جدل الدين والحداثة بين الإسلام والغرب

جدل الدين والحداثة بين الإسلام والغرب

يبدأ الكاتب صلاح سالم كتابه “جدل الدين والحداثة، من عصر التدوين العربي إلى عصر التنوير العربي” بسؤال هو: هل الدين متواجد في عصرنا الحالي في العالم الغربي والعالم العربي؟ ويجيب أن حضور الدين أو غيابه مرتبط بمدى قدرته على تكريس روحانية مؤمنة ينمو معها الشعور بالتواصل مع المقدس على نحو يكفل طمأنينة للنفس وتساميا على الغرائز وتناغما مع المبادئ الأساسية للوجود.

يتضمن كتاب جدل الدين والحداثة بابين:

الباب الأول: تناول مآلات الدين في العالم الغربي موضحًا، مسارات الحداثة، والعقل في فلك الإيمان، والعقل والحرية في مواجهة الإيمان، وتجليات التنوير المادي والروحي، وتحولات العلمنة.

الباب الثاني: كشف عن مأزق الدين في العالم العربي مشيرا، إلى إخفاقات الحداثة وانكسار المشروع النهضوي العربي، والفكر النهضوي العربي، وجدل تيارات الفكر العربي الحديث، ومن الإصلاح الديني إلى العنف الأصولي، وتحديات التنوير، وإشكاليات العلمنة، والولاية والخلافة بين السنة والشيعة، وتاريخية الدولة من السلطة النبوية إلى السلطة الرعوية، ونحو صياغة عصرية للمجتمعات العربية، والدولة المدنية والأخلاق الإنسانية.

رحلة فكرية ممتعة

يصحبنا صلاح سالم في هذا الكتاب، في رحلة فكرية ممتعة ومثيرة للتفكير والتأمل، رحلة عالمية وكونية وإنسانية تمتد جغرافيا من الشرق إلى الغرب ودينيا من الإسلام إلى المسيحية والديانات التوحيدية، بل والديانات بشكل عام، وزمنيا تمتد من ظهور الديانات التوحيدية إلى زمن الحداثة وما بعدها، وذلك عبر مختلف اللحظات التاريخية الفارقة والمؤسسة، لمرتكزات كل من الدين والحداثة، وطبيعة الجدل والتفاعل بينهما وتجلياته الفكرية والسياسية.

يتمحور كتاب “جدل الدين والحداثة” حول فكرتين، أو بالأحرى أطروحتين أساسيتين، شغلتا العقل البشرى منذ ظهور الأديان التوحيدية بصفة خاصة، ومثلتا بؤرة الصراع والتوتر طوال مسيرة التاريخ الإنساني ورحلته مع الدين والحداثة، والتي استمرت عدة قرون ومازالت حتى الآن، وتشكل هاتان الأطروحتان مرتكزات التجليات الفكرية والفلسفية والسياسية والعقلية والعلمية التي نجمت عن جدل الدين والحداثة أو الصراع والتفاعل بينهما.

مركزية السماء ومركزية الإنسان

تتمثل هاتان الأطروحتان حول “مركزية السماء” وملكوت اللهس الذى يتجلى في الإيمان الديني التوحيدي، بدرجات وصور متباينة في الأطروحة الأولى، وتتمثل الأطروحة الثانية في “مركزية الإنسان” والفاعلية العقلية التي يمتلكها والقادرة على سبر أغوار الطبيعة والوجود المادي وفك شفراتهما وكشف وقوانينهما للسيطرة عليهما، وكان لكل من هاتين الأطروحتين لحظات وتجليات وتأويلات مختلفة وفق العصور والملابسات التاريخية، انعكست آثارها على الإنسان وأنظمة الحكم والسلطة والفلسفة وعلوم الطبيعة.

وفي حين أن مركزية السماء والإيمان والتوحيد التي سيطرت على قرون ما قبل الحداثة، أفضت في أغلب لحظاتها ومراحلها إلى تهميش الإنسان وتقييد حريته وإرادته وعقله إذا ما استثنينا بعض اللحظات التاريخية المضيئة في تاريخ الإسلام أو في تاريخ المسيحية، فإن الحداثة عبر تطورها المتلاحق استندت على مثلث تأكيد سلطة العقل والإرادة والحرية الإنسانية، عزز من ذلك المكتشفات العلمية والعقلية التي اكتسبتها الإنسانية في معرض اكتشفاها لذاتها وإعمال فاعلية العقل باعتباره مفتاح فهم الطبيعة وكشف مكنونها وأسرارها.

