيره هذا لم يترك القارئ في حيرة من أمره، بل قام بتوضيح منهجه في التفسير في المقدمة، فقال: “وبعد، فإني قرأت كتاب يحيى بن سلام في تفسير القرآن، فوجدت فيه تكراراً كثيراً، وأحاديث ذكرها يقوم علم التفسير دونها، فطال بذلك الكتاب، وإنه للذي خُبرته من قلة نشاط أكثر الطالبين للعلوم في زماننا هذا، إلّا إلى ما يخف في هذا الكتاب على الدارس، ويقرب للمقيد، نظرتُ فيه فاختصرتُ مكرّره وبعض أحاديثه وزدتُ فيه من غير كتاب يحيى تفسير ما لم يفسره يحيى، وأتبعتُ ذلك إعراباً كثيراً ولغة على ما نقل عن النحويين وأصحاب اللغة السالكين لمناهج الفقهاء في التأويل، زائداً على الذي ذكره يحيى من ذلك”[6].

والواضح أن كلام ابن أبي زمنين هذا يشتمل على ثلاثة أمور، وهي: سبب اختصاره لتفسير يحيى ابن سلام، ومنهجه واختصار المكرّر وبعض الأحاديث، وإضافة زيادات على تفسير يحيى، ونحن إذا نظرنا إلى تفسير ابن أبي زمنين سنجد أن من معالم منهجه أنه “يسير في التفسير من مبتدئه إلى منتهاه على نسق واحد لا يعدوه، فيمزج المصنف بين الآيات وتفسيرها عن طريق تقطيع الآية إلى أجزاء يعقف كل جزء تفسيره”[7].

ثم إن من معالم منهج ابن أبي زمنين أنه كان حريصاً على الاختصار، لذلك نجده يعتمد الإحالة على ما سبق تفسيره، ومن ذلك قوله عند تفسيره لقوله تعالى: {وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا}: “وهو ما حرموا من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، وقد مضى تفسير هذا”[8]، كما نجده يُحيل إلى كتب الفقه والأحكام، ومن ذلك قوله عند تفسيره لقوله تعالى: {وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ}: “ذكر يحيى سُنة صلاة الخوف، ونقل فيها اختلافاً، فاختصرتُ ذلك، إذ له موضعه في كتب الفقه”[9].

ومن الأمور التي تكشف جوانب من منهج ابن أبي زمنين الشواهد والقضايا النحوية، فإذا نظرنا إلى الشواهد عنده سنجد أنها متعددة، حيث تشمل: القرآن الكريم بقراءاته، والحديث النبوي الشريف والآثار، وأقوال العرب الفصحاء، والمرويات الشعرية، أما إذا نظرنا إلى القضايا النحوية واللغوية فسنجد أيضاً أنها كثيرة، فهناك -مثلاً- حديث عن التوجيه الإعرابي، وقضايا الأصل الاشتقاقي والأصل اللغوي، ومباحث الإدغام والحذف والتقدير، والمذكر والمؤنث.. إلخ.

ومن الملاحظ أن أغلب القضايا النحوية التي كان ابن أبي زمنين يتعرض لها لم يكن يعزوها كلها إلى أصحابها، وإنما كان يعزو بعضها فقط، فقد عزا -مثلاً- إلى الزجاج والخليل بن أحمد وأبي عبيد والكسائي[10]، وهذا الأمر يذكّرنا بضرورة الإشارة إلى مذهب ابن أبي زمنين النحوي، الذي يبدو أنه كان ينحو منحى النحاة البصريين وينقل آراءهم مثل الزجاج والخليل بن أحمد، لكنه في الوقت نفسه كان ينقل آراءهم الكوفيين مثل أبي عبيد والكسائي[11]، ونجد في تفسيره نماذج تؤكد هذا الأمر.

رابعاً، نماذج من تفسير ابن أبي زمنين

بعد أن عرّفنا بشيخ قرطبة ابن أبي زمنين وكشفنا عن أهمية تفسيره وعرّجنا على بعض القضايا الكبرى التي تكشف عن منهجه في التفسير، جاز لنا أن نعرض نماذج من تفسيره من خلال اختيار آيات قرآنية من سوّر مختلفة، نبدأها بسورة الفاتحة التي نجده يفسّرها بطريقة تكشف لنا عن منهج الإيجاز والوضوح والسهولة الذي يعتمده في تفسيره هذا، فعند تفسيره لقوله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} نجده يقول: “وقوله {الْحَمْدُ لِلَّهِ} حمد نفسَه، وأمر العباد أن يَحمدوهُ، والحمدُ: شكر النعمة. {رَبِّ الْعَالَمِينَ} العالَمون: الخلق”[12].

