مع كل موسم رمضاني، تتسابق الجمعيات الخيرية في نشر صور “تلال” من السلال الغذائية، وأكوام من الأرز والسكر، تعبيراً عن “نجاح” موسم الزكاة. ونحن، كمزكين، نشعر براحة ضمير عميقة حين نرى تلك الصور، موقنين أن أموالنا قد ذهبت لسد جوع الفقراء.
ولكن، هل سألنا أنفسنا يوماً: لماذا يعود نفس الفقير، لنفس الطابور، في نفس الموعد من العام القادم؟ ولماذا لا تنخفض معدلات الفقر في عالمنا الإسلامي رغم ضخ مليارات الدولارات من أموال الزكاة سنوياً؟
الإجابة القاسية هي أننا نمارس ما يمكن تسميته بـ “إدارة الفقر” بدلاً من “القضاء عليه”. نحن نستخدم الزكاة كـ “مسكن ألم” (Panadol) يسكن جوع الفقير ليوم أو يومين، بينما الله شرعها لتكون “علاجاً جذرياً” (Antibiotic) يقتلع الفقر من جذوره. إن الاكتفاء بـ “السلة الغذائية” في غير أوقات الكوارث العاجلة، قد يتحول من عمل خيري نبيل إلى جناية استراتيجية في حق الأمة، لأنه يكرس التبعية بدلاً من التمكين. ، ويبتعد بنا عن نموذج الزكاة التنموية القائم على الإغناء لا الإعاشة المؤقتة.
المقصد المنسي: “الإغناء” لا “الإطعام”
لكي نفهم حجم الخلل، علينا العودة إلى “دستور الزكاة”. نحن نركز غالباً على المقاصد التعبدية: طاعة الله، وتطهير نفس المزكي من الشح. هذا جميل وضروري. ولكن، هناك وجه آخر للعملة غاب عن أذهاننا، وهو المقصد الاجتماعي والاقتصادي. الغاية من الزكاة ليست مجرد إبقاء الفقير على قيد الحياة، بل هي كما نص الفقهاء: “إغناء الفقراء.” الهدف هو إحداث تغيير جذري في حالة المستفيد، نقله من “آخذ” للزكاة اليوم إلى “دافع” للزكاة غداً. وهذا التحول هو جوهر الزكاة التنموية التي تسعى إلى بناء إنسان مكتفٍ لا مستهلك دائم للمعونات. الزكاة شرعت لترسيخ العدالة الاجتماعية وصون الكرامة الإنسانية، وليس لتكريس مشهد “اليد العليا واليد السفلى” إلى الأبد.

بين “الكفاف” و”الكفاية”
هنا يبرز مصطلحان فقهيان يحددان الفارق بين “الإغاثة” و”التنمية”: الكفاف والكفاية. نظام “السلة الغذائية” يعمل على حد “الكفاف” ؛ أي ما يسد الرمق ويقيم الأوَدَ للحظة الراهنة. أما الزكاة التنموية التي ندعو إليها، فتهدف إلى حد “الكفاية“.والكفاية تعني توفير ما يحتاجه الإنسان وعياله على الدوام، بما يخرجه من دائرة الحاجة نهائياً. تحقيق “الكفاية” لا يكون بكيس أرز ينفد بعد أسبوع، بل يكون بتمليك الفقير “أصلاً إنتاجياً” (آلة، ورشة، رأس مال صغير) يدر عليه دخلاً مستمراً. هذا هو الفارق الجوهري بين تقديم “سمكة” تؤكل وتفنى، وبين تقديم “صنارة” وبناء “مهارة” تبقى وتنمو. والتطبيق العملي لفلسفة الزكاة التنموية التي تقوم على التمكين الاقتصادي لا الاستهلاك المؤقت.
الزكاة كأداة “تطهير” للاقتصاد
وإذا وسعنا العدسة قليلاً، سنجد أن الزكاة ليست مجرد عملية تحويل مالي من غني لفقير. إنها عملية “تزكية” للاقتصاد بأسره. التزكية تعني “النماء” و”التطهير”. الزكاة تطهر المجتمع من مرض اقتصادي خطير هو “اكتناز الثروة” . حين يفرض الإسلام 2.5% سنوياً على المال الراكد، هو يجبر صاحب المال على استثماره وتحريكه حتى لا تأكله الصدقة. وحين يذهب هذا المال لتمكين الفقراء، فإنه يرفع قوتهم الشرائية ويحفز الطلب الكلي في الأسواق. وهنا تتحول الزكاة التنموية إلى محرك للنمو الاقتصادي، لا مجرد شبكة أمان اجتماعي.

تحويل الزكاة إلى مجرد “مؤسسة إطعام” هو تعطيل لأقوى محرك اقتصادي إسلامي
نحو تغيير العقلية
إن ذكر مقاصد مثل “توفير فرص العمل” في أدبيات الزكاة التراثية والمعاصرة يشير بوضوح إلى أننا أمام نظام موجه نحو “النتائج”. يجب أن نقيم نجاح مؤسساتنا الزكوية ليس بضخامة الأرقام التي وزعتها (Outputs)، بل بمدى التحسن الحقيقي في حياة الناس (Outcomes). هل نقص عدد الفقراء في سجلاتكم؟ هذا هو السؤال الوحيد المهم. إن النظام الذي يجمع الأموال بكفاءة، ولكنه يفشل في تقليص معدلات الفقر، قد يكون أبرأ ذمة المزكي الفردية، لكنه أخفق في تحقيق “الفرض الكفائي” الملقى على عاتق الأمة.
لقد آن الأوان لنتوقف عن الاحتفال بـ “السلة الغذائية” إلا في سياقها الإغاثي الطارئ. المستقبل هو لـ “الزكاة التنموية”. ولكن، كيف يمكن للزكاة أن تتفوق على البنوك ومؤسسات التمويل في إدارة اقتصاد الفقراء؟ ولماذا نعتبرها “رأس مال عبقرياً” أفضل من القروض؟ هذا ما سنكشفه بلغة الأرقام والاقتصاد في المقال القادم: “رأسمالية الفقراء: كيف تتفوق ‘الزكاة’ على ‘البنوك’ في إدارة اقتصاد الدول؟“.