الصراع بين الروح والعقل الإيماني

كان من نتائج هذا الصراع وتلك المنافسة بين الروح والعقل الإيماني، وبين الروح والعقل البشرى الحديث، صراع المقدس والدنيوي على الاستحواذ على مقدرات الإنسان وحاجاته الرمزية والمادية، فاستهدف الدنيوي والحديث تهميش “المقدس” والتقليدي تدريجيا، بهدف إزاحته كليا أو الإبقاء عليه في إطار المجال الخاص، في حين أن الديني والمقدس كان يحاول استعادة مواقعه التي فقدها في خضم هذا الصراع.

في المجال الديني كانت لحظات الحرية والعقلانية والإرادة الإنسانية تبدو كومضات سريعة لا تتمكن من الصمود طويلا أمام التيار السائد والمسيطر من ناحية التأويل وانتزاع الإنسان من حريته وإرادته، بل سرعان ما تنزوي أمام تحالف السلطان والفقهاء أو تحالف الكنيسة ورجال الدين مع الملوك والإقطاع والنبلاء؛ في إطار هذه السيطرة الفكرية والعقلية التقليدية لسلطة الدين، شقت الحداثية مجراها عبر مراحلها ولحظاتها المختلفة سواء الجمالية والفنية والعقلية والسياسية والعلمية والتي فتحت الأبواب أمام مغامرة العقل الإنساني.

الثنائية المتطرفة

يطرح الأستاذ صلاح سالم في مواجهة تلك الثنائية المتطرفة الدينية والعلمانية “نداء استغاثة” لإنقاذ البشرية من الغرق بطرفيها الديني والعلماني، ويتمثل مضمون هذا النداء فى اقتراح التوازن بين السماء والأرض، بين المقدس والدنيوي، من خلال تأسيس “روحانية مؤمنة” تسمو بالنفس البشرية وبالأخلاق الإنسانية سموا يجعلها فى موقع المصالحة مع ذاتها ومع الآخرين، ويوفر مرجعية قيمية ونموذجية للمزواجة بين العلم والإيمان، بين الحرية الإنسانية وبين الإيمان بالمقدس، وتقيم مصالحة ممكنة واقعيا وعمليا وفلسفيا بين الفهم السامي للدين وبين منجزات العلم والعقل والحداثة.

ويرتكز هذا التصور في كتاب “جدل الدين والحداثة” على أسس عديدة من بينها، أن معظم وأغلب الفلسفات التنويرية والمادية والتيارات السياسية التي ارتكزت عليها يبدو وكأنها لم تفلح في إزاحة الدين كلية من المجال العام، حتى في صورها الأكثر راديكالية في مناهضة الدين والمقدس كالعلمانية الكمالية في تركيا والعلمانية اليعقوبية فى فرنسا، وغيرهما من البلدان التي تبنت الفلسفة المادية والاشتراكية، حيث عاد الدين ليشغل مكانته فى هذه المجتمعات، ويلبى الحاجة العميقة للتدين والإيمان.

نداء إستغاثة لانقاذ البشرية

عندما تقرأ كتاب “جدل الدين والحداثة” لن تخرج منه كما دخلت أول مرة، فسوف يؤرقك وسيدفعك إلى مزيد من التفكير والتأمل ويفتح لك الباب للخروج من أسر هذه الثنائية أو على الأقل محاولة الخروج.

وهكذا تنمو العوالم الداخلية للإنسان إذا ارتبط المؤمن رأسياً بعالم الغيب على نحو يذكره بمآله ومصيره ويستخرج منه أنبل ما فيه كالضمير الأخلاقي، المريد للخير والرافض للشر، المدفوع إلى الحق والرافض للظلم. كما يرتبط أفقياً بعالم الشهادة، حيث البشر الآخرون، ربطاً يقوم على المحبة والتراحم ويناهض القسوة والعنف.