أما في تفسيره لسورة البقرة، فأول ما نلاحظه أن ابن أبي زمنين لم يفسّر حروف المعجم التي في أوائلها {ألم}، بل اكتفى بنقل كلام يحيى في هذا السياق، ثم ختم حديثه عن حروف المعجم بالقول: “وقد سمعت بعض من أقتدي به من مشايخنا يقول إن الإمساك عن تفسيرها أفضل. {ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ} يعني: هذا الكتاب لا شكّ فيه، {هُدًى لِلْمُتَّقِينَ}: الذين يتقول الشرك”[13].

ولا يخفى على قارئ هذا التفسير اهتمام ابن أبي زمنين بشرح غريب القرآن الكريم، حيث نجده في تفسير قوله تعالى: {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً} يتوقف مع {نِحْلَةً} فيقول: “اختلف القولُ في {نِحْلَةً} من الله عز وجل للنساء، إذ جعل على الرجل الصداق، ولم يجعل على المرأة شيئاً، يقال: نَحلتُ الرجلَ إذا وهبت له هِبةً، ونحلت المرأة”[14]. والأمر نفسه نلاحظه في سورة الأعراف، حيث نجده يتوقف مع معنى “الحرج” في قوله تعالى: {المص كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ}، فيعلق قائلاً: “أصل الحرج الضيق، والشاك في الأمر يضيق به صدراً، فسمى الشك حرجاً”[15].

أما في سورة الرعد، فنجد ابن أبي زمنين يستخدم منهج الإحالة إلى السابق خلال تفسيره لقوله تعالى: {المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ}، فيقول: “قوله {المر} قد مضى القول في حروف المعجم فيما تقدم، {تِلْكَ آيَاتُ} هذه آيات {الْكِتَابِ} القرآن”[16]، حيث توقف مع هذا الأمر عند تفسيره لسورة البقرة كما رأينا آنفاً.

وفي سورة الإسراء، نجد مثالاً على اهتمام ابن أبي زمنين بالقضايا اللغوية في قوله تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى}، حيث يقول: “معنى أسري به أي سيّره، ولا يكون السُّرى إلا ليلاً، وفيه لغتان: سرى وأسرى”[17]، ومن الأمثلة على القضايا النحوية الإعرابية قوله عند تفسيره لقوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ}: “{جَنَّتَانِ} بدل من {آيَةٌ}، {وَرَبٌّ غَفُورٌ} مرفوع على معنى والله رب غفور”[18].

وفي سورة نوح، توقف ابن أبي زمنين مع معنى {جنات} في قوله تعالى: {وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا}، فقال: “جنات: بساتين، وقيل: إنهم كانوا قد أجدبوا فأعلمهم أن إيمانهم بالله يجمع لهم مع الحظ الوافر في الآخرة الخصب والغنى في الدنيا”[19].

وفي الختام، نرجو من الله تعالى أن تساهم هذه المقالة في لفت الانتباه إلى هذا التفسير السنّي المهم في بابه، الذي يأخذ ميزته وأهميته من أمور عديدة، منها أنه ينتمي إلى عصر قريب من القرون الأولى المفضلة، وأنه صنف من طرف عالم سنّي مالكي أندلسي، أجمع العلماء على سلامة عقيدته، ونضج فكرته، وروعة أسلوبه، وطول باعه في العلوم الإسلامية.


[1] الصفدي، الوافي بالوفيات، ج2، 260.
[2] محمد عبد الرحمن بن السالك، عون المحتسب، 159.
[3] محمد بن علي بن أحمد الداودي، طبقات المفسرين، ج2، 165.
[4] ابن أبي زمنين، تفسير القرآن العزيز، ج1، 9.
[5] المصدر نفسه، ج1، 60-64.
[6] نفسه، ج1، 111.
[7] نفسه، ج1، 31.
[8] نفسه، ج2، 101.
[9] نفسه، ج1، 402.
[10] انظر، نفسه، ج1، 49.
[11] انظر، نفسه، ج1، 52-53.
[12] نفسه، ج1، 118.
[13] نفسه، ج1، 120.
[14] نفسه، ج1، 346.
[15] نفسه، ج2، 111.
[16] نفسه، ج2، 344.
[17] نفسه، ج3، 5.
[18] نفسه، ج4، 11.
[19] نفسه، ج5، 40.

المواد المنشورة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي إسلام أون لاين

أحدث المقالات