يقول الكاتب إنه في عالم اليوم غابت الروحانية مرة بفعل التطرف الوضعي النازع إلى فصم عرى العلاقة بين الله والإنسان بالإفراط في المركزية الإنسانية على حساب المركزية الإلهية حيث جرى تقديس العقل وتمجيد الإرادة إلى حد الإدعاء بموت الله على مذبح الإنسان (السوبر مان). كما غاب مرة أخرى بفعل الإرهاب العدمي الذى أمعن في القسوة والإيذاء وفي قتل الإنسان على مذبح الله كمسلك عدمي يعكس ردة فعل هوجاء على التطرف الوضعي. وهكذا أخذ الجميع يضلون الطريق إلى الله بفعل العجز عن صوغ علاقة توازنية بين السماء والأرض.

ويعتبر الكاتب كتابه هذا نداء إستغاثة يصدر عن المؤلف من سفينة الإنسانية إلى الفريقين الذين أشرفا على الغرق في تطرفاتهما في اتجاه نفي الله أو الإنسان بغية إعادة تأسيس مشروع التنوير الغربي في ذروته النقدية وصيغته الكانطية وحسه الإنساني في عالم القرن الحادي والعشرين.

مآلات الدين في العالم الغربي

في السياق الغربي المسيحي الذي اتخذ شكل تجربة قومية اكتمل فيها الجدل بين الدين والحداثة على مدى خمسة قرون تقريباً، ثمة دعوة إلى الخلاص من الغرور الوضعي المتعالي على سردية الإيمان حيث يتجاذب مستقبل الدين في العالم الغربي مقولتان أساسيتان: الأولى هي نهاية الدين التي مثلت ذروة النقد التنويري المادي والتي تعايشت بعد طول صراع مع علمنة السياسة. أما الثانية فهي خصخصة الدين التي تمثل منطق مجتمعات ما بعد الصناعة وما بعد الحداثة وتفضي ذروتها إلى علمنة الوجود.

والمقولة الأولى تسبق الثانية بنحو قرن تقريباً، إذ تصاعدت في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر وتحدثت عن موت الله أو رحيله عن عالمنا، حيث يقبع الإلحاد الكامل قبل أن تهدأ موجتها وتتواضع طموحاتها وتكتفي بإحالة الدين إلى أمر شخصي قد تنفذ بعض إشاعاته إلى المجال الاجتماعي. أما المقولة الثانية فقد بدأت في الثلث الأخير من القرن العشرين، وهي لا تقول نظرياً بنهاية الدين، ولكنها تقود عملياً إلى تفكيكه والتعاطي معه كأمر عادي دنيوي ينتمي إلى عالم مدنس.

وانطلقت مقولة “نهاية الدين” من اعتقاد متعجل بإستحالة وجود أديان كبرى تقبل بالعلمنة السياسية وتتعايش مع الحرية الفردية، ومن ثم توقعت نشوب معركة صفرية بينهما لا بد وأن تنتهى بهزيمة الدين والخلاص منه عبر سيرورة يسطع فيها الإنسان ويختفي الله، وتنمي فيها الحداثة، ويموت التقليد وتزدهر فيها العلمنة ويتجه الدين نحو الأفول.

في الحقيقة لم تكن هذه المقولة مجرد طرح نظري بريء، بل كانت أقرب إلى برنامج سياسي نهضت به بعض الحركات الاجتماعية والأحزاب السياسية، وتمت ممارسته بفاعلية أو بشكل قسري، كما كان الأمر في فرنسا حيث سادت الصيغة اليعقوبية للتنوير، وإلى حد كبير في تركيا الكمالية حيث مورست العلمانية بروح متطرفة تكاد توصف بالأصولية.

وإن كانت هذه المقولة قد هُزمت تاريخياً، فالعلمانية الفرنسية تنازلت عن جزء يعتد به من غطرستها، وتراجعت تركيا عن علمانيتها الراديكالية. وبعد قرن وربع من إعلان نيتشه موت الله نجد أن الله حي يملأ الآفاق فلم تنتهِ الكاثوليكية في فرنسا ولم يمت الإسلام في تركيا، فقد هُزمت مقولة النهاية برغم انتصار العلمانية سياسيا.

وانطلقت مقولة خصخصة الدين من سيرورة واقعية تبدو مستقلة عن القوانيين التي تصكها الدولة وتنطق بها الدساتير، استناداً إلى البنية المادية الفائقة لتلك المجتمعات، وإلى هيمنة قوانين السوق وسطوة المجتمع الاستهلاكي، والتمركز حول الإنسان يزداد بإطراد ويقول إن التحدي الذي يواجه عالمنا اليوم ليس موت الله، كما يقول نيتشه، ولا نهاية الدين مثلما التصور المادي في فلسفة التنوير، بل تفكيك الجوهر الإنساني وموت الروحانية المؤمنة بفعل العلمنة الوجودية السارية في قلب العالم الما بعد الحداثة.

بين الحداثة والتنوير والعلمنة

لقد أنتج الجدل المسيحي الغربي مع المفاهيم الثلاثة (الحداثة والتنوير والعلمنة) صورة متجاوزة الوعي التقليدي، بعضها كان إيجابياً وبعضها كان سلبيا ًيمكن اعتباره هامشاً على متن الحداثة العريض الشاهق. في مدة الخمسة قرون جرى الإنتقال نهائيا ًمن الوعي التقليدي إلى الوعي الحداثي قبل أن يبدأ جدل جديد متوقع من الحداثة الفائقة إلى ما بعد الحداثة. كما لا يزال الجدل مستمرا بين التنوير المادي الذى كان قد أفضى إلى الإلحاد منذ منتصف القرن التاسع عشر خصوصاً لدى فيورباخ وماركس وفرويد وصولاً لى نيتشه وموت الله، والتنوير الروحي لدى المثاليين الألمان بدءاً من غوتولد ليسنغ وغوته، وصولاً إلى كانط وهيغل، حيث التصالح بين العقل والإيمان المسيحي.

ولا تزال المراوحة تجري بين مستويين للعلمانية، أولهما العلمانية السياسية التي فرضت نفسها على الكنيسة الكاثولكية منذ المجمع المسكوني بين (1962- 1965) ثم على الدساتير والقوانين حيث الفصل بين الدين والسياسة. وثانيهما العلمانية الوجودية التي تتوغل في قلب مجتمعات الما بعد داثة بآليات خفية وقوة دفع ذاتية، تدفع إلى تهميش الدين وتفكيك الإنسان من دون إعلان ذلك الاتجاه أو محاولة تقنينه.

مأزق الدين في العالم العربي

يؤكد الكاتب أن الجدل لا يزال يدور بين الإسلام والحداثة في واحدة من أكثر عمليات التثاقف صعوبة وممانعة. فثمة دعوة إلى الخلاص من الخوف المقيم الممانع لبرودة العقل باكتشاف طرق لإمتلاك الحداثة، أي الإندراج فيها مباشرة كتجربة كونية تمثل حصيلة الخبرة الإنسانية المشتركة، وليست مجرد مغامرة أوروبية يتعين علينا الوقوف عند حدودها للفرجة عليها أو الوقوف على أطلالها حسرة على موت الله فيها.

يقول صلاح سالم إن ما ندعو إليه هو تجاوز الموقف السلفي الرافض للحداثة بل والموقف التوفيقي الداعي إلى الجمع بين الأصالة والحداثة، والذي يبقى برغم سلامته العامة موقفاً سكونياً اتخذ شكلاً نمطياً وصار قالباً جاهزاً فرض نفسه على الفكر العربي لقرن ونصف قرن من الزمان من دون أن ينتج شيئاً ذا أهمية، برغم ما استهلكه من مشروعات فكرية قيمة وانطوى عليه من اجتهادات بحثية معتبرة.

وتفترض النزعة التوفيقية كاستراتيجية نهضوية مسارات للدمج والتركيب تستلزم بدورها تحليلاً وتفكيكاً كي نحسن الإختيار بين العناصر الإيجابية في تراثنا العربي وتراث الآخر . ولكن تعذر القيام بهذه المهمة لأن العرب دخلوا العصر الحديث تحت ضغط الإستعمار والصهيونية.

تشكل الثقافة العربية

ولقد تشكلت الثقافة العربية في عصر التدوين العربي من القرنين الثاني والرابع الهجريين، أي في الثامن والعاشر الميلاديين، وهي فترة الازدهار الحضاري العربي والإسلامي في مقابل عصر الظلام الأوروبي في العصور الوسطى. ومع بداية القرن التاسع عشر ظهر تأخر الثقافة العربية بعد مجيء الحملة الفرنسية وبروز ما وصلت إليه فرنسا من العلوم.

ويرى الكاتب أن الخطاب الفكري العربي خضع لنزعة دفاعية واضحة لنحو قرنين كاملين كان خلالهما مهجوساً بالغرب وبالرغبة الدفينة في تزويق صورة تديننا الإسلامي في مواجهته حيث تعين على فقهائنا ثم على مفكرينا القيام بمهمة نفي العلاقة بين تخلفنا الحضاري وبين إيماننا الإسلامي، وهي قضية كبرى استغرقت بحوثاً مطولة وأنتجت تأملات على قدر متفاوت من الصواب. غير أن النزعة الدفاعية هذه بفعل التطرف الديني وتصاعد الإرهاب الوحشي تحولت إلي نزعة “هروبية” من الواقع إلى النص القرآني في حضوره الرائق وشفافيته العالية، فطرحت القيم الجوهرية التي ينطوي عليها الإسلام كالعدل والشورى وحرمة النفس الإنسانية والتسامح مع المِلل والأعراق الأخرى، باعتبارها قيمنا “نحن المعاصرين” قبل أن نستدير إلى الآخرين متسائلين: لماذا لا يفهمون ديننا؟ ألم يقرأوا الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة؟

جذور الحداثة في الحضارة العربية

ويوضح صلاح سالم أن للحداثة جذوراً ضاربة في الحضارة العربية الكلاسيكية قيمة عقلانية مؤكدة موجودة بالنص القرآني ولكنها بالتأكيد ليست العقلانية الحديثة “المتمحورة حول المنهج التجريبي” بل عقلانية صورية كانت هي الأرقى في زمانها. وظهرت نزعات عقلانية حديثة شهدتها النهضة العربية الثانية ومحاولات الإصلاح الديني قادها رواد مثل رفاعة الطهطاوي وجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وغيرهم. كما أن العلمانية السياسية في التجربة الإسلامية التي تجاوبت مع النص القرآني في رفض الوصاية الروحية على الضمير الإنساني، لكنها ليست بالقطع تلك العلمانية الحديثة الموشاة بالديمقراطية الليبرالية بل علمانية مستبدة صاغتها صراعات السلطة.

ويُسلّم الكاتب بأن الحضارة الإنسانية بنية واحدة، وإن تفاوتت المراكز الثقافية داخلها بين من ينتج ومن يستهلك، وبأن الخبرة الإنسانية مشتركة متضمنة في تجربة الحداثة. فكل ما هو إيجابي فيها يكاد يكون إنسانياً حيث تمثل الخبرة الإنسانية مستودعاً للحكمة التاريخية تتراكم داخله القيم الإيجابية التي تنال إجماعات البشر ورضاهم، وهو الفهم الذي ينفي حيثيات موقفين شديدي التناقض.

الموقف الأول: الإستسلام لدونية حضارية ترى الغرب نموذجاً مثالياً ومطلقاً لا بد من احتذائه للنهاية. وهذا رأي التيار الحداثي العلماني الذي سطع منذ مطلع القرن العشرين، داعياً إلى قبول الغرب ملهماً لممارساتنا الكلية وإلى اعتبار قيمه ومعاييره مرجعية نهائية لنا ووقوعنا في أسر الصورة المثالية للتنوير، والتي تتمتع لدى هذا التيار بقدسية كبيرة تصمت عما يستنبطه تيار الوعي الغربي العقلاني الليبرالي في تجاويفه من عقد استعلائية ونزعات عنصرية. من أمثلة لذلك الفيلسوف الألماني ليبنتز صاحب مفهوم الموناد الروحية المفترض كونه مثالياً، هو نفسه الذي أراد تسخير الآخرين لخدمة أوروبا الصاعدة. فلم يتوقف عن الدعوة لإحتلال الأقاليم المركزية في العالم، ومن ضمنها مصر. أما فولتير أحد أنبياء الحرية ورواد التنوير الأوروبي فهو نفسه صاحب كتاب (الملك الشمس) الذي مجد فيه الملك لويس الرابع عشر، أبرز ملوك الاستبداد الأوروبي في العصر الحديث.

الموقف الثاني: الإدعاء بالخصوصية الحضارية المطلقة هروباً من كل ما هو إنساني ومعاصر، وهو موقف سلبي غالباً ما يصاحب الشعور بالهزيمة الحضارية وما يثيره من محاولة الاختفاء خلف قشرة من التعالي الزائف على الآخر، حيث تصبح الحضارة الغربية برغم تقدمها نموذجاً للخواء الأخلاقي في مقابل الحضارة الاسلامية التي تعد برغم تخلفها نموذجاً للكمال الأخلاقي وكأنهما سفينتان متناقضتان لا يمكن ركوبهما.

الحتمية الجدلية بين الدين والحداثة

لكل من الدين والحداثة مفهوم جدلي، فالدين التوحيدي ينطوي على الشرائع الثلاث كل منها يعتبر مرحلة في تطوره. وتنبع وحدة الدين من وحدة المعبود المطلق، فيهوه ليس الرب تماماً والرب ليس الله. فثمة تباين في درجة التنزيه التي تصل إلى الحد الأدنى في المسيحية، مروراً باليهودية، وصولاً إلى الحد الأقصى في الإسلام. والأخير نفسه يبدو جدليا ًإذ يمكن فهمه باعتباره الشريعة الخاصة بالمسلمين وحدهم. كما يمكن فهمه بإعتباره الدين الجامع بين أرباب التوحيد الذين أسلموا وجوههم لله أي معتنقو الدين الإبراهيمي في العموم.

أما الحداثة فيمكن فهمها على وجهين: الأول تعريف بسيط – كما ذهب إليه بودلير – وهو تلك الحساسية الجمالية الجديدة التي ذاعت بين التيارات الأدبية والمذاهب الفنية. والتعريف الثاني جدلي يؤكد امتدادها بطول الحقبة المسماة بالحديثة على تعدد عصورها: عصر النهضة والإصلاح الديني، والثورة الصناعية، ثم التنوير والعلمنة، بإعتبارها جميعاً مراحل تصاعدية في التجربة نفسها تحمل قيمها وتمثل منطقها العام ورؤيتها للوجود وتصوراتها الديناميكية عن الكون الذي نعيش فيه.

مسارات الجدل بين الدين والحداثة

مدارات الجدل بين الدين والمفاهيم الثلاثة الأكثر أساسية في التجربة الغربية هي: الحداثة والتنوير والعلمنة. فالحداثة هنا بمعنى العقلنة باعتبارها العملية التاريخية التي أنتجت فهماً يقوم على منطق العقل المتجذر في تجربة العلم الحديث.

فبحسب كارين أرمسترونغ، شكلت الحداثة استقلالاً عن منطق الروح الذي صاحب الحقبة التقليدية والمتعمق في الدين. أما التنوير فهو اللحظة الفلسفية التي انتصر فيها العقل نهائياً والتي يؤرخ لها بإنتاج الموسوعة الفرنسية من لدن المتنورين الفرنسيين الكبار في قلب القرن الثامن عشر، وهو المسار الذى بلغ ذروته على يد كانط والمثالي هيغل محيلاً الدين إلى موضع السلب بعد أن كان الدين هو المتن الذى نمت على هوامشه تجارب النهضة والإصلاح وتطورات العلم الحديث، حتى اكتملت الثورة العلمية مع انتصار فيزياء نيوتن وتصورها الحتمي عن الكون.

أما العلمانية السياسية بإعتبارها الثمرة الثانية للنقد التنويري للدين الذي لم يركز على النقد التنويري النظري، أي النقد الذي لم ينشغل بأصول الحقيقة الإلهية ولا بجذور الاعتقاد الديني (الطوطمية – السحرية – الإحيائية) بل صبّ تركيزة على النقد التنويري العملي والتركيز على دور الدين في الحياة اليومية ودور المؤسسات الدينية في المجال العام ومدى مشروعية تغلغلها في السلطة الزمنية، كما جرت وقائع الهيمنة الكاثولكية في القرون الوسطى.

ولا يزال الجدل مستمراً بين الدين والحداثة في العالم العربي والعالم الغربي…

المصدر : مصادر متعددة

المواد المنشورة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي إسلام أون لاين

أحدث المقالات